|
القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع - الأصبهاني -
ص 163 |
|
الفصل الثالث مشاهير الرواة في حديث السنة
‹ صفحة 165
›
عبد الله بن عمر بن الخطاب
عقد له البخاري بابا مفردا في مناقبه ، وروى فيه عن
ابن عمر عن أخته حفصة : أن النبي - صلى الله عليه وآله
وسلم - قال : عبد الله رجل صالح
( 1 )
.
ويكفي في الجزم بوصفه ، كون راويه
نفس عبد الله عن أخته ! وأما مطاعنه فكثيرة ، فقد تغيظ
عليه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لما وقع
منه في طلاق امرأته ، ففي الدر المنثور للسيوطي أخرج
مالك والشافعي وعبد الرزاق في المصنف وأحمد وعبد بن
حميد ، والبخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ،
والنسائي ، وابن ماجة ، وابن جرير ، وابن المنذر ،
وأبو يعلى ، وابن مردويه ، والبيهقي في سننه عن ابن
عمر : أنه طلق امرأته وهي حائض ، فذكر ذلك عمر لرسول
الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فغيظ فيه رسول الله
- صلى الله عليه وآله وسلم - ثم قال : ليرجعها ثم
يمسكها حتى تطهر ، فان بدا له أن يطلقها فليطلقها
طاهرا قبل أن يمسها .
فتلك العدة التي أمر الله تعالى
أن يطلق بها النساء ، وقرأ : يا أيها النبي إذا طلقتم
النساء فطلقوهن في قبل
| |
1 . صحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة
باب 19 مناقب عبد الله بن عمر رقم 3738 .
|
|
|
عدتهن ، وفى نقل الخبر بطوله فائدة أخرى وهي أن يعلم
أن القول بتحريف القرآن للذين لا يزالون يشنعون به على
الشيعة مما يدل عليه رواياتهم المتفق الموجودة في جميع
صحاحهم .
ثم ذكر السيوطي روايات عديدة أخر أنه - صلى
الله عليه وآله وسلم - قال : فطلقوهن قبل عدتهن ، مع
أن الموجود في القرآن الذي بأيدينا اليوم :
( فَطَلِّقُوهُنَّ
لِعِدَّتِهِنَّ )
( 1 )
.
وهذا الأمر أعني عدم قدرته على طلاق
زوجته هو الذي منع أباه عمر أن يوصي إليه ويستخلفه ،
فإنه لما قيل لعمر استخلف عبد الله ابنك ، قال : لا
يصلح لها لأنه لا يحسن أن يطلق امرأته كما في كثير من
كتب القوم .
عبد الله بن عمر لم يبايع علي بن أبي طالب
ثم ان ابن عمر ممن لم يبايع أمير المؤمنين ، ولم يعتقد
حقية خلافته وإنكار خلافة أحد الخلفاء الراشدين كفر
وضلالة عند العلماء السنة . وبايع يزيد بن معاوية ،
وهو أيضا كفر عندهم على ما نص به محمد بن شعيب الكشي
من أكابر الحنفية في كتاب التمهيد . قال من رضي بإمام
باطل فإنه يكفر . أما الفقرة الأولى : وهي امتناعه عن
بيعة أمير المؤمنين - عليه السلام - فيدل عليها ما
أورده أبو عبد الله الحاكم في المستدرك ، وهو ممن
اتفقوا على أنه من أعظم الأئمة .
قال ثم بعث ، إي علي
- عليه السلام - إلى سعد بن وقاص ، وعبد الله بن عمر ،
ومحمد بن مسلم ، فقال : قد بلغني عنكم هنات ، فقال سعد
: صدقوا لا أبايعك ، ولا اخرج معك حيث تخرج حتى تعطني
سيفا يعرف المؤمن من الكافر .
وقال له ابن عمر أنشدك
الله والرحم أن لا تحملني على ما لا أعرف ، والله لا
أبايع حتى يجتمع المسلمون على ما جمعهم الله عليه .
ويدل عليها أيضا ، ما ذكره سبط ابن الجوزي في التذكرة
، قال : وقال ابن
جرير : وممن امتنع من بيعته أي علي بن أبي طالب - عليه
السلام - حسان بن ثابت ، وأبو سعيد الخدري ، والنعمان
بن بشير ، ورافع بن خديج ، في آخرين ، وفي زيد بن ثابت
، ومحمد بن سلمة خلاف ، وقال غير ابن جرير : لم يباعه
قدامة بن مظعون وعبد الله بن سلام ، والمغيرة بن شعبة
، وعبد الله بن عمر ، وسعد ، وصهيب ، وزيد بن ثابت
وأسامة بن زيد ، وكعب بن مالك ، وهرب قوم إلى الشام
وهؤلاء يسمون العثمانية
( 1 )
.
وفي بعض الروايات ما
يدل على أنه بايع ثم استقال البيعة ، فأقاله أمير
المؤمنين - عليه السلام - .
عبد الله بن عمر وبيعته
ليزيد والحجاج
وذكر ابن مسكويه في كتاب نديم الفريد ،
أن عبد الله بن حارث قال لعبد الله بن عمر : أتيت علي
بن أبي طالب وله قرابة وسابقة وفضائل عديدة فبايعته
طائعا غير مكره ، ثم جئته فقلت أقلني أقالك الله ثم
تدق الباب على أصحاب الحجاج تقول : خذوا بيعتي فإني
سمعت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول : « من
مات ليلة وليس في عنقه بيعة إمام مات ميتة جاهلية » ثم
اضطرب الحبل بالناس فزعمت انك لا تعرف حقا فتنصره ولا
باطلا فتقاتل أهله . الخبر .
ويدل على الثانية ما رواه
البخاري في صحيحه الذي هو أصح الكتب بعد القرآن بزعمهم
في كتاب الفتن في باب : « إذا قال عند قوم شيئا ثم خرج
فقال بخلافه » : عن نافع قال : لما خلع أهل المدينة
يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده فقال : اني
سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول : «
ينصب لكل غادر لواء
يوم القيامة ، » وأنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع
الله ورسوله وأني لا أعلم عذرا أعظم من أن يبايع رجل
على بيع الله ورسوله ، ثم ينصب له القتال ، واني لا
أعلم أحدا منكم خلعه ، ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت
الفيصل بيني وبينه
( 1 )
.
قال العسقلاني في شرحه :
وكان ابن عمر لما مات معاوية كتب إلى يزيد ببيعته .
وقال ابن الملقن في شواهد التوضيح معنى الترجمة ، انما
هو في خلع أهل المدينة ليزيد بن معاوية ورجوعهم عن
بيعته ، وما قالوا له ، وقالوا بغير حضرته خلاف ما
قالوا بحضرته ، وذلك ان ابن عمر بايعه ، فقال عنده
بالطاعة بخلافته ، ثم خشي على بنيه وحشمه النكث مع أهل
المدينة حتى نكثوا بيعة يزيد ، فوعظهم وجمعهم وأخبرهم
أن النكث أعظم القدر .
والغرض من نقل هذه العبارة الرد
على بعض متأخريهم حيث قال لم ينسب أحد من العلماء ابن
عمر إلى بيعة يزيد ، وليس في الباب الا كلمة بايعنا
وهو محمول على التغليب ، ولذا لم ينسب شراح البخاري
البيعة إليه صريحا .
وقال ابن حجر العسقلاني في فتح
الباري : ووقع عند الإسماعيلي من طريق سهل بن إسماعيل
، عن حماد بن زيد ، في أوله من الزيادة عن نافع ، ان
معاوية أراد على ابن عمر ان يبايع ليزيد فأبى وقال :
لا أبايع لأميرين فأرسل إليه معاوية بمائة ألف درهم ،
فأخذها فدس إليه رجلا فقال له ما يمنعك أن تبايع فقال
: إن ذاك لذاك ; يعني عطاء ذلك المال لأجل وقوع
المبايعة ، ان ديني عندي اذا الرخيص ، فلما مات معاوية
كتب إلى يزيد ببيعته ، فلما خلع أهل المدينة ، الحديث
.
| |
1 . صحيح البخاري كتاب الفتن رقم 7111
باب المذكور ح 1 . |
|
|
ويدل على الفقرتين معا ما ذكره سبط ابن الجوزي قال :
قال الزهري : والعجب ان عبد الله بن عمر وسعد بن أبي
وقاص لم يبايعا عليا وبايعا يزيد بن معاوية ويرشد
إليهما .
وأيضا ما ذكره القسطلاني في باب ما كان أصحاب
النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يواسي بعضهم بعضا
في الزراعة والتمرة من كتاب المزارعة في شرح حديث نافع
ان ابن عمر كان يكري مزارعة على عهد النبي - صلى الله
عليه وآله وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان وصدرا من إمارة
معاوية ، قال : قوله : وصدرا من إمارة معاوية أي
خلافته .
وانما لم يذكر ابن عمر خلافة علي لأنه لم
يبايعه لوقوع الاختلاف عليه كما هو مشهور في صحيح
الأخبار .
وكان رأى ابن عمر أنه لا يبايع لمن لا يجتمع
عليه الناس ، ولهذا لم يبايع أيضا لابن الزبير ولا
لعبد الملك في حال اختلافهما ، وبايع ليزيد بن معاوية
، ثم لعبد الملك بن مروان ، بعد قتل ابن الزبير
( 1 )
.
وفي كثير من الكتب أن ابن عمر طرق الحجاج ليلا وقال
هات يدك أبايعك لأمير المؤمنين عبد الملك فاني سمعت
رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول : من مات
وليس عليه بيعة إمام فموته جاهلية ، فأنكر عليه الحجاج
مع كفره وعتوه وقال له : بالأمس تقعد عن بيعة علي بن
أبي طالب وأنت اليوم تسألني البيعة من عبد الملك بن
مروان ؟ يدي عنك مشغولة لكن هذا رجلي
( 2 )
.
| |
1 . الطبقات الكبرى 4 : 183 - 184 ،
سير أعلام النبلاء 3 : 231 .
- 2 . نثر الدر للآبي 2 :
90 ، مجمع الزوائد 7 : 117 . |
|
|
|