|
القول
الصراح في البخاري وصحيحه الجامع - الأصبهاني - ص 124 |
|
حديث :
تفضيل زيد بن عمرو بن نفيل على النبي - صلى الله عليه
وآله وسلم -
ومنها : ما أورده في كتاب الذبائح : «
حدثنا معلى بن أسد ، حدثنا عبد العزيز - يعني ابن
المختار : أخبرنا موسى بن عقبة قال : أخبرني سالم أنه
سمع عبد الله يحدث عن رسول الله : أنه لقي زيد بن عمرو
بن نفيل بأسفل بلدح - وذاك قبل أن ينزل على رسول الله
- صلى الله عليه وآله وسلم - الوحي - فقدم إليه رسول
الله - صلى الله عليه وآله وسلم - سفرة فيها لحم ،
فأبى أن يأكل منها ، ثم قال : إني لا آكل مما تذبحون
على أنصابكم ، ولا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه » !
! . ( 2 )
وأورد هذا الحديث
الإمام أحمد بن حنبل وأبو
يعلى والبزار وغيرهم من أكابر القوم مع التصريح بأكل
رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - مما ذبح على
النصب ، قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري شرح
البخاري : وقد وقع في حديث سعيد بن زيد الذي قهر منه
وهو عند أحمد ، فكان زيد يقول : عذت بما عاذ به
إبراهيم ثم يخر ساجدا للكعبة ، قال : فمر بالنبي - صلى
الله عليه وآله وسلم - وزيد بن حارثة وهما يأكلان من
سفرة لهما فدعياه .
| |
2 . صحيح البخاري
6 : 225 ، كتاب الذبائح ، باب : ما ذبح على النصب
والأصنام ط باموق ، فتح الباري
9 : 518 .
|
|
|
قال : يا
بن أخي لا آكل مما ذبح على النصب ، قال : فما رأي
النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يأكل مما ذبح على
النصب من يومه وذلك . وفي حديث زيد بن حارثة عند أبي
يعلى والبزار وغيرهما ، قال : خرجت مع رسول الله - صلى
الله عليه وآله وسلم - يوما من مكة وهو مرد في مذبحنا
شاة على بعض الأصنام فاذبحناها فلقينا زيد بن عمرو ،
فذكر الحديث مطولا ، فقال زيد : اني لا أكل مما لم
يذكر اسم الله عليه
( 1 ) .
وأورده البخاري أيضا في
موضع آخر من صحيحه ، لكن بتعبير وتبديل ، قال في كتاب
المناقب ، باب حديث زيد بن عمرو ابن نفيل : حدثني محمد
بن أبي بكر ، قال : حدثنا فضيل بن سليمان ، حدثنا موسى
، حدثنا سالم بن عبد الله بن عمر أن النبي - صلى الله
عليه وآله وسلم - لقى زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح
قبل أن ينزل على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -
الوحي فقدمت إلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -
سفرة فأبى أن يأكل منها .
ثم قال زيد : إني لست آكل
مما تذبحون على أنصابكم ، ولا آكل الا ما ذكر اسم الله
عليه ، وان زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ،
ويقول : الشاة خلقها الله تعالى وانزل لها من السماء
الماء وانبت لها من الأرض ثم تذبحونها على غير اسم
الله ؟ انكارا لذلك واعظاما له
( 2 ) .
وأيا من هذه
الروايات قلنا به يوجب إثبات طعن عظيم على سيد النبيين
وأفضل المرسلين واثبات أعرفية زيد بالله وتعظيمه منه -
صلى الله عليه وآله وسلم - .
ويدل على أن مثل هذا
الأمر الذي ارتكز قبحه في عقل زيد الغير المتدين
| |
1 . فتح الباري 9 : 518 .
- 2 . صحيح البخاري كتاب
المناقب ، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل رقم 3826 .
|
|
|
بدين وفي
عقول المتقطنين وان لم يكونوا بالشرايع ملتزمين ، قد
خفي على سيد البشر نعوذ بالله من هذه الهذيانات .
إذ
لو قيل بموجب رواية أحمد وأبي يعلى والبزار من أكله
مما ذبح على النصب بل مباشرته لهذا الذبح مع زيد بن
حارثة فالأمر واضح ، ولو قيل بموجب ما رواه البخاري في
كتاب الذبائح فهو أيضا لا يخلو من رضائه - صلى الله
عليه وآله وسلم - بهذا الأمر الشنيع وحفظ هذا اللحم في
السفرة وعدم إبائه عن أكله - صلى الله عليه وآله وسلم
- ودعوته لزيد في الأكل منه واباء زيد وأعرفيته بالله
منه وأورعيته وأعقليته .
ولو قيل بموجب ما رواه في
كتاب المناقب فكذلك اتحاد الحديثين ، فلابد من ارجاع
الضمير في قوله : فأبى ، إلى زيد كما هو سياق الكلام
والمقام والحديث يفسر بعضه بعضا ، كما صرح به أعيان
العامة فيلزم جميع ما ذكرنا .
ولو تعسف متعسف فارجع
الضمير إلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فلا أقل
دعوة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - زيدا إلى هذا
الأمر القبيح الذي تقررت حرمته في الشرايع السابقة بل
في شريعة إبراهيم على ما اعترف بعض أعيانهم وارتكز
قبحه في العقول ولننقل بعض كلمات القوم مما يتعلق
بالمقام .
فنقول من عجيب الأمر أن ابن روزبهان
لابتلائه بضيق خناق الالزام والافحام من علامة العلماء
الاعلام حيث ذكر هذا الحديث بعين الألفاظ التي أوردها
البخاري في كتاب الذبائح ، من أن رسول الله - صلى الله
عليه وآله وسلم - لقى زيد بن عمرو فقدم إليه رسول الله
- صلى الله عليه وآله وسلم - سفرة فيها لحم فأبى أن
يأكل منها ثم قال : اني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم
! اضطرب واختل عقله وضاق عليه الأمر فاختلق تتمة لهذا
الحديث غير مرتبطة به لفظا ولا معنى .
فقال : من
غرائب ما يستدل به على ترك أمانة هذا الرجل وعدم
الاعتماد والوثوق على نقله رواية هذا الحديث ، فقد روى
بعض هذا الحديث ليستدل به على مطلوبه وهو الطعن في
رواية الصحاح ، وما ذكر تمامه وتمام الحديث : « أن
رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لما قال لزيد
بن عمرو بن نفيل هذا الكلام ، قال : وأنا أيضا لا آكل
من ذبيحتهم ومما لم يذكر عليه اسم الله تعالى فاكلا
معا » .
وهذا الرجل لم يذكره التتمة ليتمكن من الطعن
في الرواية ، نسأل الله العصمة من التعصب فإنه بئس
الضجيع .
أقول : فيه أولا : ان هذه التتمة موضوعة
مختلقة افتراها واخترعها هذا الناصب ، ونسخ صحيح
البخاري موجودة منتشرة في شرق العالم وغربها ليس فيها
من هذه التتمة عين ولا أثر فليراجع من أراده .
وثانيا
: انه إما أن يكون الضمير في الحديث في قوله : « فأبى
» و « ثم قال » راجعا إلى الرسول أو إلى زيد ، فان كان
راجعا إلى الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - فنفس
العبارة المنقولة كافية في دفع الطعن ، ولا يتمكن من
الطعن فيه وان لم تكن هذه التتمة موجودة مع أن صريح
كلامه ابتناء عدم التمكن من الطعن ودفعه على هذه
التتمة وأيضا على التقدير فالضمير في هذه التتمة في
قوله : « قال وأنا أيضا » ان كان راجعا إلى الرسول -
صلى الله عليه وآله وسلم - فلا معنى له أصلا بل يصير
من قبيل الهذيان ، إذ بعد قول الرسول - صلى الله عليه
وآله وسلم - في الحديث : أنا لا آكل ، فأي معنى لقوله
ثانيا : وأنا أيضا لا آكل ؟ وان كان إلى زيد فلهذه
التتمة مدخلية في دفع الطعن عن زيد ؟ والكلام لم يكن
فيه ، ولم يرده العلامة قدس الله روحه حتى يحذف التتمة
لأجله ،
وان كان
الضمير في الحديث في قوله : « فأبى ثم قال » راجعا إلى
زيد فلا معنى لقوله : لما قال رسول الله - صلى الله
عليه وآله وسلم - لزيد هذا الكلام .
فان هذا الكلام
على هذا التقدير لم يقله رسول الله - صلى الله عليه
وآله وسلم - ، بل قاله زيد ولا شبهة في أن هذا الكلام
إشارة إلى الكلام المنقول في عبارة العلامة رحمه الله
.
وبهذا التقرير يعلم خيانة ابن روزبهان في النقل
وافترائه كما يعلم من سخافة عقله وقلة إدراكه ، حيث
أنه اختلق عبارة لا يمكن ارتباطها بالحديث وقد اقتصر
العلامة التستري نور الله مرقده لتوضيح الفقرة الأولى
أعني خيانته في النقل ، دون الثانية قبالا لما تفوه به
في حق العلامة ، لامن جهة أنه خفي عليه ما قررناه .
فقال رحمة الله عليه : من بدايع حيل هذا الناصب العاجز
الكاذب الخائن أنه لما أراد التفصي عن التشنيع المتوجه
على أصحابه في هذه الرواية بضم بعض ما اخترعه من
العبارات أرعد وأبرق أولا تشدد في اظهار التعجب
والغرابة ونسبة المصنف قدس الله روحه إلى الخيانة
والتقصير ، وختم ذلك بسؤال العصمة عن التعصب ليسد بذلك
باب رجوع الناظرين إلى مأخذ الرواية فلا يظهر خيانته
فيها بالزيادة عليها .
والحاصل إنا قد راجعنا صحيح
البخاري فكان الحديث كما نقله المصنف تغمده الله
بغفرانه ، ولم يكن من الإضافة التي ذكرها هذا الناصب
الخائن الشقي عين ولا أثر ، فمن أبى لحسن ظنه في هذا
الشقي السقيم فليراجع ذلك الصحيح ، ليتضح له ما أتى به
من الكذب الصريح .
ومن هاهنا أيضا يظهر صدق ما أشرنا
إليه في بعض المباحث ، من أن
أصحاب
الناصب يعد ما نبههم الشيعة على شناعة بعض أحاديثهم ،
يزيدون على ذلك أو ينقصون عنه على حسبما عرض لهم من
ضيق الخناق فلا يعتد بما يرويه أهل الشقاق انتهى كلامه
رفع مقامه .
وليعلم أن جماعة من أعيانهم كالجرجاني والإسماعيلي وغيرهما نقلوا ألفاظ الحديث المروي في
كتاب المناقب أيضا مطابقة لما في باب الذبائح .
قال في
فتح الباري في شرح البخاري قوله : فقدمت بضم القاف ،
قوله إلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كذا
الأكثر ، وفي رواية الجرجاني ، وكذا أخرجه الزبير بن
بكار والفاكهي وغيرهما
( 1 ) .
ولننقل بعض كلماتهم
الأخر مما يتعلق بالمقام .
قال ابن حجر العسقلاني :
قال الداودي : كان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -
قبل البعث يجانب المشركين في عباداتهم ولكن لم يكن
يعلم ما يتعلق بأمر الذبائح ، وكان زيد قد علم ذلك من
أهل الكتاب الذين لقيهم
( 2 ) ، وسخافته ظاهرة .
وقال السهيلي في روض الانف بعد نقل الحديث : وفيه سؤال يقال
: كيف وفق الله زيد إلى ترك أكل ما ذبح على النصب وما
لم يذكر اسم الله عليه ! ورسول الله - صلى الله عليه
وآله وسلم - أولى بهذه الفضيلة في الجاهلية لما ثبت
الله له من عصمته ! ؟
فالجواب من وجهين : الأول : انه
ليس في الحديث حين لقيه ببلدح ، فقدمت إليه السفرة ،
أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أكل منها ،
وانما في الحديث أن زيدا قال حين قدمت السفرة لا أكل
مما لم يذكر اسم الله عليه .
| |
1 .
فتح الباري 7 : 112 . - 2 .
فتح الباري 7 : 113 كتاب المناقب باب ،
حديث زيد بن عمرو بن نفيل .
|
|
|
الجواب
الثاني : ان زيدا انما فعل ذلك برأي رآه لا بشرع متقدم
، وإنما تقدم شرع إبراهيم بتحريم الميتة لا بتحريم ما
ذبح لغير الله ، وانما نزل تحريم ذلك في الإسلام .
وبعض الأصوليين يقولون : الأشياء قبل ورود الشرع على
الإباحة ، فان قلنا بهذا وقلنا ان رسول الله - صلى
الله عليه وآله وسلم - كان يأكل مما ذبح على النصب ،
فإنما فعل مباحا ، وان كان لا يأكل منها فلا إشكال ،
وان قلنا أيضا ، أنها ليست على الإباحة ولا على
التحريم وهو الصحيح .
فالذبائح خاصة لها أصل في تحليل الشرع المتقدم ، فالشاة والبعير ونحو ذلك مما أحله
الله تعالى في دين من قد كان قبلنا ، ولم يقدح في ذلك
التحليل المتقدم ما ابتدعوه حتى جاء الإسلام وأنزل
الله سبحانه : ( وَلاَ
تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ
عَلَيْهِ
)
( 1 ) .
ألا ترى كيف بقيت ذبائح أهل الكتاب عندنا
على أصل التحليل بالشرع المتقدم ولم يقدح في التحليل
ما أحدثوه من الكفر وعبادة الصلبان ، فكذلك كان ما
ذبحه أهل الأوثان محللا بالشرع المتقدم حتى خصه القرآن
بالتحريم
( 2 ) .
وقال الزركشي ، وهو من أكابر القوم ،
في كتاب التنقيح بعد نقل الحديث : ان قيل كان نبينا -
صلى الله عليه وآله وسلم - أولى بهذه الفضيلة ، قلنا :
ليس في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -
أكل من السفرة .
وأجاب السهيلي : بأن زيدا انما قال
ذلك برأي منه لا شرع متقدم ، وفي
| |
1 . الانعام : 121 .
- 2 . روض الأنف 2 : 361 -
363 . |
|
|
شرع
إبراهيم تحريم الميتة لا تحريم ما ذبح لغير الله وانما
نزل تحريم ذلك في الإسلام ، وهذا الذي قاله ضعيف ، بل
كان في شريعة الخليل تحريم ما ذبح لغير الله ، وقد كان
عدو الأصنام ، والله تعالى يقول : (
ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ
إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا )
( 1 ) .
وبالجملة فرواية
نسبة أكل مما ذبح على النصب إلى النبي - صلى الله عليه
وآله وسلم - كما صرح في رواية أحمد وأبو يعلى والبزار
وغيرهم أو دعوته غيره إلى أكله مع أنه مما يجتنب عنه
اليهود والنصارى ويختص بعابدي الأصنام مما لا تخفى .
|