" المبحث الثالث " في
الأحاديث التي زعموا أنها ناسخة لحكم المتعة أمعنا النظر فيها فوجدناها أحاديث
ملفقة وضعها المتأخرون عن زمن الخلفاء الأربعة تصحيحا لرأي من حرمها ، وقد
استقصيناها في رسالتنا الموسومة بالنجعة في أحكام
المتعة ، فأثبتنا من طريق خصومنا تضعيف تلك الأحاديث وإن
أخرجها الشيخان ، ونقلنا كلمات البعض من أئمتهم في الجرح والتعديل الدالة على
ذلك ، على أن تلك الأحاديث الملفقة تناقض صحاحنا المتواترة من طريق العترة
الطاهرة ، بل تناقض ما
سمعته من صحاحهم الدالة على دوام حلها واستمرار إباحتها ، ومن
تدبرها وجدها تناقض نفسها بنفسها ، وقد فصلنا ذلك كله في نجعتنا بما لا مزيد
عليه .
وأنت هداك الله سمعت النص من جابر بن عبد الله على أن التحريم والنهي إنما كان
من عمر في بادرة بدرت من ابن حريث ، وستسمع كلام عمران بن حصين ، وعبد الله بن
مسعود ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وأمير المؤمنين ،
فتراه صريحا بأن التحريم لم يكن بناسخ شرعي وإنما كان بنهي
الخليفة الثاني ، ومحال أن يكون ثمة ناسخ فيجهلونه ، وهم من علمت منزلتهم من
رسول الله وملازمتهم له ( ص ) وحرصهم على أخذ العلم منه .
على أنه لو كان هناك ناسخ لنبههم إليه بعض المطلعين عليه ،
وحيث لم يعارضهم أحد من الصحابة فيما كانوا ينسبونه من التحريم إلى عمر علمنا
أنهم أجمع معترفون بذلك ، مقرون بأن لا ناسخ من الله تعالى ، ولا من رسوله صلى
الله عليه وآله وسلم كما لا يخفى .
على أن عمر نفسه لم يدع النسخ كما ستسمع من كلامه الصريح في إسناد التحريم
والنهي إلى نفسه ، ولو كان هناك ناسخ لا سند التحريم إلى الله تعالى أو إلى
الرسول ( ص ) فإن ذلك أبلغ في الزجر وأولى بالذكر .
ومن غرائب الأمور دعواهم النسخ بقوله تعالى : " والذين هم لفروجهم حافظون إلا
على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم " بزعم أنها ليست بزوجة ولا ملك يمين . قالوا :
أما كونها ليست بملك يمين فمسلم ، وأما كونها ليست بزوجة فلأنها لا نفقة
ولا إرث ولا ليلة ، والجواب أنها زوجة شرعية بعقد نكاح شرعي ،
أما عدم النفقة والإرث والليلة فإنما هو بأدلة خاصة تخصص العمومات الواردة في
أحكام الزوجات ، كما بيناه فيما علقناه على صفحة 54 من هذه الفصول . على أن هذه
الآية
مكية نزلت قبل الهجرة بالاتفاق ، فلا يمكن أن تكون ناسخة لا
باحة المتعة المشروعة في المدينة بعد الهجرة بالاجماع .
ومن عجيب أمر هؤلاء المتكلفين أن يقولوا بأن آية ( المؤمنون ) ناسخة للمتعة ،
إذ ليست بزوجة ولا ملك يمين ، فإذا قلنا لهم ولم لا تكون ناسخة لنكاح الإماء
المملوكات لغير الناكح ، وهن لسن بزوجات للناكح ولا ملك يمين له ،
قالوا حينئذ إن آية المؤمنين ونكاح الإماء المذكورات إنما شرع
بقوله تعالى في سورة النساء وهي مدينة : " فمن لم يستطع منكم طولا أن ينكح
المحصنات فمها ملكت أيمانكم " الآية ، والمكي لا يمكن أن يكون ناسخا للمدني
لوجوب تقدم المنسوخ
على الناسخ ، يقولون هذا وينسون أن المتعة إنما شرعت في
المدينة بقوله تعالى في سورة النساء أيضا : " فما استمتعتم به منهن فآتوهن
أجورهن " وقد منينا بقوم لا يتدبرون فإنا لله وإنا إليه راجعون .