1 - تحديد الهوية :
الحركات والتيارات التي تسقط أنظمة وتقيم ، لا بد وأن
تتميز بوضوح الرؤيا أيا كانت هذه الرؤيا : وطنية أو دينية أو غير ذلك ، وبدون
هذا الوضوح تصبح الحركة كالأطرش في الزفة ، لا يدري أين هو ، ولماذا يجتمع
الناس .
وتبسيطا على الطالبين أقول إن عناصر قيام الدول واشتداد
الحركات لا تخرج عن (العصبية) بكل نواحيها ، عصبية عرقية ، أو عصبية مذهبية ،
أو لغوية أو غيرها .
هذا ما يقوله التاريخ وعلوم السياسة
والعمران . والعصبية والتعصب ليس مذموما في ذاته بل المذموم الطريق الذي
يستخدم فيه ، لأن التعصب من حيث هو كذلك إحساس بشري لا ينكر ولا يكبح ، ومثله
كمثل بقية المشاعر ، فالغضب مثلا إحساس بشري إن كان في الله
ولدينه فهو ممدوح يثاب المرء عليه ، وإن كان لكرة القدم
أو هذا أو ذاك من الأندية ، فلا شك مذموم . والعصبية كذلك .
فإذا نظرنا إلى مجتمعنا المصري
وجدناه يفتقر إلى هوية ، فهو مجتمع هلامي غير محدد الأطر والمعالم ، فليست فينا
عصبية لوطن أو عرق ، ولا تحمس للغة أو مذهب ، وهذا هو المقتل ، لأن مجتمعا بهذا
الشكل يصعب على المتحركين فيه تأسيس دولة .
من هنا كان علينا أن نفهم أن
أول خطوة نخطوها يجب أن تكون تنمية الحس الوطني والتعصب لهذا الوطن والرغبة في
تحريره من الاستعمار بكل ألوانه وأشكاله .
ويجب أن نعرف أننا مستعمرون لا نملك قرارنا في أيدينا ، وأن
هذا الاستعمار عسكري وسياسي واقتصادي وإعلامي وثقافي ، بل وحتى في مجال الطب
والأدوية ، ولا أرى هذا الكتاب محلا لتفصيل ذلك .
والثانية : أن عدم التحمس
لفقه معين ومذهب محدد سم قاتل لا تقوم معه دولة ، فصيحة التحرر من المذاهب
براقة في ظاهرها
إذ يقول أصحابها عليكم بالكتاب والسنة ، والكتاب معنا
والسنة مدونة ولا حاجة لنا بعد ذلك فنتبع هذا أو ذاك . أي أن كل أحد يستطيع
اتباع الكتاب والسنة بنفسه ، وهذا أمر جد خطير أدى إلى الفوضى الفكرية
والتنظيمية والقيادية التي نراها .
كما أن هذه الدعوة تتضمن
تقويض ما بين المسلمين وبين الجهود العلمية والاجتهادية التي أنجزها الأجداد ،
لأن عدم الانتماء إلى هذا أو ذاك يبتر المسلمين عن ماضيهم ، ويجعلهم يبدؤون
جهود التشريع من جديد إذا قامت لهم دولة .
ثم إن أصحاب هذه النعرة في
الوقت الذي ينادون فيه بعدم الالتزام بأي من الأفقهة ، تراهم يلزمون الناس
وفيهم البسطاء وأنصاف المتعلمين باتباع آراء فلان وفلان .
والنتيجة الطبيعية إذا مشينا
وراء هذا التيار أن يصبح في كل شقة فقهاء بعدد أفراد ساكنيها .
ولا أشك ذرة في أن هذه الفكرة أدخلها الإنجليز في
الإسلام في وقت معين من أجل تفتيت الكيان الإسلامي في كل بلد ، وإدخال المسلمين
في طريق شكله جميل لكنه لا يقود إلى شئ .
والخلاصة أن أصحاب هذه النظرية ليس لديهم رؤية
واضحة ، فلا التصورات الفقهية عندهم واضحة ، ولا الفلسفة السياسية خلف دعواهم
مؤطرة ، ولا طرحهم الاجتماعي - إن كان لديهم شئ منه - مرسوم .
من أجل هذا علينا أن نتخذ موقفا ونتبنى فقها معينا جعفريا كان أو شافعيا أو غير
ذلك ، ما دام يصلح للقرن العشرين ، ثم نتحمس لتطبيقه وإشاعة أحكامه .