|
القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع -
الأصبهاني - ص تعريف الكتاب 3 |
|
بسم الله الرحمن الرحيم
( إن الذين يكتمون ما أنزلنا
من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب
أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ) البقرة : 159
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم : آية الله جعفر السبحاني مع الإمام البخاري في صحيحه
صحيح البخاري أحد
الصحاح الذي حاز على منزلة كبيرة لدى أهل السنة ، وقد
نقلوا عن البخاري انه قال : لم أخرج في هذا الكتاب إلا
صحيحا وما تركت من الصحيح أكثر .
( 1 )
وقال ابن حجر الهيتمي بأن صحيح البخاري وصحيح مسلم هما أصح الكتب
بعد كتاب الله وإجماع من يعتد به .
( 2 )
إلى غير ذلك
من كلمات الإطراء المبثوثة في المعاجم وكتب التراجم ،
ولسنا الآن في مقام البحث والنقاش في مدى صحة هذه
الكلمات ، وكفانا في ذلك الكتاب الماثل بين يديك الذي
يوقفك على حقيقة الأمر ، غير ان ثمة أمورا نقف عندها
قليلا :
الأول : يوجد في صحيح البخاري روايات التجسيم
والتشبيه بوفرة وإن حاول شراح الصحيح تأويلها غير انها
فشلت جميعا ، لأن ظهورها بمكان يحد من تأويلها
والتلاعب بها ، والسبب وراء هذه الكثرة من روايات
التجسيم يعود
| |
1 . ابن حجر العسقلاني : هدى الساري :
ص 7 ; مقدمة صحيح البخاري : 1 / 10 .
- 2 . الصواعق
المحرقة : 18 . |
|
|
إلى أن البخاري عاش في عصر المتوكل العباسي الذي
استخدم طبقة من المحدثين ومنحهم الجوائز في نقل
الأحاديث التي تؤيد موقف المحدثين أمام أهل التنزيه من
العدلية والمعتزلة .
يقول الذهبي : إن المتوكل أشخص
الفقهاء والمحدثين ; وكان فيهم : مصعب الزبيري ،
وإسحاق بن أبي إسرائيل ، وإبراهيم بن عبد الله الهروي
، وعبد الله وعثمان ابني محمد بن أبي شيبة ; فقسمت
بينهم الجوائز ، وأجريت عليهم الأرزاق ، وأمرهم
المتوكل أن يجلسوا للناس ويحدثوا بالأحاديث التي فيها
الرد على المعتزلة والجهمية ، وأن يحدثوا بالأحاديث في
الرؤية . فجلس عثمان بن محمد بن أبي شيبة في مدينة أبي
جعفر المنصور ، ووضع له منبر واجتمع عليه نحو من
ثلاثين ألف من الناس ; وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في
مسجد الرصافة ، وكان أشد تقدما من أخيه عثمان ، واجتمع
عليه نحو من ثلاثين ألف .
( 1 )
ولذلك فلا تعجب من
كثرة روايات التجسيم والتشبيه في الصحيح ، لأن بعض
هؤلاء من رجال صحيح البخاري .
الثاني : ان البخاري وإن
ذكر شيئا من فضائل علي وأهل بيته إلا أن قلمه يرتعش
عندما يصل إلى فضائلهم فيعبث بالحديث مهما أمكن ،
وإليك نموذجا .
إن حديث الولاية يعني قول النبي - صلى
الله عليه وآله وسلم - في حق علي - عليه السلام - : «
علي مني وأنا من علي ، وهو وليكم من بعدي » من
الأحاديث المتضافرة الذي أخرجه غير واحد من أئمة
الصحاح والسنن وحفاظ الحديث ، وقد نقله جم غفير من
كبار
| |
1 . تاريخ الإسلام ، وفيات عام 230 - 240
; تاريخ بغداد : 10 / 66 . |
|
|
أئمة الحديث في كتبهم ، ربما يبلغ عددهم حسب ما
استخرجه المحقق المتتبع السيد حامد حسين اللكهنوي (
المتوفى 1306 ه ) في كتابه « عبقات الأنوار » إلى 65
، وعلى رأسهم :
1 . سليمان بن داود الطيالسي ( المتوفى
204 ه ) .
2 . أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
( المتوفى 239 ه ) .
3 . أحمد بن حنبل ( المتوفى 241
ه ) .
4 . محمد بن عيسى الترمذي ( المتوفى 279 ه ) .
5 . أحمد بن شعيب النسائي ( المتوفى 303 ه ) .
إلى
غير ذلك من أئمة الحفاظ والمحدثين
( 1 )
، وإليك نص
الحديث :
1 . أخرج النسائي في سننه قائلا : حدثنا واصل
بن عبد الأعلى ، عن ابن فضيل ، عن الأعرج ، عن عبد
الله بن بريدة ، عن أبيه ، قال : بعثنا رسول الله -
صلى الله عليه وآله وسلم - إلى اليمن مع خالد بن
الوليد وبعث عليا على آخر ، وقال : إن التقيتما فعلي
على الناس ، وإن تفرقتما فكل واحد منكما على جنده ،
فلقينا بني زبيد من أهل اليمن ، وظفر المسلمون على
المشركين ، فقاتلنا المقاتلة وسبينا الذرية ، فاصطفى
علي جارية لنفسه من السبي ، فكتب بذلك خالد بن الوليد
إلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وأمرني أن أنال
منه . قال : فدفعت الكتاب إليه ونلت من علي ، فتغير
وجه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فقلت : هذا
مكان العائذ ، بعثتني مع رجل وألزمتني بطاعته فبلغت ما
أرسلت به . فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم
- لي : « لا تقعن يا بريدة في علي ، فإن عليا مني وأنا
منه وهو وليكم بعدي » .
( 2 )
| |
1 . لاحظ نفحات الأزهار في خلاصة عبقات
الأنوار : 15 / 51 - 54 .
- 2 . خصائص علي بن أبي طالب :
75 . |
|
|
2 . وأخرج أحمد في مسنده عن ابن عباس ، عن بريدة ، قال
: غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة ، فلما قدمت على
رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ذكرت عليا
فتنقصته فرأيت وجه رسول الله - صلى الله عليه وآله
وسلم - يتغير ، فقال : « يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين
من أنفسهم » ، قلت : بلى يا رسول الله ، قال : « من
كنت مولاه فعلي مولاه » .
( 1 )
وما جاء في الحديث
الذي أخرجه النسائي من قوله - صلى الله عليه وآله وسلم
- : « علي مني وأنا من علي وهو وليكم بعدي » لا ينافي
المنقول في مسند أحمد ولعل الرسول جمع بين الكلمتين ،
أو ان الراوي نقل بالمعنى فقال : من كنت مولاه فهذا
علي مولاه .
وعلى كل حال فالحديث كان مذيلا بما يدل
على ولايته بعد رحيل الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم
- . ويؤيد ذلك ان الإمام أحمد أخرج الحديث عن عمران بن
حصين بالشكل التالي :
3 . قال : بعث رسول الله سرية
وأمر عليهم علي بن أبي طالب - رضى الله عنه - فتعاقد
أربعة من أصحاب محمد أن يذكروا أمره لرسول الله ، قال
عمران : وكنا إذا قدمنا من سفرنا بدأنا برسول الله ،
فسلمنا عليه ، قال : فدخلوا عليه ، فقام رجل منهم ،
فقال يا رسول الله : إن عليا فعل كذا وكذا فأعرض عنه .
ثم نقل قيام الثلاثة الباقين وتكرارهم ذلك القول
وإعراض الرسول عنهم ، حتى انتهى إلى قوله : فأقبل رسول
الله على الرابع وقد تغير وجهه ، فقال : « دعوا
| |
1 . مسند أحمد بن حنبل
: 5 / 347 .
|
|
|
عليا ، إن عليا مني وأنا منه ، وهو ولي كل مؤمن بعدي »
.
( 1 )
4 . وأخرج الترمذي عن عمران بن حصين ونقل
الحديث مثل ما نقل أحمد ابن حنبل إلى أن قال : فقام
الرابع ، فقال مثل ما قالوا ، فأقبل إليه رسول الله -
صلى الله عليه وآله وسلم - - والغضب يعرف في وجهه -
فقال : « ما تريدون من علي ! ما تريدون من علي ! ما
تريدون من علي ! إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن
بعدي » .
( 2 )
ترى أن الرواية تنص على الولاية الدالة
على أنه الإمام بعد رحيل الرسول لكن البخاري كعادته
أخرج الحديث عن بريدة ، فذكر شيئا من الحديث وحذف بيت
القصيد منه ، فأخرج الحديث عن عبد الله بن بريدة عن
أبيه بالنحو التالي : قال : بعث النبي - صلى الله عليه
وآله وسلم - عليا إلى خالد ليقبض الخمس وكنت أبغض عليا
، وقد اغتسل ، فقلت لخالد : ألا ترى إلى هذا ، فلما
قدمنا على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ذكرت ذلك
له . فقال : يا بريدة أتبغض عليا ، فقلت : نعم ، قال :
« لا تبغضه فإن له في الخمس أكثر من ذلك » .
( 3 )
ترى
أنه حذف الفقرة الأخيرة من الحديث التي هي بمنزلة بيت
القصيد منه وهي : « ان عليا مني وأنا منه ، وهو وليكم
بعدي » . هذان الأمران اللذين نوهنا إليهما يعربان عن
موقف البخاري حيال
| |
1 . مسند أحمد : 4 / 438 .
- 2 . سنن
الترمذي : 5 / 632 .
3 . صحيح البخاري : 5 / 163 ، باب
بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل
حجة الوداع . |
|
|
روايات التجسيم والتشبيه ، كما يعربان عن مدى بخسه
لأحاديث أهل البيت - عليهم السلام - وفضائلهم .
كيف لا
وهو لم يرو حديث الغدير بتاتا ، كما لم يرو عن الإمام
الصادق - عليه السلام - حديثا واحدا مع أنه نقل عن
الخوارج والمجبرة والمشبهة ؟ ! !
فهذا الكتاب الذي يعد
أصح الكتب عند أهل السنة بعد كتاب الله بحاجة إلى
تنقيب وبحث ودراسة رجاله ودراسة مضمون الأحاديث
الواردة فيه .
وقد قام بهذا الأمر المهم غير واحد من
أعلام الفريقين .
فمن أهل السنة الحافظ ابن الجوزي (
510 - 597 ه ) حيث ألف كتابا باسم « مشكل الحديثين أو
مشكل الصحاح » ولم يزل مخطوطا في أربعة أجزاء .
وأما
من الشيعة ، فقد قام فقيه الطائفة والمتتبع المتضلع
الشيخ فتح الله النمازي الاصفهاني المشهور ب « شيخ
الشريعة » ( 1266 - 1339 ه ) بدراسة صحيح البخاري في
كتاب هو ماثل بين يديك وقد ألفه - قدس سره - ولم يسمه
باسم ، غير ان تلميذه المتتبع الشيخ آقا بزرك الطهراني
( 1293 - 1389 ه ) استكتبه لنفسه وأسماه ب « القول
الصراح في نقد الصحاح » ، وقد كانت النسخة منحصرة بما
استكتب ، فاستدعيت من صديقنا العزيز المجاهد في سبيل
الله آية الله الشهيد ميرزا علي الغروي - قدس سره -
مؤلف الموسوعة الفقهية باسم « التنقيح في شرح العروة
الوثقى » أن يرسل لي صورة من نسخة الشيخ آقا بزرك
الطهراني المتوفرة في مكتبته ، وقد لبى - قدس سره -
طلبي هذا .
وقد قام بتحقيق الكتاب والتعليق عليه
وإخراج مصادره الباحث المحقق الشيخ حسين غيب غلامي الهرساوي ، فعلق عليه تعاليق ثمينة ، شكر الله مساعيه
الجميلة ، وهو ممن قد خاض في عبارات هذه المباحث في
غير واحد من تآليفه .
ولعل هناك من يعيب على هذا النوع من التأليف بأنه يثير
حفيظة البعض ، لأن كثيرا من أهل السنة تلقوا صحيح
البخاري كتابا صحيحا برمته يسمو عن البحث والنقد ،
ولكن الحق ان كل كتاب غير كتاب الله خاضع للبحث
والنقاش .
إن السنة النبوية تراث خالد للأمة الإسلامية
تعد المصدر الثاني للشريعة الإسلامية بعد القرآن
الكريم في مجالي العقيدة والشريعة .
فالسنة المحكية -
أي قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وفعله
وتقريره - من الحجج القطعية التي لا تخضع للتمحيص ،
كيف لا وهو كلام النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ؟
! وإنما الخاضع للتحقيق والتنقيب هو السنة الحاكية عن
رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، فلا عتب على
باحث أن يقوم بدراسة الحديث دراسة موضوعية قائمة على
أسس علمية وبلغة هادئة .
فهذا النمط من البحث لجدير
بالاهتمام والعناية من قبل الباحثين والمحققين لما فيه
من تقرير للسنة النبوية ، وتمحيصها عما ليس منها .
وها
نحن بحمد الله لم نختلف فيما جاء به النبي - صلى الله
عليه وآله وسلم - ، ولو كان هناك اختلاف فإنما هو في
ما روي عنه ، وهذا هو الذي أرشدنا إليه الإمام أمير
المؤمنين علي - عليه السلام - ، عندما قال له بعض
اليهود : ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم فيه ! ! فقال -
عليه السلام - له : « إنما اختلفنا عنه ، لا فيه ،
ولكنكم ما جفت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيكم : «
اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، فقال : إنكم قوم تجهلون
» .
( 1 )
| |
1 . نهج البلاغة ، قصار الكلمات ، برقم
317 . |
|
|
|