القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع - الأصبهاني - ص 145

ابن حجر المكي ومعرفته بابن تيمية

وقال ابن حجر ( 1 ) في رسالته المسماة ب‍ « الجوهر المنظم في زيارة المقبر المكرم » : فان قلت : كيف تحكى الاجماع السابق على مشروعية الزيارة والسفر إليها وطلبها ، وابن تيمية من متأخري الحنابلة منكر لمشروعية ذلك كله كما رواه السبكي في حطه وأطال أعني ابن تيمية في الاستدلال لذلك بما تمجه الاسماع وتنفر عنه الطباع بل زعم حرمة السفر إليها اجماعا وانه لا يقصر فيه الصلاة ، وان جميع الأحاديث الواردة فيها موضوعة وتبعه بعض من تأخر عنه من أهل مذهبه ؟

قلت : من ابن تيمية حتى ينظر إليه أو يعول في شيء من أمور الدين عليه ؟ وهل هو الا كما قال جماعة من الأئمة الذين تعقبوا كلماته الفاسدة وحججه الكاسدة حتى أظهروا أعوار سقطاته وقبائح أوهامه وغلطاته ، كالعز بن جماعة عبد أضله الله وأغواه والبسه رداء الخزي وأرواه وبوأه من قوة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان وأوجب له الحرمان .

ولقد تصدى شيخ الإسلام وعالم الإمام المجمع على جلالته واجتهاده وصلاحه وأمانته النقي السبكي للرد عليه في تصنيف مستقل ، أفاد فيه وأجاد فأصاب وأوضح بيان حججه طريق الصواب .

ومن عجائب الوجوه ما تجاسر عليه بعض السذجاء ، من الحنابلة فغير في وجوه مخدراته الحسان التي لم يطمثهن انس قبله ولا جان ، وأتى بما دل على جهله ، وأظهر به عوار غباوته وعدم فضله .

 

 1 . وهو ابن حجر المكي الهيتمي صاحب « الصواعق » .

 
 

- ص 146 -

فليته إذا جهل استحيى من ربه وعساه ، إذا فرط وأفرط رجع إلى الله ، لكن إذا غلبت الشقاوة واستحكمت الغباوة ، فعياذا بك اللهم من ذلك وضراعة إليك في ان نديم لنا سلوك أعظم المسالك . هذا وما وقع من ابن تيمية مما ذكر ، وان كان عثرة لا تقال أبدا ومصيبة لتستمر عليه شومها دواما وسرمدا .

ليس بعجيب فإنه سولت له نفسه وهواه وشيطانه ، انه ضرب مع المجتهدين بسهم صائب وما درى المحروم ، انه أتى بأقبح المعائب إذ خالف اجماعهم في مسائل كثيرة وتدارك على أئمتهم سيما على الخلفاء الراشدين باعترافات سخيفة شهيرة وأتى من نحو هذه الخرافات بما تمجه الأسماع وتنفر عنه الطباع حتى تجاوز إلى الجانب الأقدس المنزه عن كل نقص والمستحق لكل كمال أنفس ، فنسب إليه العظايم والكبائر وخرق سباج عظمته وكبرياء جلالته بما أظهره للعلامة على المنابر من دعوى الجهة والتجسيم والتضليل من لم يعتقد ذلك من المتقدمين والمتأخرين حتى قام عليه علماء عصره وألزموا السلطان بقتله أو حبسه فقهره وحبسه إلى أن مات وخمدت تلك البدع ، فزالت تلك الظلمات ، ثم انتصر له اتباع لم يرفع الله لهم رأسا ولم يظهر لهم جاها ولا بأسا بل ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بما عصوا وما كانوا يعتدون .

وقال المولوي عبد الحليم في كتابه المسمى ب‍ « حل المعاقد » في شرح العقائد : كان تقي الدين ابن تيمية حنبليا لكنه تجاوز عن الحد وحاول إثبات ما ينافي عظمة الحق تعالى وجلاله ، فاثبت له الجهة والجسم وله هفوات أخر كما يقول : وأن أمير المؤمنين سيدنا عثمان رضي الله عنه كان يحب المال ، وأن

- ص 147 -

أمير المؤمنين سيدنا علي رضي الله عنه ما صلح إيمانه فإنه آمن في حال صباه ، وتفوه في حق أهل بيت النبي ما لا يتفوه به المؤمن المحقق .

وقد وردت الأحاديث الصحاح في مناقبهم في الصحاح ، وانعقد مجلس في قلعة جبل ، وحضر العلماء الأعلام والفقهاء العظام ، ورئيسهم كان قاضي القضاة زين الدين المالكي ، وحضر ابن تيمية ، فبعد القيل والقال بهت ابن تيمية .

وحكم قاضي القضاة بحبسه وكان ذلك سنة سبع مائة وخمس من الهجرة ، ثم نودي بدمشق وغيره : من كان على عقيدة ابن تيمية حل ماله ودمه ، كذا في مرآة الجنان للإمام أبي محمد عبد الله اليافعي ، ثم تاب وتخلص من السجن سنة سبعمائة وسبع من الهجرة .

وقال : أبا أن يكون أشعريا : ثم نكث عهده وأظهر مكنونه ومرموزه فحبس حبسا شديدا مرة ثانية ، ثم تاب وتخلص من السجن وأقام بالشام ، وله هناك واقعات ، كتبت في كتب التواريخ ورد أقاويله وبين أحواله الشيخ ابن حجر في المجلد الأول من الدرر الكامنة والذهبي في تاريخه وغيرهما من المحققين .

هذا الكلام وقع في البين والمرام ان ابن تيمية لما كان قائلا بكونه تعالى جسما ، قال بأنه ذو مكان فان كل جسم لابد له من مكان على ما ثبت ولما ورد في الفرقان الحميد ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) ( 1 ) ، قال ان العرش مكانه ولما كان الواجب أزليا عنده ، وأجزاء العالم حوادث عنده فاضطر إلى القول بأزلية جنس العرش وقدمه ، وتعاقب أشخاصه الغير المتناهية ، فمطلق التمكن له تعالى أزلي والتمكنات المخصوصة حوادث عنده كما ذهب المتكلمون إلى حدوث التعلقات .

 

 1 . طه : 5 .

 
 

- ص 148 -

وصنف بعض الأواخر كتابا سماه منتهى المقال في شرح حديث لا تشد الرحال ، وأوضح فيه فساد ابن تيمية وجمع فيه شطرا من مساويه ومعائبه وأغلاطه وكفرياته ، وحكى فيه منشورا طويلا أمر به السلطان ، ودقته تنقل منه بعض ما يتضمن بيان اعتقاده بالجهة والتجسيم ، وهي هذه .

وكان الشقي ابن تيمية في هذه المدة ، قد بسط لسان قلمه ، ومد عنان كلمه ، وتحدث في مسائل القرآن ، والصفات ، ونص في كلامه على أمور منكرات ، وتكلم فيما سكت عنه الصحابة والتابعون ، وفاه بما يمجه السلف الصالحون ، وأتى في ذلك بما أنكره أئمة الإسلام ، وانعقد على خلافه إجماع العلماء الأعلام ، واشتهر من فتاواه في البلاد ما استخف به عقول العوام ، وخالف فيه علماء عصره وفقهاء شامه ومصره ، وبعث رسائله إلى كل مكان ، وسمى كتبه أسماء ما أنزل الله بها من سلطان ، ولما اتصل بنا ذلك ومن سلكه من هذه المسالك ، وما أظهروا من هذه الأحوال ، وأشاعوه وعلى أنه استخف قومه فأطاعوه حتى اتصل بنا أنهم صرحوا في حق الله بالحرف والأصوات والتجسيم فقمنا في حق الله تعالى ، مشفقين من هذا النبأ العظيم ، إلى آخر النشور الطويل .

وستعرف شطرا من تعصباته فيما سيأتي إن شاء الله تعالى ، وهذه الكلمات وان كانت خارجة عن المقصود إلا انا اتينا به لفوائد : منها : إظهار كون هذا الشقي من النواصب الطغام ، والكفرة اللئام ، وإظهار ان من يلقبه بشيخ الإسلام ويذكره في كتابه بتعظيم تام من متأخريهم الأعلام مثله في الضلالة والخروج عن الإسلام .

ومنها : تشفي قلوب المؤمنين إذا اطلعوا على شرحه على منهاج الكرامة للعلامة الحلي قدس الله روحه وكثرة تشنيعه عليه فأحببت أن يطلعوا على شطر من أحواله ونبذ من محنه وابتذاله .

- ص 149 -

ومنها : ان يعلم صحة ما نسبه علماء الشيعة إلى الحنابلة من القول بالتجسيم وان إنكار وجود هذا القول بينهم كإنكار ذو وجود أبي بكر وعمر ومن المجسمة إمامهم المعول عليه في الحديث والرجال الذهبي كما يعرف من طبقات السبكي ، ومنهم : الحافظ ابن مندة كما يعرف من تاريخ اليافعي ، ومنهم : كهمس شيخ البخاري ، ومضر وأحمد الجهمي كما يعرف من الشهرستاني في الملل والنحل ، وجماعة أخرى ، ومع هذا كله يطعنون على الشيعة بأن هشام بن الحكم من المجسمة لقوله : أنه تعالى جسم لا كالأجسام ، مع براءته من هذا القول ، وأنه انما أورده إلزاما يعلم من كتب العامة كالملل والنحل فضلا عن كتب الشيعة .

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب