القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع - الأصبهاني - ص 155

حديث : فيه تكذيب ( وإن طائفتان . . . )

ومنها : ما رواه في كتاب الصلح : ان أنسا قال قيل للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لو أتيت عبد الله بن أبي ، فانطلق إليه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وركب حمارا ، فانطلق المسلمون يمشون معه وهي أرض سبخة فلما أتاه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال إليك عني ! والله لقد آذاني نتن حمارك ، فقال رجل من الأنصار منهم : والله لحمار رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أطيب ريحا منك ، فغضب لعبد الله رجل من قومه فشتمه فغضب لكل منهما أصحابه ، فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال ، فبلغنا أنها نزلت : ( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ) ( 1 ) ( 2 ) .

قال الزركشي في التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح : فبلغنا أنها نزلت : وان طائفتان ، قال ابن بطال : يستحيل نزولها في قصة عبد الله بن أبي وأصحابه ، لأن أصحاب عبد الله ليسوا بمؤمنين وقد تعصبوا له في الإسلام في قصة الإفك .

وقد رواه البخاري في كتاب الاستيذان عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مر في مجلس فيه أخلاط من المشركين والمسلمين وعبدة الأوثان واليهود وفيهم عبد الله بن أبي فذكر الحديث ، فدل على أن الآية لم تنزل فيه وانما نزلت في قوم من الأوس والخزرج اختلفوا فاقتتلوا بالعصى والنعال .

وقال ابن حجر : وقد استشكل ابن بطال نزول الآية المذكورة ، وهي قوله تعالى : ( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ) ( 3 ) في هذه القصة لأن المخاصمة

 

 1 . الحجرات : 9 .
 2 . صحيح البخاري كتاب الصلح باب ما جاء في الإصلاح بين الناس رقم . 269 وأطراف الحديث كتاب الجهاد والسير رقم 2987 ، كتاب تفسير القرآن رقم 4566 ، كتاب اللباس رقم 5964 ، كتاب الأدب ، رقم 6207 ، كتاب الاستيذان ، رقم 6254 .
 3 . الحجرات : 9 .

 
 

- ص 156 -

وقعت بين من كان مع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من الصحابة وبين الصحابة وبين عبد الله بن أبي وكانوا إذ ذاك كفارا فكيف ينزل فيهم طائفتان من المؤمنين ؟ ولا سيما ان كانت قصة أنس وأسامة متحدة ، فان في رواية أسامة فاستب المسلمون والمشركون ، قلت : يمكن ان يحمل على التغليب ، مع ان فيها إشكالا من جهة أخرى ، وهي أن حديث أسامة صريح في ان ذلك كان قبل وقعة بدر وقبل أن يسلم عبد الله بن أبي وأصحابه ، والآية المذكورة في الحجرات ونزولها متأخر جدا وقت مجيء الوفود لكنه يحتمل ان يكون آية الإصلاح نزلت قديما فيندفع الإشكال ( 1 ) .

أقول : أما احتمال التغليب فمما لا يرضى به اللبيب الأديب ، إذ لم يقع توصيف الكفار العابدين للأصنام بالإيمان ولو على سبيل التغليب في نظم ولا أثر ولا حديث ولا آية تحققت هذه الكلمة فيها ، ولم يجوزه أحد من العلماء ، ولا شاهد على جوازه ، ولو رفعنا اليد عن ظواهر الآيات والأخبار بمجرد الاحتمالات البعيدة التي لا شاهد عليها ولا داعي إليها ، لاندفع الأمان من جميع النصوص وانقلبت الشريعة ظهرا لبطن .
وتصديق البخاري ليس بداع عقلي ولا ديني مع ما علم من حاله وسائر رواياته .

وأما احتمال تعدد النزول فهو مما لا يرضى به أكابرهم ولا يزالون يشنعون على علماء الإمامية في قولهم في بعض الآيات أنها وردت في كذا بأنها

 

 1 . فتح الباري كتاب الصلح 5 : 228 .

 
 

- ص 157 -

وردت في قصة أخرى ولا يحتملون تعدد النزول كما أورده في شأن نزول آية : ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) ( 1 ) .

وكما أورده ابن تيمية في قوله تعالى : ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) ( 2 ) ، من إبطال نزولها في قصة الحارث ابن النعمان الفهري بان السورة مكية وقد نزلت قبل ذلك بسنين .

 

 1 . الإسراء : 26 .      - 2 . المعارج : 1 .

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب