القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع - الأصبهاني - ص 209

عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري

وهو وان بالغ القوم في ثنائه ومدحه وتوثيقه والإطراء عليه ، لكن يعلم بأدنى تتبع أنه أيضا من المنافقين ( 2 ) ، الأشرار والملعونين بلسان - صلى الله عليه وآله وسلم - ووصيه

 

 2 . روى الذهبي بسنده ، عن الأعمش ، عن شقيق ، قال : كنا مع حذيفة جلوسا ، فدخل عبد الله وأبو موسى المسجد فقال : أحدهما منافق ، ثم قال : إن أشبه الناس هديا ودلا وسمتا برسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عبد الله . سير أعلام النبلاء 2 : 393 و 394 ، المعرفة والتاريخ 2 : 771 تاريخ مدينة دمشق 32 : 93 .
وروى أيضا : عن الشعبي قال : كتب عمر في وصيته : ألا يقر لي عامل أكثر من سنة ، وأقروا الأشعري أربع سنين . وأيضا : الزهري ، عن أبي سلمة : كان عمر إذا جلس عنده أبو موسى ، ربما قال له ، ذكرنا يا أبا موسى فيقرأ . سير أعلام النبلاء 2 : 391 .

 
 

- ص 210 -

سيد الأبرار ، ومن المبغوضين ، المنحرفين عن أهل البيت الأطهار صلى الله عليه وعليهم ، ما تعاقبت الأدوار ، ونص رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ضلالته وإضلاله ، ذكر محدثهم النحرير ابن عساكر الذي أثنى عليه ابن خلكان ، واليافعي في تاريخه عن أبي يحيى حكيم ، قال : كنت جالسا مع عمار فجاءه أبو موسى فقال : ما لي ولك ألست أخاك ؟ قال : ما أدري ولكن سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يلعنك ليلة الجمل قاله : انه قد استغفر لي قال عمار : قد شهدت اللعن ولم أشهد الاستغفار ( 1 ) .

وهذا الحديث وان حكم ابن عدي وابن الجوزي بوضعه ونسبا الوضع إلى بعض رواته لكن رد عليهم علامتهم المحض السيوطي في اللآلي المصنوعة قال : قال ابن عدي : حدثنا أحمد بن الحسين الصوفي ، ثنا محمد بن علي بن خلف العطار ، ثنا حسين الأشقر ، عن قيس بن الربيع عن ، عمران بن ظبيان ، عن حكيم بن يحيى قال : كنت جالسا مع عمار . . . الخ ، قال : قال ابن عدي : والبلاء من العطار لا من حسين ، قلت : العطار وثقه الخطيب في تاريخه ( 2 ) .
وفي لسان الميزان قال الخطيب : قال محمد بن منصور : كان - يعني العطار - ثقة ، مأمونا حسن العقل
( 3 ) .

ثم لا يخفى ان كثيرا من علماء العامة صرحوا ، بان لعن الكافر أيضا غير

 

 1 . تاريخ مدينة دمشق 32 : 93 .
 2 . اللآلي المصنوعة 1 : 391 .      - 3 . تاريخ بغداد 3 : 57 ، لسان الميزان 5 : 328 رقم 988 / 7773 .

 
 

- ص 211 -

جائز ، حتى يثبت موته على الكفر ، فيتضح حينئذ حال أبي موسى غاية الوضوح ، وذكر ابن أبي الحديد في مواضع من شرحه أن أمير المؤمنين - عليه السلام - يلعن أبا موسى في قنوت صلاته وفي كنز العمال ، وهو من الكتب التي عليها غاية اعتمادهم واستنادهم : عن عبد الرحمن ابن معقل قال : صليت مع علي صلاة الغداة فقنت فقال : في قنوته اللهم عليك بمعاوية وأشياعه وعمرو بن العاص وأشياعه وعبد الله بن قيس وأشياعه . ( 1 )

وروى جماعة منهم البيهقي عن علي - عليه السلام - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ان بني إسرائيل اختلفوا فلم يزل اختلافهم بينهم حتى بعثوا حكمين فضلا وأضلا ، وأن هذه الأمة مختلفة فلا يزال اختلافهم بينهم حتى يبعثوا حكمين ضلا وضل من اتبعهما .

وقال سبط ابن الجوزي : قال الشعبي : لما فصل الحكمان من دومة الجندل عزم علي كرم الله وجهه ورضي الله تعالى عنه على قتالهم ، فقام خطيبا وقال : أيها الناس قد كنت أمرتكم بأمر في هذه الحكومة فخالفتموني وعصيتموني ، ولعمري إن المعصية تورث الندم ، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن :

أمرتكم أمري بمنعرج اللوى * فلم يستبينوا الرشد الا ضحى الغد

ألا ان هذين الحكمين ، قد نبذا كتاب الله وراء ظهورهما ، فأماتا ما أحيى القرآن ، وأحييا ما أمات القرآن ، واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من الله ،

 

 1 . كنز العمال 8 : 82 رقم : 21989 .

 
 

- ص 212 -

فحكما بغير بينة ولا سنة ماضية ، وكلاهما لم يرشدا فبرئا من الله ورسوله وصالح المؤمنين ، فاستعدوا الجهاد ( 1 ) .

وذكر هذه الخطبة أيضا ابن الصباغ من علماء القوم في « الفصول المهمة » وقال محدثهم الحاوي للمحاسن والمفاخر ابن عبد البر في « الاستيعاب » ، في ترجمة أبي موسى الأشعري في الكنى : ولم يزل على البصرة إلى صدر من خلافة عثمان ، ثم لما دفع أهل الكوفة حتى قتل عثمان ثم كان منه بصفين .

وفي التحكيم ما كان ، وكان منحرفا عن علي لأنه عزله ولم يستعمله ، وغلبه أهل اليمن في إرساله التحكيم .
وقال في باب الأسماء في ترجمة عبد الله بن قيس : وولاه عمر على البصرة في حين عزل المغيرة عنها ، فلم يزل عليها إلى صدر من خلافة عثمان ، فعزله عثمان عنها وولاه عبد الله بن عامر بن كريز ، فنزل أبو موسى حينئذ الكوفة وسكنها ، فلما رفع أهل الكوفة سعيد بن العاص ، ولوا أبا موسى وكتبوا إلى عثمان يسألونه أن يوليه فأقره عثمان على الكوفة ، إلى أن مات . وعزله علي عنها ، فلم يزل واجدا على علي - عليه السلام - ، حتى جاء منه ما قال حذيفة ، فقد روى فيه الحذيفة كلام كرهت ذكره ، والله يغفر له ثم كان من أمره يوم الحكمين ما كان
( 2 ) .

والذي طوى ذكره من كلام حذيفة ، فقد ذكره غيره ، وهو أنه وصف

 

 1 . تذكرة الخواص : 103 .       - 2 . الاستيعاب 3 : 979 .

 
 

- ص 213 -

بعض الناس عند حذيفة أبا موسى بالدين ، فقال حذيفة : أما أنتم فتقولون ذلك ، وأما أنا فاشهد أنه عدو لله ولرسوله ، وحرب لهما في الحياة الدنيا ، ويوم يقوم الأشهاد ، ويوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار .

وهذا الكلام وان أخفاه وستره وتأنف عن ذكره صاحب الاستيعاب ، الا أنه يكفي في المقام ما صرح به من انحراف أبي موسى عن علي - عليه السلام - ، وحديث ما كنا نعرف المنافقين الا ببغضهم علي بن أبي طالب ، في غاية الاشتهار ، وقد أورده في ترجمته - عليه السلام - .

وذكر ابن حجر في فتح الباري ، في شرح ما رواه البخاري من أن عليا بعث عمارا والحسن إلى الكوفة ليستنفروا ويستنهضا الناس . وان أبا موسى أخذ في تخذيل الناس عن النهوض ناقلا عن عمر ابن شبه ، والطبراني ، بسندهما إلى ابن أبي ليلى ، وذكر عبد الله ابن مسلم ابن قتيبة الدينوري في كتاب الإمامة والسياسة ما لفظه : وذكروا أن عليا لما نزل قريبا من الكوفة بعث عمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر إلى أبي موسى الأشعري ، وكان أبو موسى عاملا لعثمان على الكوفة فبعثهما علي إليه وإلى أهل الكوفة يستنصرهم .
فلما قدما عليه قام عمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر ، فدعوا الناس إلى نصرة علي - عليه السلام - فلما أمسوا دخل رجال من أهل الكوفة على أبي موسى ، فقالوا : ترى الخروج مع هذين الرجلين إلى صاحبهما أم لا ؟ قال أبو موسى : أما سبيل الآخرة ففي ان تلزموا بيوتكم ; وأما سبيل

- ص 214 -

الدنيا وسبيل النار فالخروج مع من أتاكم فأطاعوه ; فتباطأ الناس على علي - عليه السلام - ، وبلغ عمارا ومحمدا ما أشار به أبو موسى على أولئك فأتياه فأغلظا له في القول .
فقال أبو موسى : والله ان تبعة عثمان في عنقي وعنق صاحبكما ; ولئن أرادنا للقتال ما لنا إلى قتال أحد من سبيل حتى نفرغ من قتلة عثمان ، ثم خرج أبو موسى وصعد المنبر ثم قال : أيها الناس ان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - الذين صحبوه في المواطن أعلم بالله وبرسوله ممن لم يصحبه ، وان لكم حقا علي أؤديه إليكم ، ان هذه الفتنة ، النائم فيها خير من اليقظان ، والقائم فيها خير من الساعي والساعي خير من الراكب ، فاغمدوا سيوفكم حتى تخلى هذه الفتنة .

أبو موسى كان مخالفا لعلي بن أبي طالب وروى الحاكم في المستدرك عن الشعبي قال : لما قتل عثمان وبويع لعلي رضي الله عنه ، خطب أبو موسى وهو على الكوفة : فنهى الناس عن القتال والدخول في الفتنة . فعزله علي عن الكوفة من ذي قار وبعث إليه عمار بن ياسر والحسن بن علي فعزلاه ( 1 ) .

وقال سبط ابن الجوزي في التذكرة : قال سيف بن عمر : لما خرج علي من المدينة ، وذلك في آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين ، كتب إلى أهل الكوفة يستنفرهم وكان أبو موسى الأشعري واليا عليها . فجاء الناس يستشيرونه في الخروج فقال أبو موسى : ان أردتم الدنيا فأخرجوا وان أردتم الآخرة فأقيموا .

 

 1 . المستدرك على الصحيحين : باب ، معرفة الصحابة 3 : 126 رقم 200 .

 
 

- ص 215 -

وبلغ عليا قوله فكتب إليه : اعتزل عن عملنا مذموما مدحورا يا بن الحائك فهذا أول يومنا منك .

قال : وذكر المسعودي في مروج الذهب أن عليا كتب إلى أبي موسى انعزل عن هذا الأمر مذموما مدحورا فان لم تفعل فقد أمرت من يقطعك اربا اربا يا بن الحائك ما هذا أول هناتك وان لك لهنات وهنات ، ثم بعث علي الحسن وعمارا إلى الكوفة فالتقاهما أبو موسى ، فقال له الحسن لم ثبطت القوم عنا فوالله ما أردنا الا الإصلاح . فقال : صدقت ولكني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول : ستكون فتنة يكون القاعد فيها خيرا من القائم والماشي خيرا من الراكب فغضب عمار وسبه .

وروى البخاري في صحيحه بسنده إلى أبي وائل قال : دخل أبو موسى وأبو مسعود على عمار حيث بعثه علي إلى أهل الكوفة يستنفرهم ، فقالا : ما رأيناك أتيت أمرا أكره عندنا من إسراعك في هذا الأمر منذ أسلمت . فقال عمار : ما رأيت منكما منذ أسلمتما أمرا أكره عندي من إبطائكما عن هذا الأمر ، وكساهما حلة ، حلة ، ثم راحوا إلى المسجد ( 1 ) .

وروى أيضا بسند آخر عن شقيق ابن سلمة قال : كنت جالسا مع أبي مسعود وأبي موسى وعمار ، فقال أبو مسعود : ما من أصحابك أحد الا لو شئت لقلت فيه غيرك ، وما رأيت منك شيئا منذ صحبت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أعيب عندي من استسراعك في هذا الأمر ، فقال عمار : يا أبا مسعود ! وما رأيت منك ولا من صاحبك هذا شيئا منذ صحبتما النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أعيب عندي من أبطائكم في هذا الأمر ، فقال أبو مسعود : وكان

 

 1 . صحيح البخاري كتاب الفتن باب 18 ، رقم 7102 و 7103 و 7104 و 7105 و 7106 و 7107 .

 
 

- ص 216 -

مؤسرا يا غلام هات حلتين ، فاعطى إحداهما أبا موسى والأخرى عمارا ، وقال روحا فيه إلى الجمعة ( 1 ) .

وبالجملة فقد تواتر عن أبي موسى انحرافه عن أمير المؤمنين وبغضه له وتخذيل الناس عنه ، والحكم بان القتال معه دخول في الفتنة المنهية ، وذم أمير المؤمنين - عليه السلام - له وبغض ما ذكر كاف في الدلالة على شقاوته وضلالته عن النهج القويم وانحرافه عن الصراط المستقيم سيما إذا لوحظت الأخبار الواردة من طرقهم في فضائله - عليه السلام - ، وأنه مع الحق والحق معه ، وان مواليه موالي الله ، ومبغضه مبغض لله ورسوله ، وما ورد في خصوص محارباته من الأحاديث النبوية .

ومن طريف الأمر ان أبا موسى كان يعلم ذلك كله ويشهد به ووقع منه ما وقع ، فقد روى ابن مردويه على ما في مفتاح النجاة عن أبي موسى أنه قال : أشهد أن الحق مع علي ، ولكن مالت الدنيا بأهلها ولقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول له : « يا علي أنت مع الحق والحق بعدي معك » .

وروى الحاكم في المستدرك عن عتاب بن ثعلبة ، قال حدثني أبو أيوب الأنصاري في خلافة عمر بن الخطاب قال : أمر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - علي بن أبي طالب - عليه السلام - بقتال الناكثين ، والقاسطين ، والمارقين ، بالطرافات والنهروانات وبالسعفات قلت : يا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - مع من نقاتل من هؤلاء الأقوام ؟ قال : مع علي بن أبي طالب ( 2 ) .

 

 1 . نفس المصدر السابق .     - 2 . المستدرك 3 : 150 رقم 4674 .

 
 

- ص 217 -

وفي كنز العمال عن ابن مسعود ، قال خرج رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فأتى منزل أم سلمة فجاء علي - عليه السلام - فقال رسول الله : - صلى الله عليه وآله وسلم - يا أم سلمة هذا والله قاتل القاسطين ، والناكثين ، والمارقين ، من بعدي ( 1 ) .

وروى أيضا ، عن زيد بن علي بن الحسين بن علي ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي قال : أمرني رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بقتال عساكر الناكثين ، والمارقين ، والقاسطين .

ثم ان حديث خاصف النعل من الأحاديث المستفيضة التي أوردها جماعة لا تحصى في كتبهم ، كالحاكم في المستدرك ، والنسائي في الخصائص وابن أبي شيبة في المصنف ، وأحمد بن حنبل في المسند ، وأبو يعلى في مسنده وابن حبان في صحيحه ، وأبو نعيم في الحلية ، والضياء المقدسي في المختارة والذهبي في المعجم المختصر ، والمحب الطبري في الرياض النضرة ، وذخائر العقبى وابن مندة في كتاب الصحابة ، وابن الأثير في أسد الغابة ، والسيوطي في جمع الجوامع ، وعلي المتقي في كنز العمال ، وغيرهم في غيرها ، ولنكتف بعبارة بعضهم : روى الحاكم في المستدرك عن أبي سعيد قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فانقطعت نعله فتخلف علي يصلحها فمشى قليلا ثم قال : ان منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فاستشرف لها القوم وفيهم أبو بكر وعمر قال أبو بكر : أنا هو ؟ قال : لا ، قال عمر : أنا هو ؟ قال : لا ، ولكن خاصف

 

 1 . شرح السنة 6 : 168 رقم 2559 ، تاريخ بغداد 8 : 340 ، تاريخ مدينة دمشق 42 : 470 ، مطالب السؤول : 117 .

 
 

- ص 218 -

النعل يعني عليا فاتياه فبشراه فلم يرفع رأسه كأنه قد سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ( 1 ) .

وفي كنز العمال ومسند أبي يعلى : كنا جلوسا في المسجد فخرج رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فجلس الينا وكأن على رؤسنا الطير لا يتكلم منا أحد ، فقال : ان منكم رجلا يقاتل على تأويل القرآن كما قوتلتم على تنزيله فقام أبو بكر فقال : أنا هو يا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ؟ قال : لا ولكنه خاصف النعل في الحجرة ، فخرج علينا علي - عليه السلام - ومعه نعل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يصلح منها ، ش ، حم ، ع ، حب ، ك ، حل ، ض ( 2 ) .

وبالجملة فالمطلب من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى اكثار الشواهد عليه . وإذا لم يعتد أبو موسى بمدح النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لحروبه وغزواته عليه السلام بل أمره به فياليته اعتد واعتنى بما صدر عن شيخيه من التمني والشعف والغرام على أن يكون مصدرين لهذه الحروب .

ومن عجيب الأمر أن رواية الفتنة التي قرئها على المنبر وخذل الناس بها عن النهوض انما وردت في حقه ، وقد صرف الكلام عن موضعه على ما يظهر من كنز العمال ، حيث روى عن أبي مريم . قال : سمعت عمار بن ياسر يقول : يا أبا موسى أنشدك الله ألم تسمع

 

 1 . مسند أحمد 3 : 31 و 33 و 82 ، المصنف 12 : 64 رقم 12131 ، المستدرك 3 : 122 ، مسند أبي يعلى 2 : 341 رقم 1086 ، دلائل النبوة 6 : 435 ، تاريخ بغداد 1 : 217 ، شرح السنة 6 : 167 رقم 2557 .
 2 . ش ، ابن أبي شيبة ، حم ، أحمد بن حنبل ، ع ، مسند أبي يعلى ، حب ، صحيح ابن حبان ، ك ، المستدرك للحاكم ، وحل ، حلية الأولياء لأبي نعيم ، و ، الضياء المقدسي في المختارة .

 
 

- ص 219 -

رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول : « من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » ، وأنا سائلك عن حديث فان صدقت والا بعثت عليك من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - من يقررك به ! أنشدك الله أليس انما عناك رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ما أنت نفسك ؟ فقال أنها ستكون فتنة بين أمتي أنت يا أبا موسى فيها ، نائما خير منك قاعدا وقاعدا خير منك ماشيا ، فخصك رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ولم يعم الناس ، فخرج أبو موسى ولم يرد فيها شيئا ( 1 ) .

ومن أعظم الشواهد وأقوى الدلائل على ضلاله ونفاقه وعناده وشقاقه ما صدر منه في قضية التحكيم حيث رأى عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي مر شطر من فضائحه وقبائحه أهلا للخلافة وخلع أمير المؤمنين - عليه السلام - عن الإمامة وبلغ الغاية القصوى من الضلالة والجهالة والخباثة والعداوة والشقاوة والخسارة والجسارة ، وتفصيل القضية مذكور في كثير من كتبهم ، منها كتاب سبط ابن الجوزي والفصول المهمة وروضة الأحباب وشرح النهج وغيرها فراجع .

ومن طريف الأمر أن عمرو بن العاص الداعي إلى النار شبه أبا موسى بالحمار الحامل للأسفار فأعقب الحمار بذلك العار والشنار .

وقال عبد الله بن قتيبة في كتاب الإمامة والسياسة : ثم قام عمرو فقال : أيها الناس هذا أبو موسى شيخ المسلمين وحكم أهل العراق ، ومن لا يبيع الدين بالدينار ، وقد خلع عليا وأثبت معاوية ، فقال أبو موسى : ما لك عليك لعنة الله ما أنت الا كمثل الكلب تلهث ، قال عمرو : لكنك مثل الحمار يحمل الأسفار واختلط الناس وهذه القضية بعينها مذكورة في الفصول المهمة وروضة

 

 1 . تاريخ مدينة دمشق 32 : 92 .

 
 

- ص 220 -

الأحباب وتذكرة سبط ابن الجوزي ، ورسالة رفع الالتباس في ضرب المثل من القرآن ، والإقتباس للسيوطي فراجع .

ويظهر من هذه الترجمة شطر من فضائح عمرو بن العاص أيضا ، وقد سبق في تضاعيف الكتاب بعضها ، ولذا أطوي عن التعرض له بترجمة مستقلة ، وان كان ببالي سابقا .

وفي التذكرة لسبط ابن الجوزي أيضا ، أنه كان علي إذا صلى الغداة ، قنت ودعى ولعن معاوية ، وعمروا ، وأبا الأعور السلمي ، وحبيبا ، وعبد الرحمن بن الخالد ، والضحاك ابن قيس ، والوليد بن عقبة ( 1 ) .

وفيها أيضا : أن عليا - عليه السلام - قال له يا ابن النابغة : متى لم تكن للفاسقين وليا وللمسلمين عدوا هل تشبه الا أمك التي دفعت بك ؟ فقام عمرو وقال : لا يجمع بيني وبينك مجلس بعد اليوم ، فقال علي : ان الله قد طهر مجلسي منك ومن أشباهك ( 2 ) .

وفيها أيضا : ان ابن عباس قال لأبي موسى : قبحك الله يا بن قيس ، لقد حذرتك غدرة الفاسق الخبيث فأبيت ؟ فقال أبو موسى : ظننت انه ينصح الأمة ، وما ظننت أنه يبيع الآخرة بالدنيا ( 3 ) ، وقد ثبت ضلالته وإضلاله بنص النبوي المتقدم انفا حيث قال في وصف الحكمين أنهما ضلا وأضلا .

 

 1 . تذكرة الخواص : 102 . 2 . المصدر السابق : 97 .     - 2 . المصدر السابق : 102 .

 
 

- ص 221 -

وروى إمامهم الحافظ الثقة أبو يعلى الموصلي في الذي يعرف شطر من محامده ومحاسنه من الرجوع إلى كتاب الثقات لابن حبان ، وتاريخ الحاكم ، وأنساب السمعاني وتذكرة الذهبي ، و « مفتاح كنز الدراية » وغيرها في مسنده بسنده المتصل عن أبي برزة قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فسمع صوت غناء فقال : انظروا ما هذا ؟ فنظرت فإذا معاوية وعمرو بن العاص يتغنيان ، فجئت فأخبرت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال : اللهم أركسهم في الفتنة ركسا اللهم دعهما النار دعا ( 1 ) .

وروى هذا الحديث إمام مذهبهم أحمد بن حنبل أيضا في مسنده الذي ستسمع شطرا مما أثنوا عليه ، وقالوا في صحته والاعتماد عليه وأنه الأصل في معرفة الصحيح من السقيم .

ورواه أيضا إمامهم العلامة بقية الحفاظ أبو القاسم الطبراني في معجم الكبير بسنده المتصل عن ابن عباس قال : سمع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - صوت الرجلين يتغنيان وهما يقولان :

ولا يزال حواري يلوح حطامه * ذوى الحرب عنه ان يجن فيقبرا

فسأل عنهما فقيل له معاوية وعمرو بن العاص ، فقال : اللهم اركسهما في الفتنة ركسا ودعهما إلى النار دعا ( 2 ) .

وقبائح عمرو بن العاص لا تخفى على من له أدنى تتبع في الكتب ، ولا تفي هذه الرسالة باحصائها .

 

 1 . مسند أحمد 4 : 421 ، سير أعلام النبلاء 3 : 132 .     - 2 . مسند أحمد 4 : 421 ، سير أعلام النبلاء 3 : 132 .

 
 

- ص 222 -

والعجب ان القوم رووا عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه صلى عليه ، ففي الرياض النضرة لمحب الدين الطبري : أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : اللهم صل على أبي بكر فإنه يحبك ويحب رسولك ، اللهم صل على عمر فإنه يحبك ويحب رسولك ، اللهم صل على عثمان فإنه يحبك ويحب رسولك ، اللهم صل على أبي عبيدة ابن الجراح فإنه يحبك ويحب رسولك اللهم صل على عمرو بن العاص فإنه يحبك ويحب رسولك أخرجه الخلعي ( 1 ) .

فلينظر العاقل إلى هؤلاء الضالين المعاندين كيف لا يصلون على أمير المؤمنين وآله الطاهرين مع اعترافهم بقضاء الأدلة على جوازها ، ورجحانها ، وكيف تركوا ذكر أمير المؤمنين - عليه السلام - في هذا الرواية ؟ ! وان لم يتركوه إلا تعصبا ونصبا ، لكن نعم ما فعلوا ، حيث لم يقرنوا اسمه الشريف بهذه الأسامي الميشومة الملعونة ، وكيف يروون في حق مثل هذا الشقي الملحد ان النبي صلى عليه ؟ وشنع بعض متأخريهم غاية التشنيع ، على ما رواه الكشي ، وأورده القاضي في « مجالس المؤمنين » : من أنه ذكر محمد بن أبي بكر عند الإمام الصادق صلوات الله عليه فقال - عليه السلام - : رحمه الله وصلى عليه .

ومن الطريف ان المخاطب الظريف لما سمع رواية الصلوات على محمد بن أبي بكر الذي كان ذا سداد ، ورشاد ، وصاحب نسك وعبادة ، واجتهاد ، ولد في زمان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وأثنى عليه الوصي ، وحزنت بجليل رزئه أم المؤمنين ، ودعت على قاتله اللعين ، حاد عنها وشغب عليها ، فورم أنفه وشخب وجهه والتاع قلبه

 

 1 . الرياض النضرة 1 : 37 ، سير أعلام النبلاء 3 : 65 .

 
 

- ص 223 -

وتحارزت عيونه ، وانتفخت أوداجه ، ونظر شزار ، واستشاط غيظا ، وضاق ذرعا ولم يعلم أن أئمته وشيوخه يردون الصلاة على من دعى عليه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - .

وذكر عماد الدين أبو الفداء إسماعيل في كتابه المسمى بالمختصر من أخبار البشر : انه لما بلغ عائشة قتل أخيها محمد جزعت عليه وقنتت في دبر كل صلاة تدعو على معاوية وعمرو بن العاص ( 1 ) .

وروى الحاكم في المستدرك حديثا صحيحا يتضمن لعن عائشة على عمرو بن العاص ! فأخرج بسنده عن مسروق أنه ذكر عند عائشة أن عليا قتل ذا الثدية فقالت لي : إذا أنت قدمت الكوفة فاكتب لي ناسا ممن شهد ذلك ممن تعرف من أهل البلد فلما قدمت وجدت الناس أشياعا . فكتبت لها من كل شيع عشرة ممن شهد ذلك ، قال : فأتيتها بشهادتهم ، فقالت : لعن الله عمرو بن العاص فإنه زعم لي انه قتله بمصر ، قال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ( 2 ) .

وفي كثير من الكتب أنه يؤلب على عثمان ويفسد الأمر عليه ، ذكر صاحب الاستيعاب في ترجمة عبد الله بن أبي سرح انه لما ولاه اياه يعني مصرا عثمان وعزل عنها عمرو بن العاص يطعن على عثمان ويؤلب عليه ويسعى في فساد أمره ، فلما بلغه قتل عثمان وكان معتزلا بفلسطين قال : اني إذا نكأت قرحة أدميتها أو نحو ذلك .

 

 1 . تاريخ أبي الفداء 1 : 249 .     - 2 . المستدرك 4 : 14 رقم 2342 - 6744 .

 
 

- ص 224 -

وذكر ترجمة محمد بن أبي حذيفة ، أنه كان محمد بن أبي حذيفة أشد الناس تأليبا على عثمان وكذلك كان عمرو بن العاص منذ عزله عن مصر يعمل حيلته بالتاليب والطعن على عثمان .

وذكر في ترجمته أيضا نحو ذلك ، وأورد نحوه السيوطي في « حسن المحاضرة » وابن ظهير في « الفضائل الباهرة » .

ومسألة خبث ولادته معروفة في كثير من الكتب ، منها : « انسان العيون في سيرة الأمين والمأمون » ، ومنها : كتاب « المستطرف » ، ومنها : « تذكرة سبط ابن الجوزي » ومحصلها أن أمه كانت بغيا عند عبد الله ابن صدعان فوطئها في طهر واحد أبو لهب وأمية بن سلف وأبو سفيان بن حرب والعاص بن الوائل وادعي كلهم عمرو ، فألحقته أمه بالعاص وقيل لها : لم اخترت العاص ؟ فقالت : لأنه كان ينفق على بناتي .

ويعجبني ما أورده عالمهم المحدث ابن الشحنة الجلبي في كتاب روض المناظر قال في سنة ستين مات معاوية ، وكان عمره خمسا وسبعين سنة ، وكان يغلب حلمه على ظلمه ، وكان داهية ، يحسن سياسة الملك . دخلت عليه أروى بنت الحارث بن عبد المطلب فقال لها : مرحبا بك يا خالة كيف حالك ؟ فقالت : بخير يا بن أختي لقد كفرت النعمة وأسأت لابن عمك الصحبة وتسميت بغير اسمك ، وأخذت غير حقك ، وكنا أهل البيت أعظم الناس في هذا الدين بلاء ، حتى قبض الله نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم - مشكورا سعيه ، مرفوعا منزلته ، فوثبت علينا بعده تميم وعدي وأمية ، فابتزونا حقنا ، وليتم علينا ، فكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون ، وكان

- ص 225 -

علي بن أبي طالب بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى . فقال لها عمرو بن العاص : كفي أيتها العجوز الضالة ، واقصري عن قولك مع ذهاب عقلك ، فقالت : وأنت يا ابن النابغة ( 1 ) ، تتكلم وأمك كانت أشهر بغي بمكة ، وأرخصهن أجرة ، فادعاك خمسة من قريش ، كل يقول هو لي ، فسئلت أمك عن ذلك ، فقالت : كلهم أتاني فانظروا أيهم أقرب شبها به وكان أقربهم شبها بك العاص بن وائل فألحقوك به .

فقال لها معاوية عفى الله عما سلف ، هاتي حاجتك ، فقالت : أريد ألفي دينار اشتري بها فوارة في أرض خوارة تكون لفقراء بني الحارث بن عبد المطلب ، وألفي دينار أخرى أزوج بها فقراء بني الحارث ، وألفي دينار أخرى ، أستعين بها على شدة الزمان ، فأعطاه ستة آلاف دينار وانصرفت ( 2 ) ، وذكر هذه الحكاية أيضا بعينها أبو الفداء إسماعيل في المختصر ( 3 ) .

وبالجملة فمطاعن هذا الشقي كثيرة لا يمكن استيفاؤها ويكفيه ما وقع منه في مقاتلته لنفس رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، ومن حربه حربه ، وسلمه سلمه ، وما تواتر منه من معاداته أولياء الله وموالاته أعداء الله ، وكونه من القاسطين ومن الفئة الباغية بنص النبوي المتواتر بين الفريقين في حق عمار وغير ذلك .

ومما يقضي منه العجب أن جماعة من أساطينهم وأعيانهم رووا في حق هذا الملحد الكافر الملعون أحاديث عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مما تدل على صلاحه

 

 1 . الباغية .     - 2 . روض المناظر : 120 - 121 .     - 3 . تاريخ أبي الفداء 1 : 262 - 263 .

 
 

- ص 226 -

وفضله : كأحمد بن حنبل ، والترمذي ، وابن عساكر ، والطبراني ، وأبو يعلى ، والبيهقي ، والحاكم وابن سعد ، وغيرهم ، مضافا إلى ما مر من صلاة النبي عليه كما يعلم من المراجعة إلى « جمع الجوامع » ، و « كنز العمال » روى في الأخير : عمرو بن العاص من صالحي قريش ( 1 ) .

والترمذي عن طلحة : أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص ( 2 ) .

وفي مسند أحمد والترمذي عن عقبة بن عامر الاكمال : نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله ابن عمرو بن العاص ( 3 ) .

وابن عساكر عن عمرو بن دينار عن جابر ان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - دخل على عمرو بن العاص فقال : أن عمرو بن العاص لرشيد الأمر ( 4 )

وعن طلحة بن عبيد الله ان عمرو بن العاص لمن صالحي قريش ونعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله : أحمد بن حنبل وابن عدي عن جابر يا عمرو انك لذي رأي رشيد في الإسلام

 

 1 . مسند أحمد 1 : 161 ، سير أعلام النبلاء 3 : 56 .
 2 . مسند أحمد 4 : 155 ، سنن الترمذي رقم 3844 ، سير أعلام النبلاء 3 : 64 .
 3 . مسند أحمد 1 : 161 ، سنن الترمذي رقم 3845 ، سير أعلام النبلاء 3 : 56 .
 4 . سير أعلام النبلاء 3 : 64 .

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب