|
القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع - الأصبهاني -
ص 110 |
|
نسبة الخلاف إلى إبراهيم
ومنها :
ما أورده في مواضع عديدة من صحيحه .
منها : ما في كتاب
التفسير : قال : حدثنا إسماعيل ، قال حدثنا أخي عن ابن
أبي ذئب ، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي -
صلى الله عليه وآله وسلم - قال يلقى إبراهيم أباه
فيقول : يا رب إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون فيقول
الله : اني حرمت الجنة على الكافرين ، وفي رواية أخرى
: فيقول : يا رب انك وعدتني ألاتخزني يوم يبعثون ، وأي
خزي أخزى من أبي الأبعد ؟
( 1 )
.
ولا يخفى ما في هذا
الافتراء من غاية الازراء بشأن إبراهيم - عليه السلام
- ومخالفته لنص الكتاب الكريم .
أما أولا : فلخطائه في
اعتقاد أن تعذيب أبيه خزي له بل خزي أعظم ، وأي خزي
أعظم من هذا . فان ذلك مما لا يتخيله من له أدنى عقل
ودراية فضلا عن النبي المعصوم المبعوث للهداية .
وثانيا : للجهل بالمراد من وعده تعالى بأن لا يخزيه .
وثالثا : مخالفته للدلائل العقلية الدالة على المنع من
الاستغاثة للمشركين من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب
الجحيم .
| |
1 . صحيح البخاري
كتاب أحاديث الأنبياء رقم 3350 . |
|
|
قال الرازي في تفسيره : وسبب هذا المنع ما ذكره الله
تعالى في قوله : ( مِن بَعْدِ
مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ )
( 1 )
، وأيضا قال : ( إِنَّ اللَّهَ
لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ
ذَلِكَ )
( 2 )
والمعنى أنه تعالى
لما أخبر عنهم انه يدخلهم النار وطلب الغفران لهم جار
مجرى طلب أن يخلف الله وعده ووعيده ، وأنه لا يجوز .
وأيضا ، لما سبق قضاء الله تعالى بأنه يعذبهم فلو
طلبوا غفرانه لصاروا مردودين وذلك يوجب نقصان درجة
النبي وحط مرتبته .
وأيضا أنه قال : ( ادْعُونِي
أَسْتَجِبْ لَكُمْ )
( 2 )
وقال عنهم أنهم أصحاب الجحيم فهذا
الاستغفار يوجب دخول الخلف في أحد هذين النصين وأنه لا
يجوز .
ورابعا : مخالفته لأمر الله تعالى بل إصراره
على المخالفة حيث لم ينته بنهي الله تعالى إياه في
الدنيا عن الاستغفار ، وصرح بممنوعيته عن الاستغفار
لأبيه الفخر الرازي في تفسيره
( 4 )
في قوله تعالى : (
وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ ) .
وخامسا : بمنافاة
هذه الرواية لقوله تعالى (
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ
تَبَرَّأَ مِنْهُ ) ، قال العسقلاني : قد استشكل الإسماعيلي
هذا الحديث من أصله وطعن في صحته ، فقال بعد أن أخرجه
: « هذا حديث في صحته نظر من جهة أن إبراهيم عالم بأن
الله لا يخلف الميعاد ، فكيف يجعل ما بأبيه خزيا له مع
علمه بذلك » .
| |
1 . التوبة : 114 . 2 .
النساء : 116 .
2 . المؤمن : 63 . 4 . التفسير الكبير 16 : 212 .
|
|
|
وقال غيره : هذا الحديث مخالف لظاهر قوله تعالى :
(
وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ
إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا
تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ
مِنْهُ )
( 1 )
.
قال
: والجواب عن ذلك ، أن أهل التفسير اختلفوا في الوقت
الذي تبرأ إبراهيم فيه من أبيه ، فقيل : كان ذلك في
الحياة الدنيا لما مات مشركا ، وهذا الوجه للطبري من
طريق حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن
عباس ، واسناده صحيح .
وفي الرواية فلما ، مات لم
يستغفر له ، ومن طريق علي بن طلحة عن ابن عباس نحوه ،
قال : استغفر له ما كان حيا فلما مات امسك .
وأورد
أيضا ، من طريق مجاهد وقتادة وعمرو بن دينار نحو ذلك ،
وقيل إنما تبرأ منه يوم القيامة لما آيس منه حين مسخ
على ما صرح به في رواية ابن المنذر التي أشرت إليها ،
وهذا أخرجه الطبري أيضا من طريق عبد الملك بن أبي
سليمان سمعت سعيد بن جبير يقول : ان إبراهيم يقول يوم
القيامة : رب والدي ، فإذا كانت الثالثة أخذ بيده
فيلتفت إليه وهو ضبعان فيتبرأ منه .
ومن طريق عبيد بن عمير قال : يقول إبراهيم لأبيه : اني كنت آمرك في
الدنيا فتعصيني ولست تاركك اليوم ، فخذ بحقوتي فيأخذ
بضبيعيه فيمسخ ضبعا ، فإذا رآه إبراهيم مسخ تبرأ منه .
ويمكن الجمع بين القولين بأنه تبرأ منه لما مات مشركا
، فترك الاستغفار لكن لما رآه يوم القيامة أدركته
الرقة والرأفة فسأل فيه ، فلما رآه مسخ يئس منه حينئذ
وتبرأ تبريا أبديا .
وقيل أن إبراهيم لم يتيقن موته على الكفر لجواز أن
يكون آمن في نفسه ولم يطلع إبراهيم على ذلك ويكون وقت
تبريه منه بعد اكالة التي وقعت في هذا الحديث
( 1 )
.
هذا غاية ما تشبثوا به لدفع الطعن عن هذا الخبر
وفسادها مما لا يخفى . أما الأخير : الذي نسب إلى
القيل : فيرده جميع رواياتهم التي اذعنوا بصحتها .
منها : ما نقله العسقلاني وقال : اسناده صحيح .
ومنها
: ما أورده في الدر المنثور ، قال : أخرج ابن جرير ،
وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :
( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ )
(
2 )
حين مات وعلم أن التوبة قد انقطعت منه .
وأخرج الفريابي وابن خزيمة ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ،
وأبو الشيخ ، وأبو بكر الشافعي في فوائده ، والضياء في
المختارة عن ابن عباس قال : لم يزل إبراهيم يستغفر
لأبيه حتى مات ، فلما تبين له أنه عدو لله فتبرأ منه ،
يقول : لما مات على الكفر .
وأما ما ذكره بقوله :
ويمكن الجمع ، فلا معنى محصل له لان مناط الإشكال على
أن إبراهيم بعد علمه بأنه كان مشركا ومات عليه كما
سلمه في هذا الجواب ، كيف استغفر له ويشفع فيه مع علمه
بأنه تعالى لا يخلف الميعاد .
فإن أراد العسقلاني من
قوله : لما رآه أدركته الرقة ، بيان داعي الاستغفار
فهو من قبيل أصوات الحيوانات التي تصدر من غير ارتباط
، حيث أن الكلام
| |
1 . فتح الباري تفسير سورة الشعراء 8 :
405 . - 2 .
التوبة : 114 . |
|
|
والإشكال في عدم جواز الاستغفار ، فالجواب عنه ببيان
داعيه كما ترى ، وان أراد أن الرقة والرأفة يجوز
ارتكاب المنهي عنه فهو مما لا يتفوه به عاقل فضلا عن
فاضل .
وكيف لا يلتزم به في تجويز جميع الشنايع
والقبائح والفسق والزنا واللواط فلو زنى أحد بامرأة
شابة دعته إلى الزنا من باب الرأفة والرقة لزمه الحكم
بالجواز والإباحة ؟ !
وأما كلامه الأول : فحاصله
الاختلاف في أن وقت التبري هل هو في الدنيا بعد موته
أو في الآخرة بعد مسخه ؟ وتخيل أنه لو كان التبري في
القيامة لم يلزم قبح ، ووجوه الفساد في هذا الكلام
أيضا واضحة ، اما أولا : فلأن صريح كتاب الله وقوع
التبري من إبراهيم حيث قال : (
تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ
مِنْهُ )
( 1 )
. وأتى بصيغة الماضي الفعلين جميعا
وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز من غير دليل غير
جائز .
وثانيا : ان من الواضح تعدد الروايات على وقوع
التبري في الدنيا وفيها باعتراف العسقلاني بصحته وهي
موافقة لظاهر القرآن والروايات المخالفة أقل عددا غير
موصوفة بالصحة مخالفة لظاهر القرآن .
ومن البين ترجيح
الأولى فيزيد الإشكال لا أنه يندفع .
ثالثا : أنه على
فرض ترجيح الروايات الثانية يندفع الإشكال الأخير الذي
ذكره غير الإسماعيلي .
وأما الأول : فباق مجاله حيث أن مناطه ليس على
المخالفة لظاهر الآية ، بل على أن إبراهيم بعد ما علم
شرك آزر وعلم ان الله لا يخلف الميعاد كيف جعل ما
بابيه خزيا له ؟
ورابعا : أن الأقوال الأخيرة التي
نقلها عن سعيد بن جبير وعبيد الله بن عمير لا يدل على
أن المراد من التبري في الآية هو التبري في الآخرة ،
فإنهما اقتصرا على ذكر قصة إبراهيم من غير أن يفسر
الآية بذلك.
وخامسا : أن هذه الأقوال والروايات
بعينها مما يستشكل فيها الإسماعيلي وغيره ، إذ هي مثل
ما في البخاري ويرد عليها ما يرد عليه من طعن في حديث
البخاري كيف لا يطعن عليها ، وهل هذا الا مثل أن يجاب
عن الإشكال بإعادة حديث البخاري .
سادسا : أنه لو حمل
حديث التبري يوم القيامة اختل نظم الآية وفات ما هو
المقصود المهم منها ، إذ الغرض منها أن إبراهيم مع
كونه أواها حليما موصوفا بشده الرقة والشفقة لما تبين
له كفر أبيه تبرأ منه ولم يستغفر له والمؤمنون أولى
بان لا يستغفروا للمشركين ، ولهذا ذكر هذه الآية عقيب
قوله : ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ
وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ
لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُولِي قُرْبَى )
( 1 )
.
قال الرازي في
تفسيره : في توصيف إبراهيم - عليه السلام - بالاواه
والحليم ما لفظه : اعلم أنه تعالى انما وصفه بهذين
الوصفين في هذا المقام لأنه تعالى وصفه بشدة الرقة
والشفقة والخوف والوجل ، ومن كان كذلك فإنه لعظيم رقته
على أبيه
وأولاده فبين تعالى أنه
مع هذه العادة تبرأ من أبيه وغلظ قلبه عليه لما ظهر له
إصراره على الكفر ، فأنتم بهذا المعنى أولى . ولذلك
وصفه أيضا بأنه حليم ، لان أحد أسباب الحكم رقة القلب
وشدة العطف لان المرء إذا كان حاله هكذا اشتد حلمه عند
الغضب
( 1 ) .
وأنت خبير بان هذا الكلام انما يتم لو
كان المراد التبري في الدنيا ، إذ لو كان تبريه منه في
الآخرة مع استغفاره له في الدنيا حتى بعد موته لم يكن
هذا مما يوجب امتناع المؤمنين عن الاستغفار لأقربائهم
من المشركين بل كان مؤيدا لجوازه إلى غير ذلك من وجوه
الفساد في هذا الكلام .
| |
1 . التفسير الكبير
للرازي 16 : 212 . - 2 . التوبة : 84 .
|
|
|
|