النفيس في بيان رزية الخميس ج 1 - ص 163 -

 19- آية التطهير

قال : إن آية التطهير لم تنزل في حق علي وفاطمة والحسن والحسين (ع) ، وادعاء أن ذلك مذكور في صحيح مسلم كذب وتدليس ، والذي في صحيح مسلم أن النبي (ص) قرأ عليهم الآية لا أنها نزلت فيهم خاصة " .

نقول : لتقييم مقالته أنظر أيها القارئ العزيز إلى عبارة ابن الجوزي في تفسيره ( زاد المسير ) (1) : "وفي المراد بأهل البيت ها هنا ثلاثة أقوال :
أحدها : أنهم نساء رسول الله (ص) لأنهن بيته … .
والثاني : أنه خاص في رسول الله (ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسـين ، قاله أبو سعيد الخدري ، وروي عن أنس وعائشة وأم سلمة نحو ذلك … ".

فابن الجوزي يرى أن المتبادر من رواية عائشة في صحيح مسلم أن الحديث عن نزول الآية فيهم .

بل في كتابه ( كشف المشكل من حديث الصحيحين ) (2) اعتبر عائشة من القائلين بأن الآية نزلت فيهم خاصة : " وفي المراد بأهل البيت ها هنا ثلاثة أقوال :

 

(1) زاد المسير - ج6 ص 206

(2) كشف المشكل - ج4 ص418  
 

- ج1 ص 164 -

أحدها نساء النبي (ص) … والثاني رسول الله (ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسين قاله أنس وعائشة وأم سلمة … " .
وقال الخازن في تفسيره (1) : " وذهب أبو سعيد الخدري وجماعة من التابعين منهم مجاهد وقتادة وغيرهم إلى أنهم علي وفاطمة والحسن والحسين (رض) يدل عليه ما روي عن عائشة أم المؤمنين " .

وابن عادل الحنبلي في تفسيره ( اللباب ) (2) حينما يذكر رأي من قال بأنها خاصة بأصحاب الكساء يقول : " وذهب أبو سعيد الخدري وجماعة من التابعين منهم مجاهد وقتادة وغيرهم إلى أنهم علي وفاطمة والحسن والحسين لما روت عائشة " .

والشوكاني في ( فتح القدير ) (3) بعد أن يسرد الروايات الكثيرة التي تربط الآية بالخمسة أصحاب الكساء ومنها رواية عائشة المروية في صحيح مسلم يقول : " وأما دخول علي وفاطمة والحسن والحسين فلكونهم قرابته وأهل بيته في النسب ويؤيد ذلك ما ذكرناه من الأحاديث المصرحة بأنهم سبب النزول " .

بل الآبي في شرحه لصحيح مسلم المسمى ( إكمال إكمال المعلم ) يصرح بأن كون المقصود في الآية خصوص الخمسة أصحاب الكساء هو قول الجمهور ، وهذا الجاهل المتعبد بكلمات ابن تيمية يقول كذب وتدليس .

قال الآبي : " قوله ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) الآية تدل على أن المراد بأهل البيت هؤلاء المعظمون ، قلت : قال ابن عطية : اختلف في المراد بأهل البيت في الآية فقال ابن عباس وعكرمة وغيرهما : زوجاته لا ذكر معهن

 

(1) تفسير الخازن - ج3 ص425

(2) اللباب - ج15 ص548 (3) فتح القدير - ج4 ص323  
 

- ج1 ص 165 -

بناء على أن المراد بالبيت المسكن ، وقال الجمهور : والمراد من أدخلهم (ص) معه المرط لا غير لأحاديث وردت وقوله تعالى : ( وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ولو أراد الزوجات لقال ويطهركن ، ولحديث أبي سعيد قال : قال رسول الله (ص) : نزلت هذه الآية فيّ وفي علي وفاطمة والحسن والحسين " (1) .

وراوية أبي سعيد التي تصرح بأن النزول سببه الخمسة فقط ذكرها الطبري في تفسيره (2) قال الطبري : " حدثني محمد بن المثنى قال : ثنا بكر بن يحيى بن زيان العنزي قال : ثنا مندل ، عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله (ص) : نزلت هذه الآية في خمسة : فيّ وفي علي (رض) وحسن (رض) وحسين (رض) وفاطمة (رض) ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) " .


ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (3) قال : " عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد قال : قال رسول الله (ص) وذكر نحوه .

ورواه أيضا الواحدي في تفسيره ( الوسيط ) (4) قال : " أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الله الحافظ نا عبد الله بن محمد الحافظ نا أحمد بن أبي عاصم نا أبو الربيع الزهراني نا عمار بن محمد الثوري عن أبي الجحاف عن عطية عن أبي سعيد وذكر نحوه

ورواه الطبراني في ( المعجم الكبير ) قال : " حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون ثنا علي بن عابس عن أبي الجحاف عن عطية عن

 

(1) إكمال إكمال المعلم - ج8 ص277
(2) تفسير الطبري - ج12 ص9

(3) تفسير ابن أبي حاتم - ج9 ص3132
(4) الوسيط - ج3 ص470
 
 

- ج1 ص 166 -

أبي سعيد وعن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد قال نزلت هذه الآية ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) في رسول الله (ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (رض) (1).

وذكر مـلا علي القاري الرواية الأخيرة في ( المرقاة ) (2) وقال : أخرجه أحمد في ( المناقب ) وأخرجه الطبراني .

وروى الطحاوي في ( مشكل الآثار ) عن أم سلمة قالت : نزلت هذه الآية في رسول الله (ص) وعلي وفاطمة وحسن وحسين (رض) ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (3) .

وروى الآجري في ( الشريعة ) عن أم سلمة قصة نـزول الآية إلى أن قالت في آخرها فقلت : يا رسول الله أنا معكم ؟ قال : إنك إلى خير إنك إلى خير ، قالت : وهم خمسة رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم " ، وعلق محقق الكتاب على الإسناد بقوله : إسناده حسن (4) .

وروى ابن جرير الطبري في تفسيره عن حكيـم بن سعد قال : ذكرنا علي بن أبي طالب (رض) عند أم سلمة ، قالت : فيه نزلت ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ، قالت أم سلمة : جاء النبي (ص) إلى بيتي فقال : لا تأذني لأحد ، فجاءت فاطمة فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها ثم جاء الحسن فلم أستطع أن أمنعه أن يدخل على جده وأمه وجاء الحسين فلم أستطع أن أحجبه ، فاجتمعوا حول النبي (ص) على بساط فجللهم نبي الله بكساء كان عليه ثم قال :

 

(1) المعجم الكبير - ج3 ص56
(2) المرقاة - ج10 ص509

(3) مشكل الآثار - ج1 ص227 ح771
(4) الشريعة - ج5 ص2209 ح1695
 
 

- ج1 ص 167 -

 " هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " ، فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط قالت : فقلت يا رسول الله وأنا ، قالت : فوالله ما أنعم ، وقال : " إنك إلى خير " (1) .

ورواه الطبراني في ( المعجم الكبير ) عن حكيم بن سعد عن أم سلمة قالت : " هذه الآية ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) في رسول الله (ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسين " (2) .

ورواه في ( المعجم الأوسط ) عن أم سلمة أن رسول الله (ص) دعا عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فجللهم بكساء ثم قال : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) قال : وفيهم نزلت (3) ، ورواه في ( المعجم الصغير ) (4) .

ورواه الخطيب في ( موضح أوهام الجمع والتفريق ) (5) .

ويدل على ذلك أن الروايات الكثيرة الواردة عن أم المؤمنين أم سلمة تصرح بقولها : " في بيتي نزلت هذه الآية " فهي تفصل في شأن النزول .

فقد روى الحاكم النيسابوري في ( المستدرك على الصحيحين ) (6) : عن عطاء بن يسار عن أم سلمة قالت : " في بيتي نزلت ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) ، قالت : فأرسل رسول الله (ص) إلى علي وفاطمة والحسن والحسين فقال هؤلاء أهل بيتي " .

قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه .

 

(1) تفسير الطبري - مجلد 12 ج22 ص12
(2) المعجم الكبير - ج23 ص327
(3) المعجم الأوسط - ج3 ص39

(3) المعجم الصغير - ص134
(5) موضح أوهام الجمع والتفريق - ج2 ص312
(6) المستدرك على الصحيحين - ج3 ص146
 
 

- ج1 ص 168 -

وقال الذهبي : على شرط البخاري .

وأخرج الحاكم أيضا بإسناد آخر (1) : عن عطاء بن يسار عن أم سلمة (رض) أنها قالت : في بيتي نزلت هذه الآية ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) ، قالت : فأرسل رسول الله (ص) إلى علي وفاطمة والحسن والحسين رضوان الله عليهم أجمعين ، فقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي ، قالت أم سلمة يا رسول الله : ما أنا من أهل البيت ؟ قال : إنك إلي خير وهؤلاء أهل بيتي اللهم أهلي أحق " .
قال الحاكم :
هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه .
وقال الذهبي : على شرط مسلم ، سمعه الوليد بن مزيد من الأوزاعي .

ورواه الترمذي نحوه في سننه باب فضل فاطمة بنت محمد (ص) ، ثم علق عليه بقوله : " هذا حديث حسن ، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب ، وفي الباب عن عمرو بن أبي سلمة وأنس بن مالك وأبي الحمراء ومعقل بن يسار وعائشة " (2) .

ويظهر من نقل الخازن في تفسيره أن الترمذي صحح الحديث لا أنه حسنه قال الخازن : عن أم سلمة قالت : " إن هذه الآية نزلت في بيتها ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) قالت : وأنا جالسة عند الباب فقلت : يا رسول الله ألست من أهل البيت ؟ فقال : إنك إلى خير أنت من أزواج النبي (ص) قالت : وفي البيت رسول الله (ص) وعلي وفاطمة وحسن وحسين فجللهم بكساء وقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، أخرجه الترمذي وقال : حديث صحيح غريب " (3) .

 

(1) المستدرك على الصحيحين - ج2 ص416
(2) سنن الترمذي - ج5 ص699

(3) تفسير الخازن - ج3 ص425  
 

- ج1 ص 169 -

وكذلك يظهر من قول السيوطي في ( الدر المنثور ) : " وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن أم سلمة (رض) قالت : في بيتي نزلت ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين فجللهم رسول الله (ص) بكساء كان عليه ثم قال : هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " (1) .

وصرح ملا علي القاري بذلك في ( المرقاة ) : عن أم سلمة أن النبي (ص) جعل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساء ، وقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي أذهب عنهم الرجس وطـهرهم تطهيرا ، أخرجه الترمذي وقال : حسن صحيح " (2) .

وكذلك يظهر من عبارة المحقق في الحاشية على ( المعجم الكبير ) (3) بأن الترمذي قال : حسن صحيح ، ثم علق بقوله : وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده .

لذا يعجب المرء من أن النسخ المطبوعة من سنن الترمذي فيها حسن دون كلمة صحيح !!
والعجيب أن ابن تيمية نفسه لم ينكر أن الآية نزلت في الخمسة إنما يرى نزولها في الخمسة وزوجات النبي (ص) فيقول في ( منهاج السنة ) : " إن هذا الحديث صحيح في الجملة فأنه ثبت عن النبي (ص) أنه قال لعلي وفاطمة وحسن وحسين : اللهم إن

 

(1) الدر المنثور - ج6 ص604

(2) المرقاة - ج10 ص509 (3) المعجم الكبير - ج2 ص53  
 

- ج1 ص 170 -

هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وروى ذلك مسلم عـن عائشة … ، وهو مشهور من رواية أم سلمة من رواية أحمد والترمذي " (1) .

ويقول في الصفحة التالية : " فالخطاب كله لأزواج النبي (ص) ومعهن الأمر والنهي والوعد والوعيد لكن لما تبين ما في هذا من النعمة التي تعمهن وتعم غيرهن من أهل البيت جاء التطهير بهذا الخطاب وغيره ليس مختصا بأزواجه بل هو متناول لأهل البيت كلهم وعلي وفاطمة والحسن والحسين أخص من غيرهم بذلك " .

وبذلك صرح ابن كثير إذ اعتمد على الروايات المصرحة بأن المقصود الخمسة أصحاب الكساء (ع) ، وضم إليهم الزوجات للسياق .

قال في تفسيره تعليقا على رأي عكرمة في أن الآية مختصة بأزواج النبي (ص) : " إن أريد - من قول عكرمة - أنهن المراد فقط دون غيرهن ففي هذا نظر فإنه وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك " (2) .

وقال في مورد آخر : " ولكن إذا كان أزواجه من أهل بيته فقرابته أحق بهذه التسمية كما تقدم في الحديث ( وأهل بيتي أحق ) " (3) .

وعليه يتبين أن القول " فالآية إذاً خاصة بالنبي (ص) وأزواجه " قول لم يقله حتى ابن تيمية وابن كثير أئمته في التعصب والعداء لأتباع أهل البيت (ع) ، نعم سبقه في القول باختصاص الآية بالنساء بعض مشاهير النواصب مثل عكرمة وعروة بن الزبير .

 

(1) منهاج السنة - ج4 ص20

(2) تفسير ابن كثير - ج3 ص491 (3) نفس المصدر السابق - ص495  
 

- ج1 ص 171 -

هذا وممن صرح باختصاص الآية بأصحاب الكساء الطحاوي في ( مشكل الآثار ) (1) حيث ذكر بعض الأحاديث الواردة في الباب فروى عن عامر بن سعد عن أبيه قال : لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله (ص) عليا وفاطمة وحسنا وحسينا (ع) وقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي " ، وعلق الطحاوي بقوله : " فكان في هذا الحديث أن المراد هم رسول الله (ص) وعلي وفاطمة وحسن وحسين " إلى أن يقول في مورد آخر (2) : " وحديث سعد وما ذكرناه معه من الأحاديث في أول الباب معقول بها من أهل الآية المتلوة فيها لنا قد أحطنا علما أن رسول الله (ص) لما دعا من أهله عند نزولها لم يبق من أهلها المرادين فيها أحد سواهم وإذا كان ذلك كذلك استحال أن يدخل معهم فيما أريد به سواهم ، وفيما ذكرنا من ذلك بيان ما وصفنا .

فإن قال قائل فإن كتاب الله تعالى يدل على أن أزواج النبي (ص) هم المقصودون بتلك الآية لأنه قال قبلها في السورة التي هي فيها : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ ِلأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) إلى قوله ( الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ) ، فكان ذلك كله يؤذن به لأنه على خطاب النساء لا على خطاب الرجال ثم قال ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ) .

فكان جوابنا له أن الذي تلاه إلى آخر ما قبل قوله ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ ) هو خطاب لأزواجه ثم أعقب ذلك بخطابه لأهله بقوله تعالى ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ ) … فجاء به على خطاب الرجال وما قبله فجاء به بالنون وكذلك خطاب النساء " ، انتهى كلام الطحاوي

 

(1) مشكل الآثار - ج1 ص22

(2) نفس المصدر السابق - ص230  
 

- ج1 ص 172 -

وكذلك صرح بذلك الآجري ( ت 360 ) في كتابه ( الشريعة ) قال : " باب ذكر قول الله عز وجل ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ، قال محمد بن الحسين رحمه الله - أي الآجري - هم الأربعة الذين حوو جميع الشرف ، وهم علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم " (1) .

وبذلك صرح أبو المحاسن الحنفي في كتابه ( معتصر المختصر ) قال : " في أهل البيت ، روي أن رسول الله (ص) لما نزلت هذه الآية ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) دعا عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال : اللهم هؤلاء أهلي ، وروي أنه جمع فاطمة والحسن والحسين ثم أدخلهم تحت ثوبه ثم جأر إلى الله فقال : رب هؤلاء أهلي قالت أم سلمة : يا رسول الله فتدخلني مـعهم ، قال : أنت من أهلي ، يعني من أزواجه كما في حديث الإفك من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي لا أنها أهل الآية المتلوة في هذا الباب يؤيده ما روي عن أم سلمة أن هذه الآية نزلت في بيتي … وما روي عن واثلة … ، وواثلة أبعد من أم سلمة لأنه ليس من قريش وأم سلمة موضعها من قريش فكان قوله (ص) لواثلة أنت من أهلي لإتباعك إياي وإيمانك بي وأهل الأنبياء متبعوهم ، يؤيده قوله تعالى لنوح ( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ) … والكلام لخطاب أزواج النبي (ص) تم عند قوله ( وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ ) وقوله تعالى ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) استئناف تشريفا لأهل البيت وترفيعا لمقدارهم ألا ترى أنه جاء على خطاب المذكر فقال عنكم ولم يقل عنكن ، فلا حجة لأحد في إدخال

 

(1) الشريعة - ج5 ص2205

 
 

- ج1 ص 173 -

الأزواج في هذه الآية يدل عليه ما روي أن رسول الله (ص) كان إذا أصبح أتى باب فاطمة فقال : السلام عليكم أهل البيت ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) " (1) . انتهى
 

ثم نقل مقولات ابن تيمية الساعية لتفريغ الآية من أي قيمة خاصة ، قال : " إن مضمون هذا الحديث أن النبي (ص) دعا لهم بأن يذهب عنهم الرجس ويطهر تطهيرا وغاية ذلك يكون دعا لهم أن يكونوا من المتقين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم واجتناب الرجس واجب على المؤمنين والطهارة مأمور بها كل مؤمن ، قال تعالى : ( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ) …الخ .

فنقول : إن كان ما ذكر عن ابن تيمية هو المقصود من الطهارة وأنه لا فضيلة فيها لأهل البيت وأنها مثل قوله تعالى ( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ) (2) ، وإن الله أراد للمؤمنين جميعا لهم هذا النوع من الطهارة والخير والطاعة ولم يرد لهم المعصية والشر فأي مبرر يبقى لطلب أم سلمة كما في الروايات الصحيحة التي ذكرناها "وأنا منهم ؟ " ، فلماذا تطلب أم سلمة أن تكون داخلة تحت عنوان أهل البيت إذا لم يكن لها إلا قيمة عامة موجودة لكل المؤمنين .

 

(1) معتصر المختصر - ج2 ص266

(2) المائدة : 6  
 

- ج1 ص 174 -

وكذلك الحال بالنسبة إلى واثلة بن الأسقع كذلك فقد روى البيهقي في ( السنن الكبرى ) : عن الأوزاعي قال حدثني أبو عمار رجل منا قال واثلة بن الأسقع الليثي قال : " جئت أريد عليا (رض) فلم أجده فقالت فاطمة (ع) انطلق إلى رسول الله (ص) يدعوه فاجلس قال : فجاء مع رسول الله (ص) فدخلا فدخلت معهما قال : فدعا رسول الله (ص) حسنا وحسينا فأجلس كل واحدا منهما على فخذه وأدنى فاطمة من حجرة وزوجها ثم لف عليهم ثوبه وأنا منتبذ فقال : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا اللهم هؤلاء أهلي اللهم أهلي أحق ، قال واثلة : قلت يا رسول الله وأنا من أهلك قال وأنت من أهلي قال واثلة (رض) : إنها لمن أرجى ما أرجو" (1) .

وروى أيضا : وأخبرنا أبو عبد الله السوسي ثنا أبو العباس أنبأ الربيع بن سليمان وسعيد بن عثمان قالا : ثنا بشر بن بكر عن الأوزاعي قال : حدثني أبو عمار قال : حدثني واثلة بن الأسقع قال : أتيت عليا (رض) فلم أجده فذكر الحديث بنحوه .

قال البيهقي : هذا إسناد صحيح وهو إلى تخصيص واثلة بذلك أقرب من تعميم الأمة به وكأنه جعل واثلة في الحكم الأهل تشبيها بمن يستحق هذا الاسم لا تحقيقا والله أعلم .

وذكره ابن حبان ، بل جعل العنوان " ذكر الخبر المصرح بأن هؤلاء الأربع الذين تقدم ذكرنا لهم هم أهل بيت المصطفي (ص) " ، عن الأوزاعي عن شداد أبي عمار عن واثلة بن الأسقع قال : سألت عن علي في منزله فقيل لي ذهب يأتي برسول الله (ص) إذ جاء فدخل رسول الله (ص) ودخلت فجلس رسول الله (ص) على الفراش

 

(1) السنن الكبرى للبيهقي - ج2 ص217

 
 

- ج1 ص 175 -

وأجلس فاطمة عن يمينه وعليا عن يساره وحسنا وحسينا بين يديه وقال ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) اللهم هؤلاء أهلي قاله واثلة فقلت من ناحية البيت وأنا يا رسول الله من أهلك ؟ قال : وأنت من أهلي قال واثلة : إنها لمن أرجى ما أرتجي " (1) .

فعلى تفسير ابن تيمية للآية يكون واثلة قد قال كلاما لا معنى له حينما طلب أن يكون من الأهل ولو تشبيها لا تحقيقا كما قال البيهقي .

بل إن الأمر يبدو أكثر غرابة حينما يقول واثلة " إنها لمن أرجى ما أرتجي " ، فكيف يرجو شيئا من عبارة لا تفيد إلا ما يفيده قول الله تعالى : ( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ) ؟ فوفق تفسير ابن تيمية ، إن الله يحب طاعة أهل البيت وعدم معصيتهم ، وهذا أمر يحب الله صدوره أيضا من الناس كلهم ومنهم واثلة ، فأي معنى لأن يتمنى واثلة أن يكون مشمولا بلآية ، وهي تشمله وغيره فعلا ولا فضل ولا خصوصية لمن شملتهم .

فمن الذي أساء الفهم هل هو واثلة أم ابن تيمية الذي فرغ الآية عن كونها فضيلة للمشمولين لها ؟.

بل ورد في مصادر القوم ما يفسر معنى الآية من قول رسول الله (ص) نفسه وأن المطلوب هو شيء وفق له الرسول (ص) ، إذ أن رسول الله (ص) دعا قبل نزول الآية بزمن طويل لعلي وفاطمة من يوم زواجهما على ما نقل الآجري في كتابه ( الشريعة ) في رواية طويلة عن ابن عباس : " ثم قال : اللهم إنهما مني وأنا منهما اللهم كما أذهبت عني الرجس وطهرتني فطهرهما ثم دعا فاطمة فقامت إليه وعليها النقبة وإزارها فضرب كفا من ماء بين

 

(1) صحيح ابن حبان - ج6 ص284

 
 

- ج1 ص 176 -

 ثدييها وأخرى بين عاتقيها وبأخرى على هامتها ، ثم نضح جلدها وجلده ثم التزمها ثم قال : اللهم إنهما مني وأنا منهما اللهم فكما أذهبت عني الرجس وطهرتني فطهرهما … " (1) .

فهل رسول الله (ص) حينما يقول كما أذهبت عني الرجس وطهرتني يقصد المعنى العام المطلوب من كل مسلم ؟ أم يتحدث عن تحقق شيء خاص لا يتحقق إلا للمعصومين والمخلصين ؟

ثم إنه يجب الالتفات إلى أن الآية التي ذكرها أي قوله تعالى ( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ) وهي الآية 6 من سورة المائدة نزلت في الوضوء والغسل والتيمم أي الطهارة من الحدث فأول الآية ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ ) مما يتضح معه أنه لا علاقة بين كلمتي الطهارة في الآيتين .

الإرادة في الآية
قال ابن تيمية : " إن قوله تعالى ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ، كقوله ( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ) وكقوله ( يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ … ) وكقوله ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ… ) فإن إرادة الله في هذه الآيات متضمنة لمحبة الله لذلك المراد ورضاه به وأنه شرعه للمؤمنين وأمرهم به ، ليس في ذلك أنه خلق هذا المراد ولا أنه قضاه وقدره ولا أنه يكون لا محالة … والشيعة قدرية في العقيدة

 

(1) الشريعة - ج5 ص2128

 
 

- ج1 ص 177 -

فكيف لهم أن يحتجوا بمثل هذه الآية فإن إرادة الله عندهم لا تقع دائما وهم لا يفرقون بين الإرادة الشرعية والإرادة القدرية ".

في كتاب ( مجموعة الفتاوى ) (1) قسّم ابن تيمية القدرية إلى ثلاثة أقسام وقال : " والقدرية الثانية المجوسية الذين يجعلون لله شركاء في خلقه كما جعل الأولون لله شركاء في عبادته فيقولون : خالق الخير غير خالق الشر ، ويقول من كان منهم في ملتنا إن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئة الله تعالى وربما قالوا ولا يعلمها ويقولون إن جميع أفعال الحيوان واقع بغير قدرته ولا صنعه فيجحدون مشيئتة النافذة وقدرته الشاملة … وهذا يقع كثيرا إما اعتقادا وإما حالا في كثير من المتفقهة والمتكلمة كما وقع اعتقاد ذلك في المعتزلة والشيعة المتأخرين … " .

وليست العبارة المنقولة التي نقلها الكاتب هي عبارة ابن تيمية بعينها بل الناقل غير و شوش الأمر أكثر ، فإليك مقالة ابن تيمية في ( منهاج السنة ) :  " فإن إرادة الله في هذه الآيات متضمنة لمحبة الله لذلك المراد ورضاه به وأنه شرعه للمؤمنين وأمرهم به ، ليس في ذلك أنه خلق هذا المراد ولا أنه قضاه وقدره و أنه يكون لا محالة … وهذا على قول القدرية أظهر فإن إرادة الله عندهم لا تتضمن وجود المراد بل قد يريد ما لا يكون و يكون ما لا يريد فليس في كونه تعالى مريدا لذلك ما يدل على وقوعه ، وهذا الرافضي وأمثاله قدرية فكيف يحتجون بقوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت على وقوع المراد وعندهم أن الله أراد إيمان من على وجه الأرض فلم يقع مراده " (2) .

 

(1) مجموعة الفتاوى - ج8 ص155

(2) منهاج السنة - ج4 ص20  
 

- ج1 ص 178 -

فلا نعرف من أين استقى ابن تيمية معلوماته هذه عن الشيعة ؟ ومن من علماء الشيعة تلفظ بتلك الأقوال ؟ ولكن الظاهر أن هذا المسكين - المصاب بالعمى بسبب التعصب - راجع كلمات المتكلمين من علماء الشيعة فوجدهم عند الحديث عن الإرادة يثبتون صفة الإرادة لله عز وجل كما هو إجماع المسلمين ولكن يوضحون أن المراد بوصف الله أنه مريد غير ما يراد به عندما يقال إن الإنسان مريد .

قال الشيخ المفيد (رض) في رسالة بعنوان ( مسألة في الإرادة ) (1) طبع مع ( النكت الاعتقادية ) : " الإرادة من الله جل اسمه نفس الفعل ومن الخلق الضمير وأشباهه مما لا يجوز إلا على ذوي الحاجة والنقص … ولما كان الله تعالى يجل عن الحاجات … بطل أن يكون محتاجا في الأفعال إلى القصود والعزمات وثبت أن وصفه بالإرادة مخالف في معناه لوصف العباد وأنها نفس فعله الأشياء … عن صفوان بن يحي قال : قلت لأبي الحسن (ع) : أخبرني عن الإرادة من الله تعالى ومن الخلق ، فقال : الإرادة من الخلق الضمير وما يبدو لهم بعد الفعل والإرادة من الله إحداثه الفعل لا غير ذلك لأنه جل اسمه لا يهم ولا يتفكر " .

فأنظر أخي القارئ إلى المتكلمين حينما يبحثون في صفة الإرادة ، فهم يبحثون عن الإرادة التكوينية لله سواء من الشيعة والسنة ، ولكن كيف للمتعصب إدراك الحقـائق ، والذي يرشد إلى ذلك قول الشيخ المفيد في نفس الرسالة (2) : " فأما إرادة الله تعالى لأفعال خلقه فهي أمره لهم بالأفعال ووصفنا له بأنه يريد منهم كذا إنما هو استعارة ومجاز وكذلك كل من وصف بأنه مريد لما ليس من فعله " .

 

(1) النكت الاعتقادية ، مسألة في الإدارة - ص11

(2) نفس المصدر السابق ، مسألة في الإدارة - ص14  
 

- ج1 ص 179 -

هذا وقد حلت روايات أهل البيت المعضل قبل كلام المتكلمين وتبعهم علماء الشيعة في مسألة القضاء والقدر والجبر والتفويض ، ويكفيك ما روى عن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (ع) في ذلك .

فقد روى الصدوق في كتابه ( التوحيد ) (1) عن الإمام علي بن أبي طالب (ع) وكذلك ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) (2) في ترجمة الإمام علي (ع) بسنده إلى ابن عباس واللفظ للأول قال : " دخل رجل من أهل العراق على أمير المؤمنين (ع) فقال : أخبرنا عن خروجنـا إلى أهل الشـام أبقضاء من الله وقدر ؟ فقـال له أمير المؤمنين (ع) : أجل يا شيخ ، فوالله ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلا بقضاء من الله وقدر ، فقال الشيخ : عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين . فقال : مهلا يا شيخ ، لعلك تظن قضاءا حتما وقدرا لازما ، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي والزجر ، ولسقط معنى الوعيد والوعد ، ولم يكن على مسيء لائمة ولا لمحسن محمدة ، ولكان المحسن أولى باللائمة من المذنب والمذنب أولى بالإحسان من المحسن تلك مقالة عبدة الأوثان وخصماء الرحمن وقدرية هذه الأمة ومجوسها .

يا شيخ إن الله عز وجل كلف تخييرا ونهى تحذيرا وأعطى على القليل كثيرا ولم يعص مغلوبا ولم يطع مكرها ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار " .

وكذلك يروي الصدوق في ( التوحيد ) عن الصادق (ع) : " إن الناس في القدر على ثلاثة أوجه : رجل يزعم أن الله عز وجل أجبر الناس على المعاصي فهذا قد

 

(1) التوحيد للصدوق - ص380

(2) تاريخ دمشق - ج42 ص512  
 

- ج1 ص 180 -

ظلم الله في حكمه فهو كافر ، ورجل يزعم أن الأمر مفوض إليه فهذا قد أوهن الله في سلطانه فهو كافر ، ورجل يزعم أن الله كلف العباد ما يطيقون ولم يكلفهم ما لا يطيقون وإذا أحسن حمد الله وإذا أساء استغفر الله فهذا مسلم بالغ " (1) .

وأما القدر بالمعنى الذي ذكره ابن تيمية فقد صرح علمائنا بأنه مرفوض وسمي في بحوثهم باسم التفويض .

قال الشيخ المفيد بعد رد قول الجبرية في ( تصحيح الاعتقاد ) : " والتفويض هو القول برفع الحظر عن الخلق في الأفعال والإباحة لهم مع ما شاؤوا من الأعمال ، وهذا قول الزنادقة وأصحاب الاباحات والواسطة بين هذين القولين أن الله تعالى أقدر الخلق على أفعالهم ومكنهم من أعمالهم وحد لهم الحدود … " (2) .

وقال الشيخ نصير الدين الطوسي في كتابه ( تلخيص المحصل ) : " فإذا نظرنا إلى أسباب القدرة والإرادة كان في الأصل من الله وعند وجودهما الفعل واجب وعند عدمهما ممتنع وإذا نظرنا إلى الفعل كان من العبد بحسب قدرته وإرادته فلهذا قيل ( لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين ) فإذن الاختيار حق والإسناد إلى الله حق ولا يتم الفعل بأحدهما دون الآخر " (3) .

ولكن ابن تيمية يأبى إلا أن يقحم الشيعة في ثوب القدرية حتى مع انعدام الدليل ، حتى يسهل عليه أن يصفهم بالمجوس وفقا لرواية النبي (ص) : " القدرية مجوس هذه الأمة " .

 

(1) التوحيد للصدوق - ص360

(2) تصحيح الاعتقاد - ص33 (3) تلخيص المحصل - ص477  
 

- ج1 ص 181 -

وأما تقسيم الشيعة للإرادة إلى قسمين تشريعية وتكوينية فقد وجد في أقدم كتبهم فهذا السيد المرتضى في ( تلخيص الشافي ) يقول : " ووجه الدلالة أنا نقول ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ ) لا يخلو من أن يكون معناه الإرادة المحضة التي يتبعها الفعل وإذهاب الرجس أو أن يكون أراد ذلك وفعله : فإن كان الأول - فهو باطل من وجوه أولها أن لفظ الآية يقتضي اختصاص أهل البيت (ع) بما ليس لغيرهم ألا ترى أن القائل إذا قال : إنما العالم فلان … فكلامه يفيد التخصيص الذي ذكرناه وإرادة الطهارة من الذنوب من غير أن يتبعها فعل لا تخصيص لأهل البيت بها بل الله يريد كل مكلف مثل ذلك " (1) .

وكذلك قال الشيخ الطبرسي في ( مجمع البيان ) : " إذا تقرر هذا فلا تخلو الإرادة في الآية أن تكون هي الإرادة المحضة أو الإرادة التي يتبعها التطهير وإذهاب الرجس ولا يجوز الوجه الأول … " (2) .

ولإعادة صياغة الدليل نقول : أن الآية كما قيل يحتمل أن تعد كقوله تعالى ( فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (3) ، لا شك بأن المقصود بها إرادة تشريعية .

ويحتمل أن تكون كقوله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ) (4) ، وهي إرادة تكوينية لا تتخلف من حيث الوقوع .

 

(1) تلخيص الشافي - ج2 ص250

(2) مجمع البيان - ج4 ص357 (3) المائدة : 6 (4) الحج : 14  
 

- ج1 ص 182 -

والمرجح الواضح للثاني هو كون الآية تدل على فضيلة وخصوصية لأهل البيت (ع) كما هو صريح الروايات التي ذكرناها ، وإذا حملت على مجرد التشريع لم يكن فيها أي فضيلة ، ولم يكن هناك تميز لأهل البيت (ع) في الآية .

والشيء الآخر المهم إذا كانت تشريعية فالتشريعات الموجودة في الآيات السابقة كلها للنساء فلماذا يتحول ضمير النسوة إلى ضمير المذكر ؟ فإن قيل لدخول رسول الله (ص) بناء على رأي هذا القائل ، وبضميمة أصحاب الكساء على رأي علماء السنة ، فنقول وما علاقة رسول الله (ص) وأصحاب الكساء (ع) بتشريعات خاصة بالنساء ؟!

وكذلك الآية كما يمكن من حيث لفظ الطهارة تكون كقوله تعالى ( وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ) فلا قيمة للفظة الطهارة هنا ، يمكن أن تكون بالمعنى الوارد في قوله تعالى ( يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ) (1) والواضح فيها القيمة الخاصة لتطهير مريم (ع) .

ومن الواضح أن آية ( يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ) جاءت بعد أحكام الوضوء والتيمم فالحديث عن الطهارة لرفع الحدث ، وأما في آية التطهير فلا حديث عن ذلك ، بل لا حديث عن تشريعات ترتبط بأصحاب الكساء (ع) كما بينا ولا يمكن أن تترتب على التشريعات الخاصة المذكورة لنساء النبي (ص) إذ مع كون الأحكام خاصة بالنساء لا معنى لإدخال النبي (ص) وغيره من أصحاب الكساء ، وبحيث يكون ما يشملهم مترتبا على ما سبق من أحكام ، فهي والحال هذه كالآية التي أخبرت باصطفاء مريم وطهارتها ، وهي بهذا الاستعمال لا يمكن إلا أن تدل على ميزة خاصة أعطيت لأهل البيت أي خصوص الخمسة أصحاب الكساء (ع) .

 

(1) آل عمران : 42

 
 

- ج1 ص 183 -

قال ابن تيمية : " والدليل على ذلك أن النبي (ص) بعد نزول الآية قال : " اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " فطلب من الله لهم إذهاب الرجس والتطهير ، فلو كانت الآية تتضمن إخبار الله بأنه قد أذهب عنهم الرجس وطهرهم لم يحتج إلى الطلب والدعاء ".

نقول : إن من يتابع الروايات الواردة عن طريق الأئمة (ع) يجد أن رسول الله (ص) دعا لأهله قبل نزول الآية ثم نزلت الآية بعد دعائه (ص) مما يرفع إشكال ابن تيمية بل هي في بعض مصادر السنة كذلك .

وأما ما جاء عن طريق أئمة أهل البيت (ع) فقد ذكر المجلسي في ( بحار الأنوار ) : في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (ع) في قوله تعالى " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " قال : نزلت هذه الآية في رسول الله (ص) وعلي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين وذلك في بيت أم سلمة زوجة النبي (ص) دعا رسول الله (ص) عليا وفاطمة والحسن والحسين ثم ألبسهم كساءا له خيبريا ودخل معهم فيه ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي الذين وعدتني فيهم ما وعدتني اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، فنزلت هذه الآية " (1) .

وعن الرضا (ع) عن آبائه عن علي بن الحسين (ع) عن أم سلمة قالت : نزلت هذه الآية في بيتي وفي يومي وكان رسول الله (ص) عندي فدعا عليا وفاطمة والحسن والحسين (ع) وجاء جبريل فمد عليهم كساءا فدكيا ثم قال : " اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قال جبريل وأنا معكم يا محمد فقال النبي (ص) : وأنت منا يا جبريل ، قالت أم سلمة فقلت : يا رسول الله وأنا من أهل بيتك ، وجئت لأدخل معهم فقال : كوني مكانك يا أم سلمة إنك على خير أنت من

 

(1) بحار الأنوار - ج35 ص207

 
 

- ج1 ص 184 -

أزواج نبي الله فقال جبريل (ع) اقرأ يا محمد ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) في النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين ع " (1) .

وكذلك تقدم الدعاء على النزول فيما رواه فرات الكوفي معنعنا عن شهر بن حوشب عن أم سلمة كما في ( البحار ) (2) ، وكذلك رواه فرات الكوفي عن عبيد بن كثير معنعنا عن أبي عبد الله (ع) في البحار (3) .

وقد ذكر الطبري في تفسيره ما يوافق ذلك عن حكيم بن سعد قال : " ذكرنا علي بن أبي طالب (رض) عند أم سلمة قالت : فيه نزلت ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ، قالت أم سلمة جاء النبي (ص) إلى بيتي ، فقال : لا تأذني لأحد فجاءت فاطمة فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها ثم جاء الحسن فلم أستطع أن أمنعه أن يدخل على جده وأمه وجاء الحسين فلم أستطع أن أحجبه فاجتمعوا حول النبي (ص) على بساط فجللهم نبي الله بكساء وكان عليه ثم قال : هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط قال : فقلت : يا رسول الله وأنا ، قال (ص) : فوالله ما أنعم وقال إنك إلى خير" (4) .

في حين أن الرواية التي تذكر سبق النزول على الدعاء كلها تنتهي إلى أم سلمة إما عن طريق عطاء بن أبي رباح وهو يضطرب في النقل فتارة عن عمر بن أبي سلمة

 

(1) بحار الأنوار - ج35 ص208
(2) نفس المصدر السابق - ص213

(3) نفس المصدر السابق - ص215
(4) تفسير الطبري - مجلد 12 ج22 ص12
 
 

- ج1 ص 185 -

وتارة عن شيخ له ، وإما عن طريق شهر بن حوشب وقد نقلها أحمد في مسنده مرة من دون أن يذكر فيها دعاء بعد نزول الآية ولا شك أنه نفس الخبر المروي في الموارد الأخرى لأنه يبدأ بذكر حمل فاطمة (ع) لبرمة فيها طعام ، ورواه أحمد عن عبد الحميد بن بهرام قال : حدثني شهر بن حوشب قال " سمعت أم سلمة زوج النبي (ص) حين جاء نعي الحسين بن علي لعنت أهل العراق ، فقالت : قتلوه لعنهم الله غروه وذلوه لعنهم الله فإني رأيت رسول الله (ص) جاءته فاطمة غدية ببرمة قد صنعت له فيها عصيدة تحمله في طبق لها حتى وضعتهـا بين يديه فقال : أين ابن عمك ؟ قالت : هو في البيت قال : فاذهبي فادعيه وائتني بابنيه قالت : فجاءت تقود ابنيها كل واحد منهما بيد وعلي يمشي أثرهما حتى دخلوا على رسول الله فأجلسهما في حجره وجلس علي عن يمينه وجلست فاطمة عن يساره فلفه النبي (ص) جميعا فأخذ بشماله طرفي الكساء وألوى بيده إلى ربه عز وجل ، قال : اللهم أهلي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا اللهم أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا اللهم أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا…" (1) .

وكذلك رواه الطبري في تفسيره (2) عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن أم سلمة .

وكأن الروايات - التي يظهر منها سبق النزول على الدعاء - نبعت من خطأ في فهم الناقل نتج عن أن أم سلمة (رض) تقول في بداية حديثها أن الآية نزلت في بيتي ، ثم تبدأ بسرد التفاصيل التي أولها دعاء النبي (ص) لهم ثم نزول الآية ، فهي لا

 

(1) مسند أحمد - ج6 ص298 ح26010

(2) تفسير الطبري - مجلد 12 ج22 ص11  
 

- ج1 ص 186 -

تريد أن تقول أن بداية الحادثة نزول الآية ثم حدث أن دعا لهم رسول الله (ص) بعد نزولها .

والحصيلة أن الأرجح هو تقدم الدعاء على النزول إذ هو الفرض الطبيعي على ما في مصادر الشيعة وبعض مصادر العامة من أن النبي (ص) دعا أولا فاستجاب الله له بنزول الآية .

بل لو لم يكن المراد الإخبار عن تحقق إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم لما كان للآية فضل تسعى له أم سلمة أو يسعى له واثلة بن الأسقع ، وهي بمعنى طلب إبراهيم (ع) في قوله الله عز وجل ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) (1) أي طلبها لذريته فاستجاب الله دعوته في المحسن والصالح منهم دون الظالم بقوله ( لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) ، وهنا أيضا طلبها رسول الله (ص) لذريته فاستجاب الله له بقوله عز وجل ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ … ) .

نعم لا ندعي عدم إمكان وقوع العكس وهو تقدم النزول على الدعاء ورفض الروايات المعكوسة بصورة تامة ، إذ يمكن أن تحمل على استمرار الدعاء لهم حتى بعد الحصول على الرتبة العالية كما طلب ذلك إبراهيم (ع) بقوله : ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ) (2) .

بل وكما في استمرار دعاءنا لرسول الله " اللهم صل على محمد وآل محمد " رغم سبق قوله عز وجل ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ) (3) ، وكذا قولنا :

 

(1) البقرة : 124

(2) البقرة : 128 (3) الأحزاب : 56  
 

- ج1 ص 187 -

 " آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته " ، فيحمل على الدعاء باستمرار الصلاة عليه من قبل الله عز وجل فأن رسول الله (ص) في الواقع قد وصل إلى أرفع درجة عند الله عز وجل .

فدعاء رسول الله (ص) بعد نزول الآية - بناء على الاحتمال الضعيف - إنما هو للاستمرار في المنة الإلهية ، فالأنبياء في القرآن يستمرون في الدعاء لاستمرار الخير لهم مع أن الله عز وجل قدره لهم ( وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ) (1) ، ( وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ) ، ( رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) (2) وغير ذلك .

بل تجد في بعض المصادر أن رسول الله (ص) دعا قبل نزول الآية بزمن طويل لعلي وفاطمة من يوم زواجهما على كما نقلنا ذلك عن الآجري في كتابه ( الشريعة ) من قوله (ص) لعلي وفاطمة : " اللهم إنهما مني وأنا منهما اللهم كما أذهبت عني الرجس وطهرتني فطهرهما " .

قال : " أهل البيت ليسوا فقط خصوص الخمسة بل على قول أهل السنة يدخل معهم أزواج النبي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس " .

نقول : أن البحث هنا عن المقصودين في هذه الآية وإلا يمكن أن تستخدم الكلمة ويقصد بها معنى آخر فيقال أن العرب يقولون للزوجة أهل ، ولكن هنا نريد أن نقول أن الحديث عن هذه الآية وفيمن نزلت وعمن تتحدث ، وبعبارة أخرى هنا تحديد لاصطلاح يقصد به رسول الله (ص) أشخاص معينين تحدثت عنهم الآية ، نعم

 

(1) النمل : 19

(2) القصص : 24  
 

- ج1 ص 188 -

هناك أحكام أخرى تترتب على كون الإنسان هاشميا من عشيرة الرسول الكريم (ص) كحرمة إعطائهم من الصدقات ، وهذا المقصود حينما يذكر آل عقيل وآل جعفر وغيرهم من بني هاشم ، بل إن المفسرين لم يحتملوا ما ذكره ، فالأقوال ثلاثة كما مر ذكرها عن ابن الجوزي في تفسيره ( زاد المسير ) وإلا فرسول الله (ص) قال لواثلة : أنت من أهلي ، فعلق كل العلماء أن الأمر تنزيلي كما قيل على نحو عكسي في ابن نوح ( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) أي ليس من أتباعه في الدين ، فقوله (ص) لواثلة : أنت من أهلي أي من أتباعي فهو مجاز ، وأين هذا المجاز عن المعنى الحقيقي الذي نبحث عنه .

وقد ذكرنا أحاديث كثيرة تبين أن الآية الكريمة نزلت في الخمسة فقط ، ورسول الله (ص) كان يطبق هذه الآية ويقرؤها بخصوص موضوع معين لم يذكر التاريخ والحديث أنه طبقها على مورد غيره ، فهم وحدهم مصاديق للآية لا يشاركهم فيها أحد فهم المقصودون وهم شأن النزول .

من جهة أخرى فإن في إبعاد أم المؤمنين أم سلمة (ع) عن الكساء " أنت على خير وهؤلاء أهل بيتي " ، فهو دليل يبعد نساء النبي عن مصطلح أهل البيت الذي أراده النبي (ص) .

كما أن الروايات الصحيحة التي تذكر أن رسول الله (ص) " أرسل إلى علي وفاطمة والحسن والحسين " ، أو قوله (ص) لفاطمة (ع) : " ادعي لي ابني وابن عمك " تخرج آل جعفر وآل العباس وآل عقيل .

والأهم من ذلك كله كلمة رسول الله ( اللهم هؤلاء أهل بيتي ) تفيد الحصر بشكل واضح ، كل ذلك لا علاقة له بما قاله زيد بن أرقم في تحديد أهل البيت بأنهم آل عقيل وآل جعفر وآل العباس فيها إذ هنا الحديث عن العشيرة التي تحرم الصدقة

- ج1 ص 189 -

عليها ، وما علاقتهم بقوله (ص) إني تارك فيكم الثقلين … لن تضلوا إن تمسكتم بهما ، وأي علاقة لهم بكلمة أهل البيت في الآية .
ومن هنا يتبين الخطأ الذي وقع به في إشكاله الآخر حينما قال : " أهل البيت عند الشيعة ليسوا خصوص الخمسة بل يدخل معهم أبناء الحسين " .

فنكرر أن الحديث هنا عن اصطلاح يتحدث عن أشخاص معينين من قبل الله نزلت الآية فيهم ، وأما إدخال الشيعة للأئمة من أبناء الحسين (ع) ضمن مصطلح أهل البيت هو للروايات الخاصة التي تعطي مكانة وفضل أصحاب الكساء للتسعة الآخرين (ع) وهذا لا يعني أنهم مشمولون بالآية بسبب النزول ، وبعبارة أخرى فإن التعبد بالنصوص هو الذي جعل من لفظ ( أهل البيت ) مصطلح إسلامي يقصد به الخمسة الذين نزلت بهم آية التطهير والتسعة الأوصياء من ذرية الحسين (ع) ، ومن ثم غير هؤلاء التسعة من ذرية الحسين (ع) ليسوا معصومين وغير مقصودين بالمصطلح ، بل قد يوجد بينهم المنحرف والفاسق ، فلا تشمل الطهارة جعفر بن علي بن محمد أخو الإمام الحسن العسكري (ع) الذي انحرف عن منهج أخيه ومنهج آبائه (ع) .

قال الكاتب : " التعبير بميم الجمع بدل نون النسوة لأن الآيات السابقة واللاحقة تخص النساء فعبر عنها بنون النسوة وآية التطهير لا تخص النساء بل دخل معهن رسول الله (ص) وهو رب البيت وسيده ،… فذكر حال الآخرين بجملة معترضة بلا قرينة ولا رعاية نكتة ومن غير تنبيه على انقطاع كلام سابق وافتتاح كلام جديد مخالف لوظيفة البلاغة التي هي أقصى الغاية من كلام الله تعالى " .

- ج1 ص 190 -

نقول : أما القول بأن " القرآن سيفقد بلاغته بوجود جملة معترضة … " إلى آخر كلامه ، فهذا سيجعل رسول الله (ص) - جل عن ذلك - بحال أسوء في عدم مراعاة البلاغة إذ أنه تلى على الخمسة أصحاب الكساء آية لا تتعلق بهم أصلا كما يدعي و تطبيق الآية عليهم قد صرحت به رواية عائشة في صحيح مسلم .

ثم إن الإشكال المطروح يرد على التفسير الذي ذكره هو نفسه لدخول الرسول (ص) في الآية ، فإذا كان تبرير التحول من نون النسوة إلى ميم الجمع هو إدخال رسول الله (ص) رب البيت وسيده معهن فأين القرينة وأين التنبيه على انقطاع الكلام .

وإذا قيل بأن تفسير ذلك هو كونه (ص) سيد البيت ، نقول فما المانع من أن يكون التفسير كون ميم الجمع تنطبق على سيد البيت وبنت سيد البيت وزوجها وأبناءها ؟

نعم قد يقال بأن ضم الغير إلى نساء في الآية مقبول في تحول الضمير ، كما قال ابن تيمية وابن كثير بأن الآية شاملة للجميع ، وأما إخراج المقصودين في صدر الآية وهن نساء النبي (ص) وإدخال الغير - وهم الخمسة - هو المرفوض على القول بأن الآية خاصة بالخمسة المطهرين (ع) .

فنقول : أن القرآن مليء بالانتقال والالتفات إلى الغير في خطاباته سواء كان بضم آخرين إلى المخاطبين أو الانتقال إلى مخاطبين جدد ، وهذا واضح في قوله تعالى ( قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) (1) ، فآية ( إِنَّ الْمُلُوكَ … ) نقل لقول بلقيس و ( وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ … ) كذلك وفي الوسط جاء قوله تعالى ( وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) قول الله عز وجل .

 

(1) النمل : 34 - 35

 
 

- ج1 ص 191 -

ذكر ابن كثير في تفسيره " قال ابن عباس : قالت بلقيس : ( إِنَّ الْمُلُوكَ .. ) قال الرب عز وجل ( وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) " (1) .

وقال البغوي في تفسيره : " وتناهي الخبر عنها هاهنا فصدق الله قولها فقال ( وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) أي كما قالت هم يفعلون " (2) .

وكذلك تجد هذا الانتقال المفاجيء في سورة القيامة الذي يبدأ في الحديث عن الآخرة وينتهي بالحديث عن الآخرة وفي المنتصف أقحم قوله تعالى ( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) (3) ، وتعددت آراء العلماء في بيان علة ذلك .

نعم يمكن القول أن من المقبول أن يلتفت القرآن في خطابه إلى الغير ، لكن أن يرجع مرة ثانية إلى المخاطب الأول فهو الغريب .

ونقول : نعم هو غريب سواء كان على نحو ضم الغير والرجوع إلى المخاطب الأول وإخراج الغير المضاف أو كان على نحو العدول عن المجموع الأول مورد الحديث إلى مجموع آخر ثم الرجوع إلى المجموع الأول .

فإذا كان الأول ممتنع ومناف للبلاغة بصورة كلية فالثاني أولى بذلك ، وإذا كان من الممكن وضع نقاط بلاغية لتبريره فيمكن وضع عينها للثاني .

والحق أن الآية لا يمكن أن تكون متعلقة لنفس الأشخاص المتحدث عنهم سابقا والسبب في ذلك أن الإرادة إن كانت تشريعية بمعنى محبة الله أن تقوم النساء بالواجبات والانتهاء عن المحرمات فلا وجه لإدخال رسول الله (ص) الذي سلم الجميع

 

(1) تفسير ابن كثير - ج3 ص375

(2) تفسير البغوي - ج3 ص357 (3) القيامة : 16 - 19  
 

- ج1 ص 192 -

انه غير مقصود بمثل هذه التوجهات والأوامر لعصمته عن الذنوب (ص) لا هو وحده كما ذهب إليه هذا القائل ، ولا مع غيره كما هو رأي أهل السنة .

وأما بناء على كون الإرادة في الآية تكوينية كما هو الحق وخاصة بملاحظة اليقين بدخول رسول الله (ص) فيها فتكون بمعنى إفاضة الطهارة عليهن كما حدث لمريم (ع) وهذا معنى مستحيل أن يكون مقصودا في الآية بالنسبة إليهن ، أي نقطع أن الزوجات لم يرد الله لهن ذلك .

كيف وقد خيرهن الله تعالى قبلها فقال عز وجل ( يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ ِلأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ) (1).

وكيف يكون الله أراد لهن ذلك بالإرادة التكوينية وقد عنف القرآن اثنتين من أزواج النبي (ص) وهما عائشة وحفصة كما صرح عمر في رواية البخاري (2) كتاب التفسير سورة التحريم جوابا على سؤال ابن عباس عن المرأتين المقصودتين في الآية الكريمة : ( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ) (3) .

 

(1) الأحزاب : 28 - 29

(2) صحيح البخاري - ج6 ص195 (3) التحريم : 4 - 5  
 

- ج1 ص 193 -

وتأمل في خطاب الله تعالى لهن بلهجة التهديد بقوله تعالى : ( وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ) ، فكيف يحشد القرآن كل هذه الحشود مقابل امرأتين ؟ وأي شيء يستدعي كل ذلك ؟ الأمر متروك في طيات التاريخ ، وإن حاولت كتب التاريخ أن تخفف من وطأته وحدته .

فبناء على أن الإرادة تكوينية ستكون آية التطهير مثل قوله تعالى ( يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ) (1) ، وكقوله تعالى بالنسبة إلى ذرية إبراهيم : ( وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ) (2) وهو المعنى الذي لا يصح غيره .

ترتيب النزول وترتيب التلاوة

وهي نقطة لها دور أساس في دفع الإشكال ، فإن من الواضح لكل باحث أن ترتيب النزول لآيات القرآن غير ترتيب التلاوة في كثير من آيات القرآن الكريم .

فقد نقل السيوطي في ( الإتقان ) : قول البغوي في ( شرح السنة ) : " وكان رسول الله (ص) يلقن أصحابه ويعلمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل إياه على ذلك وإعلامه عند نزوله كل آية أن هذه الآية تكتب عقيب آية كذا في سورة كذا … وترتيب النزول غير ترتيب التلاوة " (3) .

 

(1) آل عمران : 42

(2) العنكبوت : 27 (3) الإتقان - ج1 ص213  
 

- ج1 ص 194 -

بل هو أمر مسلم بينهم في بحث المكي والمدني لذا ذكر السيوطي في ( الإتقان ) فصل بعنوان " في ذكر ما استثني من المكي والمدني " قال : وقال ابن حجر في شرح البخاري : قد اعتنى الأئمة ببيان ما نزل من الآيات بالمدينة في السور المكية " (1) ويتضح الأمر أكثر في بحثهم حول آخر ما نزل من القرآن الكريم فقد نقل السيوطي عن ابن عباس أن آخر ما نزل من القرآن ( وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ … ) (2) ومع ذلك هي موضوعة بين آيتي الربا والدين في سورة البقرة .

وإن قيل إن التناسب بين الآيات شرط حتى عندما يضع رسول الله (ص) الآيات في غير ترتيبها النزولي ، نقول : إن آية التطهير لها سياقها الطبيعي في وضعها الحالي فالحديث كأنما توجه إلى مجموعة نساء تم اختيارهن للعمل في أحد البيوتات الرفيعة فتوجه لهن نصائح كي يعرفن موقعهن الخاص والمميز بسبب الارتباط بهذا البيت فلا يصدر منهن ما يسيء للبيت ، ثم يخاطب المتكلم الناصح أهل البيت ويمجدهم ويرجع بعدها للاستمرار في النصح ، إذا والحال هذه أي أضرار بالسياق في الآية ، بل هو الاحتمال المتعين مع تغير الضمير إلى جمع المذكر .

 

(1) الإتقان - ج1 ص56

(2) نفس المصدر السابق - ص102  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب