النفيس في بيان رزية الخميس ج 2 - ص 218

رابعا : موسى عليه السلام

نقل خبرا عن الرضا (ع) عن آبائه قال : قال رسول الله (ص): " إن موسى سأل ربه فقال : يا رب اجعلني من أمة محمد فأوحى الله إليه يا موسى إنك لا تصل إلى ذلك ".
ثم علق على ذلك مستهزءا بقوله : موسى لا يستحق أن يكون فردا من أمة محمد ، وأمة محمد هم الشيعة طبعا ، والشيعة كلهم أفضل من موسى ".

نقول : الرواية رواها الصدوق في ( عيون أخبار الرضا ) (2) .
لا اعتقد أنه خطر هنا ببال هذا الكاتب إن هذا النص موجود في كتب أهل السنة ، فقد روى الطبري في تفسيره إن موسى (ع) قال : " رب إني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس ... وذكر لنا أن نبي الله موسى (ع) نبذ الألواح وقال : اللهم اجعلني من أمة أحمد " (3) .

رواه أبو نعيم الاصفهاني في كتابه بإضافة إنه قيل له لا تدركها .
" … فخر موسى ساجدا وقال رب اجعلني من أمة محمد فقيل له : لا تدركها " (4) .

 

(2) عيون أخبار الرضا ج2 ص 31 .

(3) تفسير الطبري المجلد 6 ج9 ص 87 -88 . (4) حلية الأولياء ج6ص35 .  
 

- ج 2 ص 219 -

ومن الواضح أن المعنى أنك لاتدرك هذه الأمة من حيث الزمن لأن زمن أمة محمد غير زمنك ، ولا أدري ما الفرق بين هذه العبارة وعبارة ( عيون أخبار الرضا ) " يا موسى إنك لا تصل إلى ذلك " ، أليس هناك مشكلة في قلب الذي يقرأ العبارة ، لذا تجد إن السيد الفاضل اللاجوردي في حاشية ( عيون أخبار الرضا ) فسر قول موسى (ع) : " اجعلني منهم أي طول عمري إلى أن ألقاه (ص) " .
والرواية كما قلنا مذكورة في كتاب ( عيون أخبار الرضا ) ولها ثلاثة أسانيد من الشيخ الصدوق إلى الإمام الرضا (ع) وهي :
1- أبو الحسن محمد بن علي بن الشاه الفقيه المروزي بمرو الرود حدثنا أبو بكر بن محمد بن عبدالله النيسابوري قال حدثنا أبو القاسم عبدالله بن أحمد بن عامر بن سليمان الطائي عن أبيه عن الرضا (ع) .
2- أبو إسحاق إبراهيم بن هارون بن محمد الخوري قال حدثنا جعفر بن محمد بن زياد الفقيه الخوري بنيسابور قال حدثنا أحمد بن عبدالله الهروي الشيباني عن الرضا (ع) .
3- أبوعبدالله الحسين بن محمد الأشناني الرازي العدل ببلخ قال حدثنا علي بن محمد بن مهرويه القزويني عن داود بن سليمان الفرا عن الرضا (ع).

ومشايخ الصدوق الثلاثة مجاهيل في مصادر الشيعة ، كما أن الرواة عن الإمام (ع) كلهم مجاهيل ، ولا حاجة معها للتفتيش عن حال الباقي ، بل غالبا هم من رواة السنة والدليل على ذلك إسنادهم للخبر بعد ذكر الإمام (ع) إلى أبيه عن أبيه وهكذا إلى الرسول (ص)، كما هو عادة محدثي السنة حينما ينقلون عن الإمام (ع) ، ولكن لا إشكال على متن الخبر من الحيثية التي ذكرها كما بينا .

- ج 2 ص 220 -

كما أن هناك رواية تصرح بأن موسى من الأمة المرحومة ، والرواية في كتاب ( معاني الأخبار ) وهي عن الإمام الصادق (ع) : " … فقال موسى ومن هو يا رب ؟ فقال : محمد أحمد اشتققت اسمه من اسمي لأني أنا المحمود ، فقال موسى (ع) : يارب اجعلني من أمته ، قال تعالى : أنت من أمته إذا عرفته وعرفت منزلته ومنزلة أهل بيته … " (1) .
ومن الواضح إن مقتضى الجمع بين الروايتن هو التفسير الذي ذكرناه أي إنك لا تدركه من حيث الزمان يا موسى ولكنك منهم مادمت تعرف منزلة محمد (ص) وأهل بيته (ع) .

ومثل هذه الرواية تريد أن توصل معنى هو قيمة الانتماء إلى رسول الله (ص) والكون من أمته كما هو مدلول الآية القرآنية :
( وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ ) (2) ، كل ذلك كي يعرف بنو إسرائيل قيمة ذلك ويؤمنون به (ص).

وحينما يتمنى موسى (ع) أن يكون من أمة النبي (ص) فهو يريد أن يجسد هذه الآية التي تصرح بأن أمم الأنبياء أخذ الميثاق منهم قبل بعثة المصطفي (ص) على الإيمان به ونصرته .

 

(1) معاني الأخبار ص54 .

(2) آل عمران / 81 .  
 

- ج 2 ص 221 -

فكلمة الأمة لم تستعمل هنا بمعنى عام بل بمعنى الأمة الخاصة الناصرة لرسول الله (ص) حق النصرة ، ونصرته لا تكون لوحده بل والذين سوف يحفظون رسالته ويؤدوها للناس وهم أهل بيته (ع) ، وهذا ما توضحه الرواية .

والغريب من الكاتب أنه يريد أن يحتج على الشيعة برواية مظلمة الإسناد بهذا الشكل ، وفي نفس الوقت يغض الطرف عما روته صحاح أهل السنة في حق موسى (ع) من إساءات وإلى القارئ أمثلة ذلك :

1- روى البخاري في صحيحه في حديث المعراج كتاب المناقب باب المعراج : "… فلما خلصت فإذا موسى قال هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح فلما تجاوزت بكى قيل له ما يبكيك قال أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي …" (1) .
فهل مثل النبي موسى (ع) يبكي لمثل هذا السبب ؟

2- وروى البخاري في صحيحه أيضا كتاب أحاديث الأنبياء باب حديث الخضر مع موسى (ع): " عن ابن عباس حدثني أبي بن كعب أنه سمع رسول الله (ص) يقول إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم فقال : أنا ، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه… " (2) .

فهل من سيرة الأنبياء (ع) أن يعلموا الناس مثل هذا الغرور في إتيان العلم أم أن سيرتهم (ع) هي إرجاع كل الأمور إليه تعالى كما ورد على لسان النبي يوسف (ع) حينما قال ( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ ) (3) ،

 

(1) صحيح البخاري ج5 ص 68 .

(2) المصدر السابق ج4 ص 188 . (3) يوسف / 101 .  
 

- ج 2 ص 222 -

وموسى (ع) هو الذي قال ( رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) (1) ، فهل يمكن أن يغتر بعلمه بعد النبوة بحيث يعاتبه الله تعالى إذ لم يرد العلم إليه ؟

3- وروى البخاري في صحيحه أيضا في كتاب أحاديث الأنبياء باب وفاة موسى (ع) : عن أبي هريرة (رض) قال أرسل ملك الموت إلى موسى (ع) فلما جاءه صكه فرجع إلى ربه ، فقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ، فرد الله عليه عينه ، وقال : ارجع فقل له يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطت به يده بكل شعرة سنة ، قال : أي رب ثم ماذا ؟ قال : ثم الموت ، قال : فالآن … " (2) .

وليتأمل القارئ في الألفاظ الواردة في الرواية ( صكه ) و ( رد الله عليه عينه ) و ( لا يريد الموت ) ، وليحكم هل هي طريقة تعامل نبي من أنبياء الله مع الملائكة ؟

4- وروى مسلم عن أبي هريرة يقول قال رسول الله (ص) احتج آدم وموسى فقال موسى : يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة " (3) .
فهل يمكن أن يتخيل مسلم أن مثل موسى النبي (ع) يوجه خطابه لآدم (ع) بمثل هذا الحديث ؟
وهذه الروايات كلها من صحيح البخاري ومسلم تطعن في الأنبياء وليست روايات ضعيفة أو موضوعة .

فلنسأل مرة أخرى ، من الذي يطعن في الأنبياء (ع) ؟

 

(1) القصص / 24 .

(2) صحيح البخاري ج4 ص 191 - 192 . (3) صحيح مسلم ج4ص 2042 .  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب