ومنهم ابن حجر حيث قال كما في خاتمة الصواعق ، فمذهبنا ( فيمن
يسب ) أنه لا يكفر بذلك ا ه .
ومنهم الشيخ أبو طاهر القزويني في كتابه سراج العقول حيث نقل القول بعدك كفر
أحد من أهل الأركان الخمسة من الروافض وغيرهم عن جمهور العلماء والخلفاء من
أيام الصحابة إلى زمنه ، فراجع ما نقلناه عنه في الفصل المعقود لفتاوى علماء
السنة .
ومنهم العارف الشعراني حيث قال في آخر المبحث 58 من يواقيته ما هذا لفظه : فقد
علمت يا أخي أن جميع العلماء المتدينين أمسكوا عن القول بالتكفير لأحد من أهل
القبلة ا ه .
وقد أرسل ابن حزم عدم الكفر إرسال المسلمات، فقال في صفحة 257 من أواخر الجزء
الثالث من فصله ما هذا لفظه : وأما من سب أحدا من الصحابة فإن كان جاهلا فمعذور
وإن قامت عليه الحجة فتمادى غير معاند فهو فاسق كمن زنى أو سرق ،
وإن عاند الله تعالى ورسوله في ذلك فهو كافر . قال : وقد قال
عمر بحضرة النبي ( ص ) عن حاطب " وحاطب مهاجري بدري " : دعني أضرب عنق هذا
المنافق ، فما كان عمر بتكفيره حاطبا كافرا بل كان مخطئا ؟ متأولا ا ه .
قلت : حسبك في عدم كفر الموحدين بمجرد هذا ما هو معلوم بحكم البداهة الأولية من
إجماع أهل السنة على أن مطلق الموحدين يدخلون الجنة على كل حال .
قال الفاضل النووي " في باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا
من شرح الصحيح " : واعلم أن مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من الخلف والسلف
إن من مات موحدا دخل الجنة قطعا . . . إلى أن قال : فلا يخلد في النار أحد مات
على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل ا ه .
" السادس " أنه لا يفتى
بالتكفير عندهم إلا أن يكون الموجب للكفر مجمعا على إيجابه ، لذلك قال في شرح
تنوير الأبصار : واعلم أنه لا يفتى بكفر مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن أو
كان في كفره خلاف ولو كان ذلك رواية ضعيفة ا ه .
وقال الخير الرملي كما في صفحة 398 من الجزء الثالث من رد المحتار : ولو كانت "
تلك الرواية " لغير أهل مذهبنا ، واستدل على ذلك باشتراط كون ما يوجب الكفر
مجمعا على إيجابه لذلك .
قلت : إذا كان التكفير مشروطا بهذا فكيف يفتى بالكفر في مسألتنا مع ما سمعت من
انعقاد الاجماع على عدم الكفر فيها ؟ ولو أنكر الخصم ذلك الاجماع فحسبه وجود
القائل بعدم التكفير ، فإنه مما لا يمكن إنكاره كما لا يخفى . وقد أغرب الناصب
إذ حكم بعدم قبول توبته مع إجماعهم على قبول توبة من يسب الله عز وجل ( 2 ) .
فهل هذا إلا تحامل قبيح وظلم صريح ، وجرأة على الله عز وجل في تبديل أحكامه
واستخفاف فيما شرع الله سبحانه من حلاله وحرامه ، وما أراه إلا مدفوعا على هذه
الفتوى من ملوك الجور تحسينا لأفعالهم أو مستأجرا عليها من ولاة الجور تصحيحا
لأعمالهم .
ولا غرو فإن علماء السوء وقضاة الرشوة يبدلون أحكام الله بالتافه ويبيعون
الأمة بالنزر القليل .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
نسجوا في هذه الفتوى على منوال اليهود إذ أجمعت أخبارهم على أن من شتم
الله تعالى يؤدب ومن شتم الأحبار يقتل ، وقد أنكر ذلك عليهم ابن حزم إذ
نقله عنهم في صفحة 221 من الجزء الأول من فصله قبل انتهاء الجزء
بورقتين ، ثم قال : فأعجبوا لهذا واعلموا أنهم ملحدون لا دين لهم ا ه
- قلت : وهب أن الرافضي كافر فقد نشأ على مذهبه وتدين به من قبل البلوغ
فلم لا تقبل توبته كما تقبل توبة المجوس والصابئة يا منصفون . ( * )
|
|
|
فقاتل الله الحرص على الدنيا ، وقبح الله التهالك على الخسائس
، ما أشد ضررهما وما أفظع خطرهما ، نبذ أولئك الدجالون حكم الله وراء ظهورهم
طمعا في الوظائف ، وحكموا بما تقتضيه سياسة ملوكهم رغبة في المناصب ، وأرجفوا
في المؤمنين
وفرقوا كلمة المسلمين ، ولولاهم لتعارفت الأرواح وائتلفت
القلوب وامتزجت النفوس واتحدت العزائم ، فلم يطلع بالمسلمين طامع ولم يرمقهم من
النواظر إلا بصر خاشع ، ولكن واأسفاه استحوذ عليهم أولئك المفسدون الذين ينحرون
دين الله في سبيل
الوظائف ويضحون عباده في طلب القضاء والافتاء ، فتناكرت
بفتاويهم وجوه المسلمين وتباينت بأراجيفهم رغائب الموحدين حتى كان من تفرق
آرائهم وتضارب أهوائهم ما تصاعدت به الزفرات وفاضت منه العبرات ، ولا حول ولا
قوة إلا بالله العلي العظيم .