النفيس في بيان رزية الخميس ج 1 - ص 155 -

 17- " من " تبعيضية أم بيانية


قيل أن : كلمة منهم التي في قوله تعالى ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمَا ) ، دلت على التبعيض فالبعض من الصحابة انتفت منهم صفة الإيمان والعمل الصالح ، وردّ بما حاصله أن " من " هنا بيانية وليست تبعيضية .

نقول : الغريب أن الكاتب في الوقت الذي رد القول بأن من في ( منهم ) بيانية ولا يمكن أن تكون تبعيضية وباستهزاء وشتائم وأن ذلك يتنافى مع أبسط المعلومات استند إلى ما نقله ابن الجوزي في تفسيره ( زاد المسير ) من قول الزجاج :" في ( من ) قولان الأول أن يكون تخليصا للجنس من غيره كقوله فاجتنبوا الرجس من الأوثان ، والثاني أن يكون هذا الوعد لمن أقام منهم على الإيمان والعمل الصالح " (1) .

والتفسير الثاني المنقول عن الزجاج ليس إلا حملا لكلمة ( من ) على التبعيض ، فيكون المقصود أن الوعد للبعض وهو الذي يستمر على حالته ، وأما من ينحرف وينقلب على عقبيه فلا وعد له ولن يكون هناك تناقض لأن المدح السابق لحالتهم الفعلية وعدم الوعد لمن لم يستمر على الحالة السابقة ، واعتقد من الصعب أن تجد

 

(1) زاد المسير - ج7 ص217

 
 

- ج1 ص 156 -

مثل هذه الغفلة عند كاتب ، بل الأعجب أن يقول إن من يذهب إلى هذا الرأي يلزم أن يقول أن القرآن فيه آيات سخيفة .

وبالطبع حتى لو قيل بأن ( من ) بيانية - كما هو الأوفق بالظاهر - فلا يفيد في إثبات شيء ، لأن الحديث سيكون عن خصوص المؤمنين حقيقة ولا ينفي ذلك وجود منافقين بين أصحاب رسول الله (ص) أو ضعيفي الإيمان ، كما تصرح بذلك الآيات والصحاح من الأحاديث والأخبار .

فالآية الكريمة أي قوله تعالى ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ … ) (1) تذكر لهم تلك الصفات وتعدهم المغفرة والأجر العظيم ، ولا تعطيهم ذلك لمجرد المعية المكانية أو الزمانية مع النبي (ص) لأن ذلك يرفضه العقل وترفضه الآيات والروايات كقوله تعالى : ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَّرَّتَيْنِ ) (2) فالآية صريحة أن هناك من أهل مدينة النبي (ص) ممن مردوا على النفاق ولا يعلمهم أحد من أهل المدينة ، وقد توعدهم الله عز وجل بالعذاب الأليم .

وما دام القرآن يفسر بعضه بعضا ولا تتناقض بين آياته فمن الطبيعي إن نحمل آية سورة الفتح ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ … ) على أن المقصود المؤمنون الحقيقيون فقط دون غيرهم من ضعاف الإيمان أو المنافقين الذين خفي أمرهم على الناس ، لا أن يقال أن المقصود بهم الصحابة كلهم ويعرف الصحابي بأنه كل من رأى رسول الله (ص) ولو مرة واحدة .

والحاصل إن اليقين المستمد من آيات القرآن الكريم بوجود المنافقين والفسقة وضعيفي الإيمان في مجتمع المدينة كاف لمنع الشمولية المدعاة في الآية لكل الصحابة .

 

(1) الفتح : 29

(2) التوبة : 101  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب