- الامامة والقيادة - الدكتور أحمد عز الدين  ص 153 :

انقسام الأمة والقيادة


لا حظنا في الفصول السالفة كيف تحددت قيادة الأمة بعد وفاة مؤسس الدولة خمس مرات ، يمثل كل منها نموذجا مختلفا عن غيره ، ولاحظنا كذلك ما أملته الطبيعية البشرية على كبراء

الجيل الأول فاختلفوا واقتتلوا ، إذ تصرفوا في الأمر بعد إهمال الضوابط والنصوص - كما يتصرف البشر - فانتهى الأمر إلى استئثار قريش بصالحها وطالحها على قيادة الأمة ، وراحت الغلطة الصغيرة الأولى تكبر وتكبر ، إلى أن انتهت الدولة في مدة قصيرة .


يقول الدكتور طه حسين : ذلك أن قريشا فهمت قول أبي بكر ( في السقيفة ) على غير ما أراده هو ، وعلى غير ما فهمه
 

-  ص 154 -

أصحابه في ذلك الوقت ، فاستيقنت أن الإمامة حق لها لا ينبغي أن يعدوها إلى غيرها ، وأنه حق لها لمكانتها من النبي . وقد كانت قريش في هذا الفهم خاطئة متكلفة ما في ذلك شك .


ولو قد صح فهمها وتأويلها لظهرت عليها حجة بني هاشم ، ولكان بنو هاشم أحق المسلمين بالإمامة ما استطاعوا أن ينهضوا بأعبائها . . . ومهما يكن من شئ فقد نشأت هذه الأرستقراطية القرشية فجاءت على غير حساب من الناس ، وكانت أرستقراطية قد غلط بها .


أراد أبو بكر أن تكون الإمامة في المهاجرين ما وجد بينهم الكفء القوي على النهوض بها ، فحولت قريش ذلك فيما بعد إلى منافعها وعصبيتها وخرجت بذلك عن أصل خطير من أصول

الإسلام ) ( 1 ) وليس في اعترافنا بغلبة النفس البشرية وطباعها وميولها على رجال الجيل الأول ونسائه ، واقترافهم أخطاء سياسية لأسباب
 

 

( 1 ) الفتنة الكبرى : ص 36 ، 37 ، 38 . ( * )

 

 

-  ص 155 -

بشرية ، ما ينقص من قدرهم ( 1 ) أو يخرجنا من الملة ، لأن أمور الحكم إنما تستقيم حين يكون التعاون والتضامن بين الحاكمين والمحكومين في الأصول التي يقوم عليها النظام ، فليس

يكفي أن يكون الحاكم يقظ الضمير مؤثرا للعدل مصطنعا للمعروف حريصا على رضا الله ، كافيا بعد ذلك لمشكلات السياسة ، خراجا منها إذا ادلهمت ، وإنما يجب أن يكون لرعيته حظ من الضمير الحي اليقظ ، ومن حب العدل ، وإيثار المعروف ، والحرص على رضا الله .
 

 

( 1 ) هذه المقولة من المؤلف والتي أكدها في الصفحات التالية برأي المودودي ذات وجهين ، أحدهما صحيح فقط ، وهو أنه توجد أخطاء طبيعية من كبار الشخصيات غير المعصومين ( العظماء بتعبير المؤلف والمودودي ) وهي لا تضر بقدرهم ومقامهم ، وهي المعبر عنها عند الفقهاء بأنها لا تنافي العدالة ولا تسبب خروج صاحبها إلى الفسق أو الكفر .

والوجه الآخر أن نقول إن كل ما يرتكبه الشخص الكبير ( العظيم حسب تعبير المؤلف ) بغلبة النفس البشرية لا ينقص من قدره حتى لو كان مخالفة للنبي صلى الله عليه وآله ، فهذا ما لا يوافق عليه أحد من المسلمين . ( الناشر ) ( * )

 

 

-  ص 156 -

وهذه هي المشكلة الأولى التي واجهت نظام الحكم الجديد ، فلم يكن العرب كلهم أصحاب رسول الله ، بل لم تكن كثرة العرب قد صاحبت النبي واتصلت به ، وإنما كان أصحاب

رسول الله كالشعرة البيضاء في الثور الأسود ، أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض ، ولم يكن إيمان العرب بالدين الجديد مطابقا أو مقاربا لإيمان هذه الطبقة من أصحاب النبي ، وإنما

كان من العرب من حسن إيمانه ، ومنهم من أسلم ولم يؤمن . س . . بل كان من العرب من جرت كلمة الإسلام على لسانه ولكنه احتفظ بجاهليته كاملة في قلبه ونفسه وضميره . . . فلم

يكن هناك توازن بين الحاكم والمحكوم . . . وأخرى لا ينبغي أن ننساها ولا ينبغي أن يضيق بها المتحرجون الذين يغالون في حسن الظن بالإنسان ، وهي أن هذا الضمير الديني الحي

اليقظ قد يتعرض للفتنة والمحنة ، وقد يلقى أخطارا كثيرة من الأحداث والخطول ، فما أكثر ما يخلص الإنسان نفسه وقلبه وضميره للحق والخير والعدل والإحسان ، ثم تلم به أسباب
 

-  ص 157 -

الفتنة ، وتلح عليه وتسرف في الإلحاح حتى تضطره إلى أن يتأول في بعض الأمر ، ثم ما يزال ينتقل من تأول إلى تأول ، ومن تعلل إلى تعلل ، ومن تحلل إلى تحلل ، حتى ينظر ذات

يوم فإذا بينه وبين الإخلاص الأول أمد بعيد . . . فليس من الغريب في شئ أن يتعرض كثير من الصالحين ومن أصحاب النبي أنفسهم لأسباب الفتن ودواعي الغرور ، وأن يطرأ عليهم

من الأحداث والخطوب ما يباعد بينهم وبين عهدهم الأول حين كان الإسلام غضا، وحين كانوا يتصلون مصبحين وممسين ) ( 1 ) هذا رأي صحيح ، ولا أراني متفقا مع الأستاذ عبد الكريم

الخطيب فيما ذهب إليه من أن الصحابة خاضوا المعارك التي خاضوها فيما بينهم وهم على غير يقين من صحة تصرفاتهم أو خطئها ، واستشهاده بموقف سعد بن أبي وقاص من علي

( ع ) وبموقف الزبير أيضا حين اعتزل قتال الإمام عليه السلام .
 

 

( 1 ) الفتنة الكبرى : ص 31 ، 39 ، 40 . ( * )

 

 

-  ص 158 -

بل إني أختلف معه بشدة حين قول ( هذه المعارك التي دارت بين المسلمين في موقعة الجمل ، وفي صفين ، وفي الحروب الكثيرة التي جاءت بعد ذلك مع الخوارج والأمويين والعلويين

والعباسيين هذه المعارك كلها كانت باسم الدين ولحساب الدين ) ( 1 ) فهذا رأي لا يستبين به الحق من الباطل .


ونحن حين نرى في أفعال هؤلاء العظماء رأيا لا ينبغي أن نخرج من تحليل مواقفهم وآرائهم كما هي مدونة في التاريخ إلى أكثر من ذلك ، لا لأنهم في منزلة بين البشر والملائكة ، بل

لأن الإسلام منع سباب المسلم عامة . ولأصحابنا أسوق رأي الأستاذ المودودي رحمه الله في هذا إذ يقول : ( وهناك فرق أساسي بين نظرتي ونظرة الآخرين في هذا الأمر كثيرا ما

يسيئون بسببه فهم موقفي ، فالناس يفهمون أن العظيم لا يخطئ أبدا ، وأن من يخطئ فليس عظيما ، ومن ثم لا يريدون
 

 

( 1 ) الإمامة والخلافة : ص 132 - 133 . ( * )

 

 

-  ص 159 -

أن يقال عن أي فعل من فعال العظماء أنه خطأ ، إلى جانب أنهم يظنون أن من يقول عن فعل من فعال العظماء أنه خطأ لا يعتبرهم عظماء .


أما رأيي ونظرتي فعلى عكس هذا ، فعندي أن أي فعل صادر عن عظيم - غير الأنبياء - يمكن أن يكون غلطا ، ومع ذلك يظل العظيم عظيما ، ولا أقول بخطأ فعل من فعال عظيم من

العظماء إلا عند ما يثبت لدي بالوسائل والطرق الموثوق بها أنه خطأ ، وعند ما لا يمكن تأويل فعله بأي دليل معقول .


غير أني حين أرى - مع هذا الشرط - أن فعلا من فعاله غلط ، أقول إنه غلط ، وأقف في نقدي عند هذا الحد .

وفي رأيي أن العظيم لا تتأثر عظمته بهذا الخطأ ، ولا ينقص احترامه أو يقل ، فإني لا أرى ضرورة على الإطلاق لإنكار الأخطاء الواضحة التي أخطأها من اعتبره عظيما فأداريها

وأسويها وأخفيها ، أو أثبت صحتها بالتماس تأويل لها غير معقولة وغير منطقية ، لأن النتيجة المحتومة للقول عن الخطأ أنه صواب هي انقلاب معيارنا وتبديل مقياسنا للصواب والخطأ ، واجتماع كافة

-  ص 160 -

الأخطاء التي أخطأها مختلف العظماء فردا فردا وتراكمها فينا ، فإخفاء ما هو ظاهر وساطع سطوع الشمس - في رأيي - لا يكون فيه نجاح وفلاح بل انحراف وزلل آخر ) ( 1 )


ولغير أصحابنا أسوق رأي الدكتور طه حسين إذ يقول : ( أما نحن فلسنا نعاصرهم ولا نشاركهم فيما شجر بينهم من الخلاف ، وليس من المعقول لذلك أن نقحم عواطفنا في أمرهم

إقحاما ، وإنما سبيلنا أن ننظر في أعمالهم وأقوالهم من حيث صلتها بحياة الناس وأحداث التاريخ ، وأن نخطئ من نخطئ ، ونصوب من نصوب منهم من هذه الجهة وحدها ، دون أن

نقضي في أمر دينهم بشئ ، فإن الدين لله ، ودون أن نستبيح لأنفسنا أن نقول كما كان يقول أنصارهم وخصومهم هؤلاء مؤمنون وهؤلاء كافرون ، وهؤلاء في منزلة بين بين ، وهؤلاء

في الجنة وهؤلاء في النار ، ذلك شئ لا نخوض فيه ، وليس لنا أن نخوض فيه ، وإنما أمره إلى الله وحده ، فأما الذي إلينا فهو أن نتبين من أعمالهم
 

 

( 1 ) الخلافة والملك : ص 208 - 209 ، دار القلم ، الكويت 1978 . ( * )

 

 

-  ص 161 -

وأقوالهم ما يلائم الحق والعدل والصواب وما لا يلائمه ، وهذا في نفسه كثير ، ولكن لا بد مما ليس منه بد ) ( 1 ) فالوقائع التي قرأناها على الصفحات الماضية لا يصح أن نسميها ( فتنة )

لكي نلقي بالتبعة على من أراد للأمة هذه الفتنة وهو الله سبحانه وتعالى ، لنبرئ ذمة أشخاص نعزهم ونحبهم .


كما أنها أيضا لم تكن - كما قال الأستاذ الخطيب وكما رأيت - لله وفي الله ، ولا فعلوها وهم لا يدرون من أمر أنفسهم شيئا ، ولا هي كما قال كثير في القديم والحديث - اجتهاد . فذلك كله

مراوغة ومدافعة ، وإنما هي أخطاء وانحرافات ارتكبوها بطبيعتهم البشرية ، التي ألهمها خالقها فجورها وتقواها .


هذه الأخطاء حين تراكمت أدت إلى انقسام مزدوج في بناء الدولة وكيانها ، لم يلتئم منذ ذلك اليوم إلى هذا اليوم الذي نحن فيه . فهو قد وقع في القيادة كما قد وقع في النسيج الاجتماعي المكون من أفراد الأمة الذين يشكلون معا وجنبا إلى جنب خير
 

 

( 1 ) الفتنة الكبرى : ص 41 . ( * )

 

 

-  ص 162 -

أمة وخير شعب .

فأما الانقسام الذي وقع في القيادة فهو الأساس والأخطر ، لأن انقسام الأمة والناس لم يكن في الحقيقة إلا نتيجة له . ولأن الإسلام دين شامل كامل كان لا بد من أن تكون القيادة التي تنفذه

قيادة شمولية تستوعب جميع جوانب هذه النظرية الواسعة، فتقود الحرب، وتفقه الدين ، وتدير الدولة ، وتخط السياسة ، وتعلم أسرار الدين، وتفهم الشريعة ، وتشبع الأرواح، وتحق الحق،

ولا تحابي قريبا أو نسيبا ، وتحفظ أموال الناس ، وتسوي بين أفراد المجتمع . قيادة تكون - باختصار - أعلم الناس بالنظرية التي تقوم عليها الدولة ، فتطابق شموليتها شمولية هذا الدين.


وكان مؤسس الدولة المحاط بوحي الله وعنايته ورعايته خير نموذج للقيادة المطلوبة ، بحكم كونه نبي الله المرسل لتطبيق هذه النظرية . فلما انقطع الوحي بوفاة النبي ، كان لا بد من أن

تحل محل المؤسس قيادة بهذه المواصفات تضمن سير الدولة الوليدة في الخط السماوي الذي وضع لها .

-  ص 163 -

هذه القيادة الثانية بعد المؤسس كان لا بد من كونها أقرب النماذج شبها برسول الله ، وأفهم الموجودين للنظرية ، وأدنى من المؤسس من غيرها . قيادة تكون قد توفر لها من العلم

والمعرفة الغزيرة ما لم يتوفر للآخرين ، فتقيم الإسلام كما هو بغير محاباة لقبيلة ، ولا مناصرة لعصبية .


لكن ما حدث كان خلاف هذا ، نعم تولاها فاضل لا شك في فضله ، لكنها كانت تحتاج لمن هو أفضل ولا شك في أفضليته ، لأن الدول المبنية على نظريات فكرية ثورية تحتاج إلى الاستمرار فترة على نفس خط المؤسس حتى تستقر لها الأمور .


وقد رأينا كيف تم تعيين قيادة الدولة بعد المؤسس مرات وليس مرة ، وكيف لعبت المصالح الشخصية ، والعصبية القبلية دورها في كل هذه الأحداث ، فأخذ الانحراف الأول البسيط الذي

كان كالشعرة ينتقل بالدولة والناس خطوة خطوة حتى انتهى الأمر إلى ما رأينا . . . وإذا بخير أمة أخرجت للناس يقودها بعد انتهاء فترة الخلفاء الأربعة ومنذ بداية حكم بني أمية أطول الناس عداوة

-  ص 164 -

للإسلام ، وآخرهم دخولا فيه ، وأقلهم معرفة برسول الله ، وأكثرهم تطاولا عليه . . . من الملاعين وأبناء الملاعين والمطاريد ، وأبناء البغايا والعاهرات .


ولأن هذه الأشكال لم تكن صالحة للقيادة جامعة لصفاتها انقسمت القيادة إلى ثلاثة اتجاهات متفرقة كان من المفروض أن تجتمع كلها في شخص واحد : الجانب القانوني المتعلق بالشريعة وأحكامها ، والجانب الروحي ، والجانب السياسي .


وبدلا من أن تكون القيادة عالمة بالشريعة ، قائدة في الروحانيات ، مدبرة للسياسة ، إذا بهذه الجوانب تنفصل عن بعضها ، ويستقل بكل جانب واتجاه منها قيادة لا تجمع الثلاثة في آن واحد .

فاستقل بالقيادة القانونية من عرفوا بعد ذلك بالفقهاء ، ثم انحصر مفهوم الشرع على يديهم في المعنى الفقهي الاصطلاحي الضيق ، لأن هؤلاء طلقوا السياسة واكتفوا بجانب أو

اثنين من جوانب القيادة ، وساحوا في البلدان يعرفون الناس في ظل الأنظمة المنحرفة بأمور الدين ، التي انتهج كل منهم في شرحها وجهة شخصية بناء على ما فهم من الدين .
 

-  ص 165 -

نعم أدى هؤلاء الفقهاء خدمات علمية بارزة ، لكن تفرق علمهم في الناس - مع كونهم ليسوا أعلم من في الأمة - أدى إلى اختلاف الناس باختلاف آراء الفقهاء ، وشهد تاريخ الأمة نشأة

أفقهة كثيرة ، تبعا لكل من خاض في هذا المضمار ، ثم انقرض أكثرها لظروف سياسية في أغلبها ، وبقي منها الأربعة التي نعرفها .


وأما الجانب الروحي فلم يجد من هؤلاء حظا من الاهتمام ، فاستقل به من اهتموا بشؤونه ، وغلبتهم همومه ، فانقطعوا عن الدنيا ، وطلقوا السياسة ، واستغرقوا في الروحانية استغراقا ،

وعرفوا اصطلاحا فيما بعد باسم الصوفية ، ومنهم من تأثر بالفلسفة اليونانية ، ومنهم من اقتبس من النصرانية ، ومنهم من اتبع الشريعة ، ومنهم من شطح .


نعم جرت محاولات لربط الطريقة بالشريعة كما فعل أبو حامد الغزالي ، لكن محاولته اقتصرت على الجمع بين الجانب القانوني والجانب الروحي ، وبقيت بعيدة عن الجانب السياسي ، أوقد أهملته إهمالا .

-  ص 166 -

هذا وذاك - أعني الجانب القانوني والجانب الروحي - يمكن أن تطلق عليهما مجازا وذاك - أعني الجانب القانوني والجانب الروحي - يمكن أن تطلق عليهما مجازا وذاك - أعني الجانب

القانوني والجانب الروحي - يمكن أن تطلق عليهما مجازا القيادة الدينية ، مع أنها تسمية غير دقيقة ، لكون السياسة دينا أو جزءا من الدين لا ينفك .


وبقي الثالث وهو جانب الحكم والسياسة وهو ما انفرد به من لا علم لهم بالقانون والشرع ، ولا بالروح وعوالمها وأحوالها ومقاماتها . وأخذ بزمام الأمور في هذا الميدان أسوأ الناس في الأغلب من تاريخ الأمة .


صحيح قذفت الأقدار بنفر معدودين من الصالحين إلى كراسي الحكم ، لكنهم لم يحاولوا الجمع بين الجوانب المذكورة أو رد القيادة إلى ما ينبغي أن تكون عليه ، فكانوا كضوء خاطف وسط الظلام ، ظهر ثم انقضى سريعا ، ربما قيل أن يدرك أغلب الناس وجوده .


ساد الأمة إذن انقسام بين القيادة الدينية بجانبيها القانوني والروحي ، وبين القيادة السياسية ، وانفصلت هذه عن تلك ، وتنفر هؤلاء من أولئك ، وكثيرا ما تحول هذا الانشقاق إلى صراع وعداوة .

-  ص 167 -

( ظل النفور والتصادم - أو على الأقل عدم التعاون - السمة الغالبة على ما بين القيادتين من علاقة ، فالقيادة السياسية قليلا ما كانت تساعد القيادة الدينية في القيام بواجبها ، كما أن القيادة

السياسية لم تقبل إلا أقل القليل من العون الذي كانت القيادة الدينية تقدمه لها ، لأن الثمن الذي كان عليها أن تدفعه للقيادة السياسية نظير مساعدتها لها ، ما كان إيمانها ولا ضميرها يرضى بدفعه .


وكذلك كان الناس أنفسهم قليلا ما يثقون فيمن اقترب - من أفراد القيادة الدينية - من السلاطين أو نال منهم منصبا أو منحة أو عطاء ، فأضحى معيار أهلية القيادة الدينية وصلاحيتها - في

نظرهم - انقطاعها واستغناؤها عن الحكام ، وصمودها أمام غضبهم وقهرهم وبأسهم ، فإن شذ أحد أفرادها عن هذا المعيار نظر الناس إليه نظرات ثاقبة شديدة ، وامتنعوا عن الاعتراف بعظمته ، اللهم إلا إذا رفض المساومة والمهادنة على أمر الدين رغم قربه من الحاكم .
 

-  ص 168 -

بل إن نفس من كانوا يبيعون أنفسهم للقيادة السياسية - فضلا عن عامة المسلمين - ما كانوا ليقبلوا إماما وزعيما دينيا يبيع نفسه للحاكم مثلهم ، أو يحرف أحكام الدين تحت ضغط القوة والجبر . هكذا انفصل طريق القيادة الدينية عن القيادة السياسية منذ منتصف القرن الأول الهجري ( 1 ) .


هذا الانقسام لم يظهر برأسه متأخرا كما يظن البعض بل في عهد الصحابة وأمام أعينهم ، حتى وجد في الدولة الإسلامية ثلاثة خلفاء مبايعين في آن واحد ( فكان مروان بن الحكم خليفة

مبايعا في الشام ومصر ، وعبد الله بن الزبير خليفة مبايعا بالحجاز والبصرة ، والمختار الثقفي خليفة مبايعا في الكوفة ) ( 2 ) فما إن استقر الأمر لبني أمية حتى راح يتداول الحكم في الأمة من لا دين لهم ولا خلق ، وامتدت سلسلتهم منذ ذلك الوقت وإلى يومنا هذا .


فلئن أدت مشكلة القيادة إلى أن يوجد في جيل
 

 

( 1 ) الخلافة والملك ، أبو الأعلى المودودي : ص 137 .          ( 2 ) الفخري لابن طباطبا : ص 86 . ( * )

 

 

-  ص 169 -

الصحابة وعلى رؤوسهم وفوق كرسي دولتهم من استحل حرمات الله والناس فأحرق الكعبة وضربها بالمجانيق واستباح مدينة رسول الله لجنده فاغتصبوا نساءها من صحابيات وتابعيات

حتى أن ( الرجل من أهل المدينة بعد ذلك كان إذا زوج ابنته لا يضمن بكارتها ، ويقول لعلها قد افتضت في وقعة الحرة ) ( 1 ) ( وحبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زواج ) ( 2 )

فإن نفس المشكلة التي لم تحل بعد قد سلطت على رقاب المسلمين في مختلف العصور وخاصة في عصرنا الحديث من ارتكبوا ويرتكبون ما هو أكثر من ذلك ، لأن المشكلة بعينها لم تزل .

وما النظم الحالية في بلاد المسلمين إلا امتداد لذلك النظام القديم ، مربوطة به بحبل وثيق طويل طوله أربعة عشر قرنا .


أما انقسام الأمة الذي جاء نتيجة انقسام القيادة ، فكان له صور وأشكال ، وظهر واضحا في أكثر من مجال .
 

 

( 1 ) نفس المصدر : ص 84 .                              ( 2 ) الفتنة الكبرى : ص 41 . ( * )

 

 

-  ص 170 -

ففي المجال الاجتماعي والاقتصادي اندثرت ( المؤاخاة ) التي سوى بها المؤسس تسوية تامة بين أفراد المجتمع ، ونشأت في مكانها طبقات غير متساوية هنا وهناك ( فوجدت طبقة

الأرستقراطية العليا ذات المولد والثراء الضخم والسلطان الواسع ، ووجدت طبقة البائسين الذين يعملون في الأرض ويقومون على مرافق هؤلاء السادة ، ووجدت بين هاتين الطبقتين

المتباعدتين طبقة متوسطة هي طبقة العامة من العرب الذين كانوا يقيمون في الأمصار ، ويغيرون على العدو ، ويحمون الثغور ، ويذودون عمن وراءهم من الناس وعما وراءهم من الثراء ، وهذه الطبقة هي التي تنازعها الأغنياء ففرقوها شيعا وأحزابا ) ( 1 )


وفي مجال الفكر والعقيدة انقسم المسلمون فرقا وأحزابا ، لأن التذبذب الذي عاشوه جعل أمور الفكر والاعتقاد موضع بحث ونقاش، فنشأ لكل فريق من رجال الجيل الأول حماة ومعارضون
 

 

( 1 ) البداية والنهاية لابن كثير : 8 / 372 ، مطبعة السعادة مصر ، وانظر للتفصيل ص 219 - 221 . ( * )

 

 

-  ص 171 -

ونشأت فرق أخرى أما كرد فعل لبقية الفرق ، وأما بوحي من السلطة وإشارة ، فإذا بالنسيج السوي يتمزق قطعة قطعة ، وإذا بالفكر مشتت ، والعقيدة مختلف في تفاصيل أمورها ومسائلها

، وإذا بعامة الناس منفصلة عن صراعات الفكر ودوامات الفرق ، وازدادت الشقة بين الفرق وبعضها ، فغلا كل منها وتطرف . . .

ولما رأى العامة ذلك انكب كل فرد على مصالحه وشأنه ، فأعطى ما لقيصر لقيصر وما لله لله مؤثرا السلامة ، تاركا مساندة الحق وهو يعرفه .


وأتصور - إن كان من حقي أن أتصور - أن السبب في الانحراف الذي اتسع ثم الانقسام الذي وقع هو أن الدولة الإسلامية - وهي دولة فكرية - تحتاج إلى مرجع يضم في صدره علما

يقينيا محددا ، ويعرف تفاصيل الشرع ، وتتوافر فيه خصائص العلماء والساسة والزهاد العباد ، فيكون أقرب إلى الشخصية الكاملة ، شخصية المؤسس .


هذا المرجع تكون له هيمنة المشرف على شئون الدولة كي لا يتلاعب بشرعها متلاعب ، أو يتأول قانونها متأول ، أو يتحلل
 

-  ص 172 -

منه متحلل ، هو الفيصل في المنازعات إذا نشبت ، والقائل بكلمته إذا الأمور ادلهمت ، لما له من علم شامل واسع ، وعقل مدبر ، وروح شفافة ، ولكونه قد شرب مما لم يشرب منه غيره ، واختصه النبي المؤسس بما لم يطلع عليه غيره .


وقد وجد هذا المرجع فعلا ، وبهذه المواصفات فعلا ، فكان إماما يسلم الكل بإماماته ، ويحتاجون الى رأيه ، ويلجأون إليه في المعضلات ، فقد حفظت لنا كتب التاريخ والحديث

رأيهم فيه ، وتسليمهم بمنزلته ، حتى كان إذا وقع أحدهم في ورطة قال ( معضلة ولا أبا حسن لها ) . لكنهم مع هذا ، ورغم وجود المرجع بينهم ، واستشارتهم له ، لم يجعلوا لرأيه إلزاما ،

فكانوا يطلبون رأيه فيشير عليهم ويستحسنونه ، لكنهم بعد ذلك أحرار في أن يعملوا به أو لا يعملوا . ومن هنا وقعت المخالفات لأنهم سلموا للإمام المرجع بمنزلته ، ولم يضعوا في يديه قوة التنفيذ والإلزام ، فصار رأيه بلا وزن في الدولة . هذه واحدة .
 

-  ص 173 -

وأما الثانية فهي أن من وصلوا إلى سلطة الدولة الوليدة ما كانوا يصلحون للمرجعية والإمامة وإن صلح بعضهم أو كلهم لمنصب رئاسة الدولة والحكومة ، فلما سارت الدولة برأي رئيس

الحكومة أو الجهاز التنفيذي ، متحررة من سلطة المرجع، كانت كدولة بلا إمام ومرشد ، فوقع ما وقع . وأتصور أن هذا النظام لو أخذ به لرضيت الأطراف كلها ، ولسارت الدولة بيد من

سارت ومن لا تنكر كفاءتهم ، ولكن في وجود مرجع إمام يقول لرئيس الدولة : قف ، إذا رأى منه ما يخالف الشرع عمدا أو سهوا .


وإذا تذكرنا أن قواعد وضوابط الدولة ونظام الحكم وتفاصيل الأمور لم تكن تكتب آنذاك ، كان لا بد من وجود من يعرفها ويعلمها علم اليقين ، ومن ثم يبدو النص عليه وتعيينه للدولة والأمة

من قبل الله ورسوله أمرا طبيعيا ، لكونه الأعلم والأفهم والأشجع ، والأقرب إلى المؤسس والألصق به .


وإذا عرفنا أن منفذ السياسة وبرامج الدولة ، ومدير حكومتها ، لا يشترط فيه أن يكون الأعلم وإن اشترط له العلم ، ولا يشترط

-  ص 174 -

له ما هو مشترط في المرجع المرشد ، كان عدم تعيينه والنص عليه ثم ترك اختياره للأمة والناس بالشورى أمرا طبيعيا ، ما دام هناك من يضمن سير الدولة على الطريق المحدد المرسوم ، وله سلطة إعطاء الضوء الأحمر والأخضر بما لديه من علم وفهم .


وقد لا يعجب كلامي هذا أهل التشيع أو بعضهم ، وقد يضيق به أهل التسنن أو جلهم ، لكن عليهم جميعا ألا ينسوا أنه مجرد تصور فردي ، وقراءة ذاتية .
 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب