- الامامة والقيادة - الدكتور أحمد عز الدين  ص 206 :

1 - تحديد الهوية :
 

الحركات والتيارات التي تسقط أنظمة وتقيم ، لا بد وأن تتميز بوضوح الرؤيا أيا كانت هذه الرؤيا : وطنية أو دينية أو غير ذلك ، وبدون هذا الوضوح تصبح الحركة كالأطرش في الزفة ، لا يدري أين هو ، ولماذا يجتمع الناس .


وتبسيطا على الطالبين أقول إن عناصر قيام الدول واشتداد الحركات لا تخرج عن (العصبية) بكل نواحيها ، عصبية عرقية ، أو عصبية مذهبية ، أو لغوية أو غيرها .


هذا ما يقوله التاريخ وعلوم السياسة والعمران . والعصبية والتعصب ليس مذموما في ذاته بل المذموم الطريق الذي يستخدم فيه ، لأن التعصب من حيث هو كذلك إحساس بشري لا ينكر ولا يكبح ، ومثله كمثل بقية المشاعر ، فالغضب مثلا إحساس بشري إن كان في الله
 

-  ص 207 -

ولدينه فهو ممدوح يثاب المرء عليه ، وإن كان لكرة القدم أو هذا أو ذاك من الأندية ، فلا شك مذموم . والعصبية كذلك .


فإذا نظرنا إلى مجتمعنا المصري وجدناه يفتقر إلى هوية ، فهو مجتمع هلامي غير محدد الأطر والمعالم ، فليست فينا عصبية لوطن أو عرق ، ولا تحمس للغة أو مذهب ، وهذا هو المقتل ، لأن مجتمعا بهذا الشكل يصعب على المتحركين فيه تأسيس دولة .


من هنا كان علينا أن نفهم أن أول خطوة نخطوها يجب أن تكون تنمية الحس الوطني والتعصب لهذا الوطن والرغبة في تحريره من الاستعمار بكل ألوانه وأشكاله .


ويجب أن نعرف أننا مستعمرون لا نملك قرارنا في أيدينا ، وأن هذا الاستعمار عسكري وسياسي واقتصادي وإعلامي وثقافي ، بل وحتى في مجال الطب والأدوية ، ولا أرى هذا الكتاب محلا لتفصيل ذلك .


والثانية : أن عدم التحمس لفقه معين ومذهب محدد سم قاتل لا تقوم معه دولة ، فصيحة التحرر من المذاهب براقة في ظاهرها
 

-  ص 208 -

إذ يقول أصحابها عليكم بالكتاب والسنة ، والكتاب معنا والسنة مدونة ولا حاجة لنا بعد ذلك فنتبع هذا أو ذاك . أي أن كل أحد يستطيع اتباع الكتاب والسنة بنفسه ، وهذا أمر جد خطير أدى إلى الفوضى الفكرية والتنظيمية والقيادية التي نراها .


كما أن هذه الدعوة تتضمن تقويض ما بين المسلمين وبين الجهود العلمية والاجتهادية التي أنجزها الأجداد ، لأن عدم الانتماء إلى هذا أو ذاك يبتر المسلمين عن ماضيهم ، ويجعلهم يبدؤون جهود التشريع من جديد إذا قامت لهم دولة .


ثم إن أصحاب هذه النعرة في الوقت الذي ينادون فيه بعدم الالتزام بأي من الأفقهة ، تراهم يلزمون الناس وفيهم البسطاء وأنصاف المتعلمين باتباع آراء فلان وفلان .


والنتيجة الطبيعية إذا مشينا وراء هذا التيار أن يصبح في كل شقة فقهاء بعدد أفراد ساكنيها .

ولا أشك ذرة في أن هذه الفكرة أدخلها الإنجليز في الإسلام في وقت معين من أجل تفتيت الكيان الإسلامي في كل بلد ، وإدخال المسلمين في طريق شكله جميل لكنه لا يقود إلى شئ .
 

-  ص 209 -

والخلاصة أن أصحاب هذه النظرية ليس لديهم رؤية واضحة ، فلا التصورات الفقهية عندهم واضحة ، ولا الفلسفة السياسية خلف دعواهم مؤطرة ، ولا طرحهم الاجتماعي - إن كان لديهم شئ منه - مرسوم .


من أجل هذا علينا أن نتخذ موقفا ونتبنى فقها معينا جعفريا كان أو شافعيا أو غير ذلك ، ما دام يصلح للقرن العشرين ، ثم نتحمس لتطبيقه وإشاعة أحكامه .


لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب