|
-
نظرية عدالة الصحابة - أحمد حسين
يعقوب ص 52
: |
|
4 - نظرية عدالة الصحابة تتعارض
مع روح الإسلام العامة
ومع حسن الخاتمة ومع الغاية من
الحياة نفسها فالله سبحانه وتعالى ما خلق الموت
والحياة ، وما خلق الأرض وما عليها إلا ليمتحن خلقه
أيهم أحسن عملا ، بدليل قوله تعالى : * (
إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى
الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ
أَحْسَنُ عَمَلًا ) * ( سورة
الكهف ) * ( الَّذِي خَلَقَ
الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ
أَحْسَنُ عَمَلًا ) * ( سورة الملك ) .
فالحياة وجدت لتكون ميدان
اختبار للمكلفين ، وكل ما في الحياة عنصر من عناصر
عملية الاختبار ، وتبدأ عملية الاختبار بالتكليف
المرتبط بالعقل والتمييز وتنتهي بالموت .
فإذا كان كل
الصحابة عدول لا يجوز عليهم كلهم الكذب ومحكوم
بنزاهتهم ، وأنهم جميعا من أهل الجنة وأنه لا يدخل أحد
منهم النار ، فهم خارجون تماما عن عملية الابتلاء ولا
داعي لامتحانهم ، وهذا يناقض الغاية من حياتهم إذ في
ذلك إيقاف لعملية الابتلاء الإلهية .
ثم إنها تناقض
روح الإسلام العامة لأن الإنسان في خسر إلا الذين
آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ،
فقدر المسلم أن يكون ملتزما بأوامر الله حتى يتوفاه
الله ، وأي خلل بهذا
الالتزام يخرجه من دائرة الإسلام ويجر عليه غضب الله
بحجم هذا الخلل ، والعبرة دائما بحسن الخاتمة .
فلو أن
مسلما التزم بأوامر الله
طوال حياته وقبل أن يموت
بيوم واحد كفر بالله ، لما أغنى عنه التزامه السابق
شيئا .
والرسول بفضل الله عليه على علم بما سيحدث بعده
، لذلك خاطب جميع المؤمنين في حجة الوداع قائلا : " لا
ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم أعناق بعض " . والخطاب
موجه للصحابة بالمعنيين اللغوي والاصطلاحي .
وروى
البخاري عن ابن عباس عن النبي قال : " إنكم تحشرون
حفاة عراة ، وإن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات اليمين
وذات الشمال فأقول : أصحابي أصحابي فيقول : إنهم لم
يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ، فأقول كما
قال العبد الصالح : وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم " .
وروى مسلم هذا الحديث بلفظ " ليردن علي ناس من أصحابي
حتى إذا عرفتهم اختلجوا من دوني فأقول أصحابي فيقول لا
تدري ماذا أحدثوا بعدك ؟ " .
وروى البخاري عن النبي
قال : " بينما أنا قائم ، فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم
خرج رجل من بيني وبينهم قال : هلم ، قلت : أين ؟ قال :
إلى النار والله ، قلت : وما شأنهم ؟ قال : إنهم
ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري ، فلا أراه يخلص منهم
إلا مثل همل النعم - أي القليل " .
وفي رواية أخرى أن
النبي قال : " يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي فيملأون عن الحوض فأقول : يا رب أصحابي ، فيقول : إنك
لا علم لك بما أحدثوا ، إنهم ارتدوا على أدبارهم
القهقري " .
وأخرج عن سهل بن سعد قال : قال النبي : "
ليوردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني ، ثم يحال بيني
وبينهم " . قال أبو حازم : فسمعني النعمان بن أبي عياش
فقال : هكذا سمعت من سهل فقلت : نعم ، فقال : أشهد على
أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها : " فأقول إنهم
مني ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول :
سحقا سحقا لمن غير بعدي " .
وأخرج من حديث ابن عباس
جاء فيه : " وإن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال
فأقول : أصحابي أصحابي فيقال
: إنهم لم يزالوا مرتدين
على أعقابهم منذ
فارقتهم " .
وأخرج أبو يعقوب في مسند عمر
مثل ذلك . وأخرج البخاري في باب غزوة الحديبية عن
العلاء بن المسيب عن أبيه قال : " لقيت البراء بن عازب
فقلت له : طوبى لك صحبت النبي ( صلى الله عليه وآله
وسلم ) وبايعته تحت الشجرة ، فقال : يا ابن أخي إنك لا
تدري ما أحدثناه بعده ) .
وأخرج عن عبد الله عن النبي
( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " أنا فرطكم على الحوض
وليرفض رجال منكم ثم ليختلجن دوني فأقول : يا رب
أصحابي فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " .
قال
البخاري تابعه عاصم عن أبي وائل وقال حصين عن أبي وائل
عن حذيفة عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
وأخرج عن أسماء بنت أبي بكر : " إني على الحوض حتى
أنظر من يرد علي منكم ، وسيؤخذ ناس دوني فأقول : يا رب
مني ومن أمتي ، فيقال : هل شعرت ما عملوا بعدك ؟ والله
ما برحوا يرجعون على أعقابهم " .
قال البخاري فكان ابن مليكة يقول : " اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا
ونفتن عن ديننا " .
هذا بعض ما نقلناه من البخاري
ومسلم وفي غيرهما كثير أعرضنا عنه خشية التطويل ( 1 )
.
تحليل هذه النماذج
: من النصوص ثبت من أحاديث رسول
الله التي سقناها قبل قليل أن قسما من الصحابة سيبدلون
من بعده وسيرتدون على أعقابهم وسيؤمر بهم إلى النار .
ومن أخرج هذه الأحاديث البخاري ومسلم ، وهما في نظر
المقلدين يأتيان بعد القرآن في الصحة والاعتبار ،
| |
( 1 ) راجع آراء علماء المسلمين
في التقية والصحابة وصيانة القرآن الكريم للسيد
مرتضى الرضوي ص
100 وما فوق . وراجع مسند الإمام أحمد ج 5 ص 50 و ج 1
ص 235 .
( * ) |
|
|
فيكف نوحد بين قولهم بأن
الصحابة كلهم عدول وكلهم في الجنة ولا يدخل أحد منهم
النار وبين هذه النصوص النبوية القاطعة والمتواترة
والتي يؤيدها واقع الحال ؟
وطالما أنه لا يمكن التوحيد
بين المزاعم والنصوص ، فإن نظرية عدالة كل الصحابة منقوضة من أساسها ، لأنها تتعارض مع الغاية من الحياة
وهي الابتلاء ، وتتعارض مع روح الإسلام التي تربط
الحياة القويمة بالعمل الصالح واستمرار التواصي بالحق
والصبر عليه وتتوج كل ذلك بحسن الخاتمة .
تهافت نظرية
عدالة كل الصحابة : روى ابن عرفة المعروف بنفطويه ، وهو
من أكابر المحدثين وأعلامهم كما جاء في شرح النهج
للمعتزلي : " إن أكثر الأحاديث في فضائل الصحابة قد
افتعلت في أيام بني أمية تقربا إليهم بما يظنون أنهم
يرغمون أنوف بني هاشم .
وقد صيغت بأسلوب يجعل من كل
صحابي قدوة صالحة لأهل الأرض وتصب على كل من سب أحدا
منهم أو اتهمه بسوء كما جاء
فيما رووه عن أنس بن مالك :
( من سب أحدا من أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة
والناس أجمعين ، ومن عابهم أو انتقصهم فلا تواكلوه ولا
تشاربوه ولا تصلوا عليه ) .
وقد جاءت بهذا الأسلوب ولم
تفرق بين صحابي وصحابي " .
عرض ولي الله بالنص ، وأخو
رسول الله بالنص ، وعميد آل البيت بالنص ، وباب مدينة
العلم النبي بالنص هو على الأقل صحابي يحمل هذا اللقب
كما يحمله غيره ، فما حكم من يسبه ويفرض سب علي
والانتقاص منه في جميع المقاطعات التي كانت تخضع لحكم
معاوية ؟
وما حكم الذين أطاعوا معاوية بسبه ؟ هل
يشملهم هذا الحديث الآنف ؟
وعند ما نصحه بعض خلصائه
للتوقف عن سب علي وشيعته قال : والله لا أدع سبه وشتمه
حتى يهرم عليه الكبير ويشب عليه الصغير .
وقد بذل
للصحابي أبي سمرة بن جندب خمسمائة ألف درهم ليروي له
عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن الآية * (
وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا
فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا
تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا
وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ
يُحِبُّ الفَسَادَ ) * نزلت في علي بن أبي طالب .
وأن الآية *
( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي
نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ
) * نزلت
في عبد الرحمن بن ملجم لأنه قتل عليا عليه السلام .
فما لهذه النظرية تفرق بين صحابي وصحابي وتطبق على
أناس ولا تطبق على الآخرين ؟
ولا عاقل في الدنيا ينفي
أن شتم علي وآله قد فرضته الدولة على كل رعاياها وأنهم
قد شاركوا الدولة هذا الإثم رهبة أو رغبة .
|