- الامامة والقيادة - الدكتور أحمد عز الدين  ص 72 :

 2 - بيعة عمر بن الخطاب ( رض )
 

لم يكن انتقال القيادة بعد أبي بكر إلى عمر ( رض ) أمرا غير متوقع إذا نظرنا إليه في إطار سياسة السقيفة وما تلاها على مدى عامين ، إذ كان عمر أشد الناس فعالية في إتمام بيعة أبي بكر ( رض )

-  ص 73 -

كما لعب دورا سياسيا بارزا في الداخل خلال فترة قيادة الخليفة الأول .


وكان الإمام علي
( ع ) أول من توقع انتقال القيادة إلى عمر ( رض ) وذلك حين بعث أبو بكر عمر إليه ليأخذ منه البيعة بالجبر والإكراه وقال له ( ائتني به بأعنف العنف ، فلما أتاه جرى

بينهما كلام فقال ( علي لعمر ) ( أحلب حلبا لك شطره ، والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤثرك غدا ) ( 1 )


وفي رواية أخرى ( أحلب يا عمر حلبا لك شطره ( 2 ) أشدد له اليوم أمره ليرد عليك غدا ، لا والله لا أقبل قولك ولا أتابعه ) ( 3 )


لذلك رأينا أبا بكر ( رض ) في مرضه يرفض ترشيحات من استشارهم ، ويدفع الاعتراضات التي سجلها بعضهم ، ويصر على دفع القيادة إلى عمر ( 4 ) حتى دعا عثمان ( رض ) وحده فقال له

 

( 1 ) البلاذري : 1 / 587 .
( 2 ) هذا مثل قديم عند العرب يضارع ما في العامية المصرية : من خدم السبت يلقى الحد خدامه ، أو : شيلني وأشيلك .
( 3 ) شرح نهج البلاغة ، أبن أبي الحديد الشافعي : 6 / 11 ، مصر 1959 ه‍ .
( 4 ) الطبري : 2 / 618 . ( * )

 

 

-  ص 74 -

( أكتب بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين ، أما بعد ، ثم أغمي عليه فذهب عنه ، فكتب عثمان أما بعد فإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ،

ولم آلكم خيرا منه ، ثم أفاق أبو بكر فقال : إقرأ علي ، فقرأ عليه ، فكبر أبو بكر وقال : أراك خفت أن يختلف الناس إن افتلتت نفسي في غشيتي ، قال نعم ، قال جزاك الله خيرا عن الإسلام وأهله ، وأقرها أبو بكر رضي الله تعالى عنه من هذا الموضع ) ( 1 )


وهذه الرواية أيضا تؤيد ما ذهبنا إليه من أن دفع القيادة إلى عمر كان أمرا متوقعا، توقعه علي ( ع ) وعثمان ( رض ) وربما غيرهما كثير ممن لم يذكرهم المؤرخون ، حتى أن عثمان كتبه

دون أن يمليه عليه الخليفة ، ولو لم يكن الأمر يقينا عنده ما كتبه في هذا الموضع دون أمر وإملاء .


وجلس عمر مع الناس وفي يده الجريدة المكتوبة وهو يقول ( أيها الناس اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنه يقول إني لم آلكم نصحا ) . ( 2 )
 

 

( 1 ) نفس المصدر : 2 / 618 - 619 .                          ( 2 ) نفس المصدر : 2 / 618 . ( * )

 

 

-  ص 75 -

وانتقلت القيادة إلى عمر بن الخطاب بالعهد ، ولم يشترط لصحتها رضا الناس ، وتم تعيين القيادة الجديدة هذه المرة وفق قاعدة جديدة غير الأولى ، ليس لها أيضا سند من كتاب ولا سنة ، وفي غياب دستور الدولة .


ثم تأسس عليها فيما بعد مبدأ نقل القيادة والسلطة من شخص الآخر بالعهد دون رضا الناس واختيارهم ، كما فعل بنو أمية وبنو العباس ، وكما تفعل المشيخات والمملكات العربية المعاصرة .

ولئن كان النظام الملكي بملامحه الواضحة قد ابتدعه معاوية في الإسلام ، إلا أن عهد أبي بكر لعمر كان أول درجة من الانحراف إلى هذا الطريق قبل معاوية بأقل من أربعين عاما ، ثم

أخذ يتسع درجة درجة حتى استوى واكتمل بتولية يزيد أمر المسلمين ، ثم سارت الدول من بعد في هذا الطريق باسم الإسلام ، ذلك أن التغيرات السياسية - كما ذكرت - تبدأ بدرجة ثم تتسع وتكبر .


وبناء على هذه السابقة التاريخية التي صدرت عن بشر لم يطالبنا الإسلام باتباعه إن أخطأ ، اعتبر من كتبوا لنا في السياسة

-  ص 76 -

والدستور الإسلامي تعيين القيادة في الأمة بالعهد أصلا إسلاميا ، ولا اعتبار في هذا لرأي الناس ، فقال الماوردي مثلا ( والصحيح أن بيعته منعقدة ، وأن الرضا بها غير معتبر ، لأن بيعة عمر رضي الله عنه لم تتوقف على رضا الصحابة ، ولأن الإمام أحق بها ) ( 1 )


ومع أن القيادة آلت إلى عمر كما رأينا دون مشورة من المسلمين ، بعهد من سابقه ، إلا أننا نجد في كتبنا ما هو مروي عن عمر ( رض ) نفسه من إدانة في قوله ( من بايع رجلا عن

غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا ) ( 2 ) ومن حق أحدنا أن يقول : إن تعدد أشكال تسلم السلطة وتسليمها يعطى الناس حرية الاختيار ، فينتخب كل شعب منها ما يناسب مجتمعه وبيئته ، وعليه فكل هذه الأشكال والطرق جائزة .


لكننا نقول في جوابه : إن هذا الكلام صحيح لو كان الإسلام قد ذكر في ذلك شيئا .
 

 

( 1 ) الأحكام السلطانية : ص 8 . ( 2 ) صحيح البخاري : كتاب الحدود ، باب رجم الحلبي من الزنا . ( * )

 

 

-  ص 77 -

فإن قيل إن القاعدة الأصولية أن سكوت الشارع عن شئ يعني إباحته ، قلنا نعم ولكن هذا ينطبق على المتغيرات ، والقيادة شئ ثابت .


فإن وضع الإسلام - مثلا - قاعدة الشورى وسكت عن طريقة تنفيذها فهمنا أن طريقة التنفيذ متروكة لكل قوم وعصر بما يناسبه .

لكن أن يسكت الإسلام عن مسألة أساسية بل هي أم المسائل ، فهذا ما فيه ألف نظر .

ولئن سكت الإسلام فلا يسكت أبدا عن الفوضى الدستورية والسياسية التي انتشرت في الدولة دون مبرر ، عن طريق التغيير السريع لأسلوب تعيين الأمة - وهي خير أمة - لقيادتها .


إن تغيير أسلوب التنفيذ أو الإصلاحات الدستورية عملية طبيعية في حياة المجتمعات ، لكنها مرتبطة بالمستجدات من الظروف التي تقتضي التعديل ، فلو افترضنا أن أسلوب السقيفة

صحيح ، وأنه هو المقرر في الإسلام ، فما هي الظروف التي طرأت خلال عامين من حكم أبي بكر وجعلت تغيير هذا الأسلوب أمرا محتوما ، فإذا القيادة تتحدد بالعهد ، وإن كان
 

-  ص 78 -

العهد هو الصواب فما الذي حدث من أمور جديدة في الدولة استدعت تغييره إلى مجلس شورى ؟

وهل القيادة في الإسلام أتفه من الجماع والبصق والتبول والتبرز ، فيسكت عنها السلام مع عظيم شأنها ؟

مع أن الأمة كلها إن أخطأت في التبول والتبرز ما وقعت كارثة ، وما اختل النظام ، بينما الأمة لو أخطأت في إفراز قيادة ، فهي كارثة بل والله أم الكوارث .


فإن قال أحد إن القاعدة العامة هي الشورى ، سألناه فأين الشورى في استخلاف عمر
( رض ) وإن قال - كما يحلو للبعض أن يشبهوا أحداث السقيفة بذلك - إنها الانتخاب الحر ، سألناه : فأين بيعة أبي بكر من هذه ؟


وأعجب ما قيل في هذا قول ابن خلدون وهو يعقب على هذه الأحداث وما تلاها في تاريخنا الإسلامي من حروب واقتتالات وبغي وتزوير ، إذ اعتبر أن كل الأطراف على صواب ،

فالحسين مصيب ويزيد أيضا مصيب ، وعلي على حق ومعاوية كذلك على حق ، والقاتل في الجمل وصفين على هدى والمقتول أيضا

-  ص 79 -

على هدى ، وأسلوب تولية أبي بكر صحيح ، وطريقة إسناد القيادة إلى عمر صواب ، وكل الناس كانوا على حق ، ثم قال ما نصه ( واعتقد أن اختلافهم رحمة لمن بعدهم من الأمة

ليقتدي كل واحد بمن يختاره ويجعله إمامه وهاديه ودليله ) ( 1 ) وذلك عنده لأن كل واحد منهم اجتهد ، فمنهم من فاز بأجرين ومنهم من نال أجرا واحدا ، ولنا أن نقتدي بمن نحب ، فإن

قامت في بقعة من ديارنا دولة إسلامية شرعية وخرج بعضنا عليها ، وأراق دم المسلمين ، وأسقط نظام الدولة الإسلامي ، فالحكومة على حق والخارج الباغي على حق ، لأن قدوته في ذلك معاوية .


وإذا ركبنا حاكم فاسق خليع يشرب المسكر ويلعب بالقرود عن طريق شراء الأصوات وتزييف البيعات كما فعل يزيد ، فهو على حق ، ومن قام في وجهه وثار عليه ودفع دمه استشهادا في سبيل إزالته أيضا على حق ، لأن قدوة الأول يزيد وقدوة الثاني الحسين .


وإن أعطى أحد حكامنا القيادة بعده لأحد أصدقائه دون أخذ

 

( 1 ) المقدمة : ص 213 . ( * )

 

 

-  ص 80 -

رأي الشعب فله في السلف أسوة حسنة ، وإن سلك في توليته طرقا يشك فيها ، أو رفع أسرته على رقاب الناس ، أو بدد خزانة الدولة ، أو فعل أكبر من ذلك أو أصغر ، فله في الجيل الأول قدوة ، لأن كل ذلك مباح مشروع اكتسب شرعيته من ممارسة السلف له .


أفهذا بالله فكر سياسي ننسبه إلى الإسلام ونقدمه للناس في القرن العشرين ، ونطرحه على الشرق والغرب مباهين به الأمم ، مفاخرين بهذه الفوضى السياسية والدستورية نظمهم المستقرة المحددة رغم علمانيتها ، زاعمين بأن المسألة اجتهاد ؟


أما آن الأوان لأن نميز بين الحق والباطل ، والصواب والخطأ ، لنصل إلى شئ محدد نعرضه على البشر في فخر واعتزاز ؟


وإن كان اختلافهم رحمة كما يقال ، فما لنا محرومين من هذه الرحمة وقد مر على اختلافهم أربعة عشر قرنا ؟


وما لنا لم نر من اختلافهم إلا اختلافا مماثلا، وفوضى سياسية ودستورية كتلك التي بدعوها ثم استسغاناها وبلعناها، لأن مشايخنا قالوا لنا إنها كانت اجتهادا ولم يسموها لنا باسمها الحقيقي ؟

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب