|
- الامامة
والقيادة - الدكتور أحمد عز الدين ص 153 :
|
انقسام الأمة والقيادة
لا حظنا في الفصول السالفة كيف تحددت قيادة الأمة بعد وفاة
مؤسس الدولة خمس مرات ، يمثل كل منها نموذجا مختلفا عن غيره ، ولاحظنا كذلك ما
أملته الطبيعية البشرية على كبراء
الجيل الأول فاختلفوا واقتتلوا ، إذ تصرفوا في الأمر بعد
إهمال الضوابط والنصوص - كما يتصرف البشر - فانتهى الأمر إلى استئثار قريش
بصالحها وطالحها على قيادة الأمة ، وراحت الغلطة الصغيرة الأولى تكبر وتكبر ،
إلى أن انتهت الدولة في مدة قصيرة .
يقول الدكتور طه حسين : ذلك
أن قريشا فهمت قول أبي بكر ( في السقيفة ) على غير ما أراده هو ، وعلى غير ما
فهمه
أصحابه في ذلك الوقت ، فاستيقنت أن الإمامة حق لها لا
ينبغي أن يعدوها إلى غيرها ، وأنه حق لها لمكانتها من النبي . وقد كانت قريش في
هذا الفهم خاطئة متكلفة ما في ذلك شك .
ولو قد صح فهمها وتأويلها لظهرت عليها حجة بني هاشم ، ولكان
بنو هاشم أحق المسلمين بالإمامة ما استطاعوا أن ينهضوا بأعبائها . . . ومهما
يكن من شئ فقد نشأت هذه الأرستقراطية القرشية فجاءت على غير حساب من الناس ،
وكانت أرستقراطية قد غلط بها .
أراد أبو بكر أن تكون الإمامة في المهاجرين ما وجد بينهم
الكفء القوي على النهوض بها ، فحولت قريش ذلك فيما بعد إلى منافعها وعصبيتها
وخرجت بذلك عن أصل خطير من أصول
الإسلام )
( 1 )
وليس في اعترافنا بغلبة النفس البشرية وطباعها وميولها على رجال الجيل الأول
ونسائه ، واقترافهم أخطاء سياسية لأسباب
| |
( 1 ) الفتنة الكبرى : ص 36 ، 37 ، 38 .
( * )
|
|
|
بشرية ، ما ينقص من قدرهم
( 1 )
أو يخرجنا من الملة ، لأن أمور الحكم إنما تستقيم حين يكون التعاون والتضامن
بين الحاكمين والمحكومين في الأصول التي يقوم عليها النظام ، فليس
يكفي أن يكون الحاكم يقظ الضمير مؤثرا للعدل مصطنعا للمعروف حريصا على رضا الله
، كافيا بعد ذلك لمشكلات السياسة ، خراجا منها إذا ادلهمت ، وإنما يجب أن يكون
لرعيته حظ من الضمير الحي اليقظ ، ومن حب العدل ، وإيثار المعروف ، والحرص على
رضا الله .
| |
( 1 ) هذه المقولة من المؤلف والتي أكدها في الصفحات التالية برأي
المودودي ذات وجهين ، أحدهما صحيح فقط ، وهو أنه توجد أخطاء طبيعية من
كبار الشخصيات غير المعصومين ( العظماء بتعبير المؤلف والمودودي ) وهي
لا تضر بقدرهم ومقامهم ، وهي المعبر عنها عند الفقهاء بأنها لا تنافي
العدالة ولا تسبب خروج صاحبها إلى الفسق أو الكفر .
والوجه الآخر أن نقول إن كل ما يرتكبه الشخص الكبير ( العظيم حسب تعبير
المؤلف ) بغلبة النفس البشرية لا ينقص من قدره حتى لو كان مخالفة للنبي
صلى الله عليه وآله ، فهذا ما لا يوافق عليه أحد من المسلمين . (
الناشر ) ( * )
|
|
|
وهذه هي المشكلة الأولى التي واجهت نظام الحكم الجديد ،
فلم يكن العرب كلهم أصحاب رسول الله ، بل لم تكن كثرة العرب قد صاحبت النبي
واتصلت به ، وإنما كان أصحاب
رسول الله كالشعرة البيضاء في الثور الأسود ، أو كالشعرة
السوداء في الثور الأبيض ، ولم يكن إيمان العرب بالدين الجديد مطابقا أو مقاربا
لإيمان هذه الطبقة من أصحاب النبي ، وإنما
كان من العرب من حسن إيمانه ، ومنهم من أسلم ولم يؤمن .
س . . بل كان من العرب من جرت كلمة الإسلام على لسانه ولكنه احتفظ بجاهليته
كاملة في قلبه ونفسه وضميره . . . فلم
يكن هناك توازن بين الحاكم والمحكوم . . . وأخرى لا
ينبغي أن ننساها ولا ينبغي أن يضيق بها المتحرجون الذين يغالون في حسن الظن
بالإنسان ، وهي أن هذا الضمير الديني الحي
اليقظ قد يتعرض للفتنة والمحنة ، وقد يلقى أخطارا كثيرة
من الأحداث والخطول ، فما أكثر ما يخلص الإنسان نفسه وقلبه وضميره للحق والخير
والعدل والإحسان ، ثم تلم به أسباب
الفتنة ، وتلح عليه وتسرف في الإلحاح حتى تضطره إلى أن
يتأول في بعض الأمر ، ثم ما يزال ينتقل من تأول إلى تأول ، ومن تعلل إلى تعلل ،
ومن تحلل إلى تحلل ، حتى ينظر ذات
يوم فإذا بينه وبين الإخلاص الأول أمد بعيد . . . فليس
من الغريب في شئ أن يتعرض كثير من الصالحين ومن أصحاب النبي أنفسهم لأسباب
الفتن ودواعي الغرور ، وأن يطرأ عليهم
من الأحداث والخطوب ما يباعد بينهم وبين عهدهم الأول حين
كان الإسلام غضا، وحين كانوا يتصلون مصبحين وممسين )
( 1 )
هذا رأي صحيح ، ولا أراني متفقا مع الأستاذ عبد الكريم
الخطيب فيما ذهب إليه من أن الصحابة خاضوا المعارك التي خاضوها فيما بينهم وهم
على غير يقين من صحة تصرفاتهم أو خطئها ، واستشهاده بموقف سعد بن أبي وقاص من
علي
( ع )
وبموقف الزبير أيضا حين اعتزل قتال الإمام عليه السلام .
| |
( 1 ) الفتنة الكبرى : ص 31 ، 39 ، 40 .
( * )
|
|
|
بل إني أختلف معه بشدة حين قول ( هذه المعارك التي دارت
بين المسلمين في موقعة الجمل ، وفي صفين ، وفي الحروب الكثيرة التي جاءت بعد
ذلك مع الخوارج والأمويين والعلويين
والعباسيين هذه المعارك كلها كانت باسم الدين ولحساب
الدين )
( 1 )
فهذا رأي لا يستبين به الحق من الباطل .
ونحن حين نرى في أفعال هؤلاء العظماء رأيا لا
ينبغي أن نخرج من تحليل مواقفهم وآرائهم كما هي مدونة في التاريخ إلى أكثر من
ذلك ، لا لأنهم في منزلة بين البشر والملائكة ، بل
لأن الإسلام منع سباب المسلم عامة . ولأصحابنا أسوق رأي الأستاذ المودودي رحمه
الله في هذا إذ يقول : ( وهناك فرق أساسي بين نظرتي ونظرة الآخرين في هذا الأمر
كثيرا ما
يسيئون بسببه فهم موقفي ، فالناس يفهمون أن العظيم لا يخطئ أبدا ، وأن من يخطئ
فليس عظيما ، ومن ثم لا يريدون
| |
( 1 ) الإمامة والخلافة : ص 132 - 133 .
( * )
|
|
|
أن يقال عن أي فعل من فعال العظماء أنه خطأ ، إلى جانب
أنهم يظنون أن من يقول عن فعل من فعال العظماء أنه خطأ لا يعتبرهم عظماء .
أما رأيي ونظرتي فعلى عكس هذا ، فعندي أن أي فعل صادر عن
عظيم - غير الأنبياء - يمكن أن يكون غلطا ، ومع ذلك يظل العظيم عظيما ، ولا
أقول بخطأ فعل من فعال عظيم من
العظماء إلا عند ما يثبت لدي بالوسائل والطرق الموثوق
بها أنه خطأ ، وعند ما لا يمكن تأويل فعله بأي دليل معقول .
غير أني حين أرى - مع هذا الشرط - أن فعلا من فعاله غلط ،
أقول إنه غلط ، وأقف في نقدي عند هذا الحد .
وفي رأيي أن العظيم لا تتأثر عظمته بهذا الخطأ ، ولا
ينقص احترامه أو يقل ، فإني لا أرى ضرورة على الإطلاق لإنكار الأخطاء الواضحة
التي أخطأها من اعتبره عظيما فأداريها
وأسويها وأخفيها ، أو أثبت صحتها بالتماس تأويل لها غير
معقولة وغير منطقية ، لأن النتيجة المحتومة للقول عن الخطأ أنه صواب هي انقلاب
معيارنا وتبديل مقياسنا للصواب والخطأ ، واجتماع كافة
الأخطاء التي أخطأها مختلف العظماء فردا فردا وتراكمها
فينا ، فإخفاء ما هو ظاهر وساطع سطوع الشمس - في رأيي - لا يكون فيه نجاح وفلاح
بل انحراف وزلل آخر )
( 1 )
ولغير أصحابنا أسوق رأي الدكتور طه حسين إذ يقول : ( أما نحن فلسنا نعاصرهم ولا
نشاركهم فيما شجر بينهم من الخلاف ، وليس من المعقول لذلك أن نقحم عواطفنا في
أمرهم
إقحاما ، وإنما سبيلنا أن ننظر في أعمالهم وأقوالهم من حيث صلتها بحياة الناس
وأحداث التاريخ ، وأن نخطئ من نخطئ ، ونصوب من نصوب منهم من هذه الجهة وحدها ،
دون أن
نقضي في أمر دينهم بشئ ، فإن الدين لله ، ودون أن نستبيح لأنفسنا أن نقول كما
كان يقول أنصارهم وخصومهم هؤلاء مؤمنون وهؤلاء كافرون ، وهؤلاء في منزلة بين
بين ، وهؤلاء
في الجنة وهؤلاء في النار ، ذلك شئ لا نخوض فيه ، وليس لنا أن نخوض فيه ، وإنما
أمره إلى الله وحده ، فأما الذي إلينا فهو أن نتبين من أعمالهم
| |
( 1 ) الخلافة والملك : ص 208 - 209 ،
دار القلم ، الكويت 1978 . ( * )
|
|
|
وأقوالهم ما يلائم الحق والعدل والصواب وما لا يلائمه ،
وهذا في نفسه كثير ، ولكن لا بد مما ليس منه بد )
( 1 )
فالوقائع التي قرأناها على الصفحات الماضية لا يصح أن نسميها ( فتنة )
لكي نلقي بالتبعة على من أراد للأمة هذه الفتنة وهو الله سبحانه وتعالى ، لنبرئ
ذمة أشخاص نعزهم ونحبهم .
كما أنها أيضا لم تكن - كما قال الأستاذ الخطيب وكما رأيت - لله وفي الله ، ولا
فعلوها وهم لا يدرون من أمر أنفسهم شيئا ، ولا هي كما قال كثير في القديم
والحديث - اجتهاد . فذلك كله
مراوغة ومدافعة ، وإنما هي أخطاء وانحرافات ارتكبوها بطبيعتهم البشرية ، التي
ألهمها خالقها فجورها وتقواها .
هذه الأخطاء حين تراكمت أدت إلى انقسام مزدوج في بناء الدولة وكيانها ، لم
يلتئم منذ ذلك اليوم إلى هذا اليوم الذي نحن فيه . فهو قد وقع في القيادة كما
قد وقع في النسيج الاجتماعي المكون من أفراد الأمة الذين يشكلون معا وجنبا إلى
جنب خير
| |
( 1 ) الفتنة الكبرى : ص 41 . ( * )
|
|
|
أمة وخير شعب .
فأما الانقسام الذي وقع في
القيادة فهو الأساس والأخطر ، لأن انقسام الأمة والناس لم يكن في
الحقيقة إلا نتيجة له . ولأن الإسلام دين شامل كامل كان لا بد من أن تكون
القيادة التي تنفذه
قيادة شمولية تستوعب جميع جوانب هذه النظرية الواسعة،
فتقود الحرب، وتفقه الدين ، وتدير الدولة ، وتخط السياسة ، وتعلم أسرار الدين،
وتفهم الشريعة ، وتشبع الأرواح، وتحق الحق،
ولا تحابي قريبا أو نسيبا ، وتحفظ أموال الناس ، وتسوي
بين أفراد المجتمع . قيادة تكون - باختصار - أعلم الناس بالنظرية التي تقوم
عليها الدولة ، فتطابق شموليتها شمولية هذا الدين.
وكان مؤسس الدولة المحاط بوحي الله وعنايته ورعايته خير
نموذج للقيادة المطلوبة ، بحكم كونه نبي الله المرسل لتطبيق هذه النظرية . فلما
انقطع الوحي بوفاة النبي ، كان لا بد من أن
تحل محل المؤسس قيادة بهذه المواصفات تضمن سير الدولة
الوليدة في الخط السماوي الذي وضع لها .
هذه القيادة الثانية بعد المؤسس كان لا بد من كونها أقرب
النماذج شبها برسول الله ، وأفهم الموجودين للنظرية ، وأدنى من المؤسس من غيرها
. قيادة تكون قد توفر لها من العلم
والمعرفة الغزيرة ما لم يتوفر للآخرين ، فتقيم الإسلام
كما هو بغير محاباة لقبيلة ، ولا مناصرة لعصبية .
لكن ما حدث كان خلاف هذا ، نعم تولاها فاضل لا شك في فضله ،
لكنها كانت تحتاج لمن هو أفضل ولا شك في أفضليته ، لأن الدول المبنية على
نظريات فكرية ثورية تحتاج إلى الاستمرار فترة على نفس خط المؤسس حتى تستقر لها
الأمور .
وقد رأينا كيف تم تعيين قيادة الدولة بعد المؤسس مرات وليس
مرة ، وكيف لعبت المصالح الشخصية ، والعصبية القبلية دورها في كل هذه الأحداث ،
فأخذ الانحراف الأول البسيط الذي
كان كالشعرة ينتقل بالدولة والناس خطوة خطوة حتى انتهى
الأمر إلى ما رأينا . . . وإذا بخير أمة أخرجت للناس يقودها بعد انتهاء فترة
الخلفاء الأربعة ومنذ بداية حكم بني أمية أطول الناس عداوة
للإسلام ، وآخرهم دخولا فيه ، وأقلهم معرفة برسول الله ،
وأكثرهم تطاولا عليه . . . من الملاعين وأبناء الملاعين والمطاريد ، وأبناء
البغايا والعاهرات .
ولأن هذه الأشكال لم تكن صالحة للقيادة جامعة لصفاتها
انقسمت القيادة إلى ثلاثة اتجاهات متفرقة كان من المفروض أن تجتمع كلها في شخص
واحد : الجانب القانوني المتعلق بالشريعة وأحكامها ، والجانب الروحي ، والجانب
السياسي .
وبدلا من أن تكون القيادة عالمة بالشريعة ، قائدة في
الروحانيات ، مدبرة للسياسة ، إذا بهذه الجوانب تنفصل عن بعضها ، ويستقل بكل
جانب واتجاه منها قيادة لا تجمع الثلاثة في آن واحد .
فاستقل بالقيادة القانونية
من عرفوا بعد ذلك بالفقهاء ، ثم انحصر مفهوم الشرع على يديهم في المعنى الفقهي
الاصطلاحي الضيق ، لأن هؤلاء طلقوا السياسة واكتفوا بجانب أو
اثنين من جوانب القيادة ، وساحوا في البلدان يعرفون
الناس في ظل الأنظمة المنحرفة بأمور الدين ، التي انتهج كل منهم في شرحها وجهة
شخصية بناء على ما فهم من الدين .
نعم أدى هؤلاء الفقهاء خدمات علمية بارزة ، لكن تفرق
علمهم في الناس - مع كونهم ليسوا أعلم من في الأمة - أدى إلى اختلاف الناس
باختلاف آراء الفقهاء ، وشهد تاريخ الأمة نشأة
أفقهة كثيرة ، تبعا لكل من خاض في هذا المضمار ، ثم
انقرض أكثرها لظروف سياسية في أغلبها ، وبقي منها الأربعة التي نعرفها .
وأما الجانب الروحي فلم يجد
من هؤلاء حظا من الاهتمام ، فاستقل به من اهتموا بشؤونه ، وغلبتهم همومه ،
فانقطعوا عن الدنيا ، وطلقوا السياسة ، واستغرقوا في الروحانية استغراقا ،
وعرفوا اصطلاحا فيما بعد باسم الصوفية ، ومنهم من تأثر
بالفلسفة اليونانية ، ومنهم من اقتبس من النصرانية ، ومنهم من اتبع الشريعة ،
ومنهم من شطح .
نعم جرت محاولات لربط الطريقة بالشريعة كما فعل أبو حامد
الغزالي ، لكن محاولته اقتصرت على الجمع بين الجانب القانوني والجانب الروحي ،
وبقيت بعيدة عن الجانب السياسي ، أوقد أهملته إهمالا .
هذا وذاك - أعني الجانب القانوني والجانب الروحي - يمكن
أن تطلق عليهما مجازا وذاك - أعني الجانب القانوني والجانب الروحي - يمكن أن
تطلق عليهما مجازا وذاك - أعني الجانب
القانوني والجانب الروحي - يمكن أن تطلق عليهما مجازا
القيادة الدينية ، مع أنها تسمية غير دقيقة ، لكون السياسة دينا أو جزءا من
الدين لا ينفك .
وبقي الثالث وهو جانب الحكم والسياسة
وهو ما انفرد به من لا علم لهم بالقانون والشرع ، ولا بالروح وعوالمها وأحوالها
ومقاماتها . وأخذ بزمام الأمور في هذا الميدان أسوأ الناس في الأغلب من تاريخ
الأمة .
صحيح قذفت الأقدار بنفر معدودين من الصالحين إلى كراسي
الحكم ، لكنهم لم يحاولوا الجمع بين الجوانب المذكورة أو رد القيادة إلى ما
ينبغي أن تكون عليه ، فكانوا كضوء خاطف وسط الظلام ، ظهر ثم انقضى سريعا ، ربما
قيل أن يدرك أغلب الناس وجوده .
ساد الأمة إذن انقسام بين القيادة الدينية بجانبيها
القانوني والروحي ، وبين القيادة السياسية ، وانفصلت هذه عن تلك ، وتنفر هؤلاء
من أولئك ، وكثيرا ما تحول هذا الانشقاق إلى صراع وعداوة .
( ظل النفور والتصادم - أو على الأقل عدم التعاون -
السمة الغالبة على ما بين القيادتين من علاقة ، فالقيادة السياسية قليلا ما
كانت تساعد القيادة الدينية في القيام بواجبها ، كما أن القيادة
السياسية لم تقبل إلا أقل القليل من العون الذي كانت
القيادة الدينية تقدمه لها ، لأن الثمن الذي كان عليها أن تدفعه للقيادة
السياسية نظير مساعدتها لها ، ما كان إيمانها ولا ضميرها يرضى بدفعه .
وكذلك كان الناس أنفسهم قليلا ما يثقون فيمن اقترب - من
أفراد القيادة الدينية - من السلاطين أو نال منهم منصبا أو منحة أو عطاء ،
فأضحى معيار أهلية القيادة الدينية وصلاحيتها - في
نظرهم - انقطاعها واستغناؤها عن الحكام ، وصمودها أمام
غضبهم وقهرهم وبأسهم ، فإن شذ أحد أفرادها عن هذا المعيار نظر الناس إليه نظرات
ثاقبة شديدة ، وامتنعوا عن الاعتراف بعظمته ، اللهم إلا إذا رفض المساومة
والمهادنة على أمر الدين رغم قربه من الحاكم .
بل إن نفس من كانوا يبيعون أنفسهم للقيادة السياسية -
فضلا عن عامة المسلمين - ما كانوا ليقبلوا إماما وزعيما دينيا يبيع نفسه للحاكم
مثلهم ، أو يحرف أحكام الدين تحت ضغط القوة والجبر . هكذا انفصل طريق القيادة
الدينية عن القيادة السياسية منذ منتصف القرن الأول الهجري
( 1 )
.
هذا الانقسام لم يظهر برأسه متأخرا كما يظن البعض بل في عهد الصحابة وأمام
أعينهم ، حتى وجد في الدولة الإسلامية ثلاثة خلفاء مبايعين في آن واحد ( فكان
مروان بن الحكم خليفة
مبايعا في الشام ومصر ، وعبد الله بن الزبير خليفة مبايعا بالحجاز والبصرة ،
والمختار الثقفي خليفة مبايعا في الكوفة )
( 2 )
فما إن استقر الأمر لبني أمية حتى راح يتداول الحكم في الأمة من لا دين لهم ولا
خلق ، وامتدت سلسلتهم منذ ذلك الوقت وإلى يومنا هذا .
فلئن أدت مشكلة القيادة إلى أن يوجد في جيل
| |
( 1 ) الخلافة والملك ، أبو الأعلى
المودودي : ص 137 .
( 2 ) الفخري لابن طباطبا : ص 86 . ( * )
|
|
|
الصحابة وعلى رؤوسهم وفوق كرسي دولتهم من استحل حرمات
الله والناس فأحرق الكعبة وضربها بالمجانيق واستباح مدينة رسول الله لجنده
فاغتصبوا نساءها من صحابيات وتابعيات
حتى أن ( الرجل من أهل المدينة بعد ذلك كان إذا زوج
ابنته لا يضمن بكارتها ، ويقول لعلها قد افتضت في وقعة الحرة )
( 1 )
( وحبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زواج )
( 2 )
فإن نفس المشكلة التي لم تحل بعد قد سلطت على رقاب المسلمين في مختلف العصور
وخاصة في عصرنا الحديث من ارتكبوا ويرتكبون ما هو أكثر من ذلك ، لأن المشكلة
بعينها لم تزل .
وما النظم الحالية في بلاد المسلمين إلا امتداد لذلك النظام القديم ، مربوطة به
بحبل وثيق طويل طوله أربعة عشر قرنا .
أما انقسام الأمة الذي جاء نتيجة انقسام القيادة
، فكان له صور وأشكال ، وظهر واضحا في أكثر من مجال .
| |
( 1 ) نفس المصدر : ص 84 .
( 2 ) الفتنة الكبرى : ص 41 . ( * )
|
|
|
ففي المجال الاجتماعي والاقتصادي
اندثرت ( المؤاخاة ) التي سوى بها المؤسس تسوية تامة بين أفراد المجتمع ، ونشأت
في مكانها طبقات غير متساوية هنا وهناك ( فوجدت طبقة
الأرستقراطية العليا ذات المولد والثراء الضخم والسلطان
الواسع ، ووجدت طبقة البائسين الذين يعملون في الأرض ويقومون على مرافق هؤلاء
السادة ، ووجدت بين هاتين الطبقتين
المتباعدتين طبقة متوسطة هي طبقة العامة من العرب الذين
كانوا يقيمون في الأمصار ، ويغيرون على العدو ، ويحمون الثغور ، ويذودون عمن
وراءهم من الناس وعما وراءهم من الثراء ، وهذه الطبقة هي التي تنازعها الأغنياء
ففرقوها شيعا وأحزابا )
( 1 )
وفي مجال الفكر والعقيدة انقسم المسلمون فرقا
وأحزابا ، لأن التذبذب الذي عاشوه جعل أمور الفكر والاعتقاد موضع بحث ونقاش،
فنشأ لكل فريق من رجال الجيل الأول حماة ومعارضون
| |
( 1 ) البداية والنهاية لابن كثير : 8 /
372 ، مطبعة السعادة مصر ، وانظر للتفصيل ص 219 - 221 . ( * )
|
|
|
ونشأت فرق أخرى أما كرد فعل لبقية الفرق ، وأما بوحي من
السلطة وإشارة ، فإذا بالنسيج السوي يتمزق قطعة قطعة ، وإذا بالفكر مشتت ،
والعقيدة مختلف في تفاصيل أمورها ومسائلها
، وإذا بعامة الناس منفصلة عن صراعات الفكر ودوامات
الفرق ، وازدادت الشقة بين الفرق وبعضها ، فغلا كل منها وتطرف . . .
ولما رأى العامة ذلك انكب كل فرد على مصالحه وشأنه ،
فأعطى ما لقيصر لقيصر وما لله لله مؤثرا السلامة ، تاركا مساندة الحق وهو يعرفه
.
وأتصور - إن كان من حقي أن أتصور - أن السبب في الانحراف
الذي اتسع ثم الانقسام الذي وقع هو أن الدولة الإسلامية - وهي دولة فكرية -
تحتاج إلى مرجع يضم في صدره علما
يقينيا محددا ، ويعرف تفاصيل الشرع ، وتتوافر فيه خصائص العلماء
والساسة والزهاد العباد ، فيكون أقرب إلى الشخصية الكاملة ، شخصية المؤسس .
هذا المرجع تكون له هيمنة المشرف على شئون الدولة كي لا
يتلاعب بشرعها متلاعب ، أو يتأول قانونها متأول ، أو يتحلل
منه متحلل ، هو الفيصل في المنازعات إذا نشبت ، والقائل
بكلمته إذا الأمور ادلهمت ، لما له من علم شامل واسع ، وعقل مدبر ، وروح شفافة
، ولكونه قد شرب مما لم يشرب منه غيره ، واختصه النبي المؤسس بما لم يطلع عليه
غيره .
وقد وجد هذا المرجع فعلا ، وبهذه المواصفات فعلا ، فكان
إماما يسلم الكل بإماماته ، ويحتاجون الى رأيه ، ويلجأون إليه في المعضلات ،
فقد حفظت لنا كتب التاريخ والحديث
رأيهم فيه ، وتسليمهم بمنزلته ، حتى كان إذا وقع أحدهم
في ورطة قال ( معضلة ولا أبا حسن لها ) . لكنهم مع هذا ، ورغم وجود المرجع
بينهم ، واستشارتهم له ، لم يجعلوا لرأيه إلزاما ،
فكانوا يطلبون رأيه فيشير عليهم ويستحسنونه ، لكنهم بعد
ذلك أحرار في أن يعملوا به أو لا يعملوا . ومن هنا وقعت المخالفات لأنهم سلموا
للإمام المرجع بمنزلته ، ولم يضعوا في يديه قوة التنفيذ والإلزام ، فصار رأيه
بلا وزن في الدولة . هذه واحدة .
وأما الثانية فهي أن من
وصلوا إلى سلطة الدولة الوليدة ما كانوا يصلحون للمرجعية والإمامة وإن صلح
بعضهم أو كلهم لمنصب رئاسة الدولة والحكومة ، فلما سارت الدولة برأي رئيس
الحكومة أو الجهاز التنفيذي ، متحررة من سلطة المرجع،
كانت كدولة بلا إمام ومرشد ، فوقع ما وقع . وأتصور أن هذا النظام لو أخذ به
لرضيت الأطراف كلها ، ولسارت الدولة بيد من
سارت ومن لا تنكر كفاءتهم ، ولكن في وجود مرجع إمام يقول
لرئيس الدولة : قف ، إذا رأى منه ما يخالف الشرع عمدا أو سهوا .
وإذا تذكرنا أن قواعد وضوابط الدولة ونظام الحكم وتفاصيل
الأمور لم تكن تكتب آنذاك ، كان لا بد من وجود من يعرفها ويعلمها علم اليقين ،
ومن ثم يبدو النص عليه وتعيينه للدولة والأمة
من قبل الله ورسوله أمرا طبيعيا ، لكونه الأعلم والأفهم
والأشجع ، والأقرب إلى المؤسس والألصق به .
وإذا عرفنا أن منفذ السياسة وبرامج الدولة ، ومدير حكومتها
، لا يشترط فيه أن يكون الأعلم وإن اشترط له العلم ، ولا يشترط
له ما هو مشترط في المرجع المرشد ، كان عدم تعيينه والنص
عليه ثم ترك اختياره للأمة والناس بالشورى أمرا طبيعيا ، ما دام هناك من يضمن
سير الدولة على الطريق المحدد المرسوم ، وله سلطة إعطاء الضوء الأحمر والأخضر
بما لديه من علم وفهم .
وقد لا يعجب كلامي هذا أهل التشيع أو بعضهم ، وقد يضيق به
أهل التسنن أو جلهم ، لكن عليهم جميعا ألا ينسوا أنه مجرد تصور فردي ، وقراءة
ذاتية .
|