- نظرية عدالة الصحابة - أحمد حسين يعقوب  ص 47 :

 3 - نظرية عدالة كل الصحابة ينقضها واقع الحال .


المثال الأول حصل معاوية على البيعة بالتقتيل والتدمير والتحريق وشتمه أنصار رسول الله ، واستغل أموال المسلمين التي جمعها خلال عشرين عاما بولايته على الشام لتوطيد سلطانه بعد أن أخرج أموال المسلمين عن مصارفها الشرعية . ورتب معاوية عطاء

  ( 1 ) راجع المرجع السابق ج 3 ص 15 و 16 من مروج الذهب للمسعودي . ( * )  
 

- ص 48 -

اسمه : رزق البيعة يعطى للجند عند تعيين خليفة جديد ( 1 ) . وتأكد أن المطلب الحقيقي لمعاوية هو الملك عندما كتب وصيته من بعده ليزيد ابنه وأخذ له البيعة بالقوة ( 2 ) ، وأمره على صحابة رسول الله بالرغم من مجونه وقلة دينه وسوء خلقه .

المثال الثاني أوصى معاوية بن أبي سفيان ابنه يزيد : " إذا ثار أهل المدينة فأرسل إليهم مسلمة بن عقبة " ، وكان مع مسلمة قائمة بأسماء الطاهرين من الصحابة ليقتلهم واحدا واحدا واحدا .

ويدخل عقبة عاصمة النبي ويفعل الأفاعيل التي تضج منها السماء ، مروان دليل الجيش يؤشر وعقبة وجيشه المظفر ينفذ ويعدم بغير رحمة ، وتم تنفيذ أبشع مجزرة وكان من نتيجة هذه الوصية أن :

 1 - أبيد من حضر من البدريين بالكامل .
 2 - أبيد من قريش ومن الأنصار سبعمائة رجل .
 3 - أبيد من الموالي والعرب عشرة آلاف . كان ذلك سنة 63 ه‍ في وقعة الحرة . هنالك قال عبد الله بن
عمر : " نحن مع من غلب " وتحول قوله إلى قاعدة دستورية وكان معتزلا عندما اشتد الصراع بين علي ومعاوية ( 3 ) .


المثال الثالث أرسل معاوية بسر بن أرطأة في ثلاثة آلاف سنة 40 ه‍ وقدم المدينة فصعد المنبر وتهدد أهل المدينة بالقتل فأجابوه إلى بيعة معاوية ، ومضى بسر إلى مكة ثم

  ( 1 ) راجع نظام الحكم للقاسمي ص 283 .
( 2 ) راجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام ص 182 .
( 3 ) راجع نتائج معركة الحرة في كل كتب التاريخ وتأكد من صحة هذه النتائج وراجع على سبيل المثال الإمامة والسياسة لابن قتيبة
 
 

- ص 49 -

سار إلى اليمن ولم يجد واليها عبيد الله بن العباس ووجد طفليه الصغيرين عبد الرحمن وقلم فقتلهما بسر وقتل معهما خالا لهما من ثقيف ، وقتل بالمدينة وبين المسجدين خلقا كثيرا ، وكذلك بالجوف قتل بها خلقا كثيرا من رجال همدان وقتل بصنعاء خلقا كثيرا من الأبناء . ولم يبلغه عن أحد أنه يمالئ عليا أو يهواه إلا قتله ( 1 ) .

وكانت جويرية أم ابني عبيد الله بن العباس اللذين قتلهما بسر تدور حول البيت ناشرة شعرها وترثيهما بعاطفة تذيب الصلخد الصلد ( 2 ) .


المثال الرابع ذكر أن امرأة الحسن بن علي عليه السلام جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي سقته السم ، وكان معاوية دس إليها : إنك إن احتلت في قتل الحسن وجهت إليك بمائة ألف درهم وزوجتك من يزيد ، فكان ذلك الذي بعثها على سمه . فلما مات الحسن وفى لها معاوية بالمال وأرسل إليها : " إنا نحب حياة يزيد ولولا ذلك لوفينا لك بتزويجه " . وذكر أن الحسن قد قال عند موته : " لقد حاقت شربته وبلغ أمنيته والله لا وفى لها بما وعد ، ولا صدق فيما قال " .

عن العباس بن عبد المطلب قال : كنت عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إذ أقبل علي بن أبي طالب ، فلما رآه أسفر عن وجهه فقلت يا رسول الله إنك لتسفر في وجه هذا الغلام فقال : " يا عم رسول الله والله لله أشد حبا له مني ، إنه لم يكن نبي إلا وذريته الباقية بعده من صلبه ، وإن ذريتي بعدي من صلب هذا . . . " ( 3 ) .

وممن سمهم معاوية عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وذلك عند ما شاور أهل الشام فيمن يعقد له من بعده فقالوا : رضينا بعبد الرحمن ، فشق ذلك على معاوية فسمه ( 4 ) .

وهذا ما فعله مع عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق .

  ( 1 ) راجع الإمامة والسياسة وراجع مروج الذهب للمسعودي ج 3 ص 26 .
( 2 ) راجع مروج الذهب ص 27 .
( 3 ) راجع مروج الذهب للمسعودي ص 477 ج 2 .
( 4 ) راجع ترجمته في الاستيعاب وراجع ص 175 من كتاب شيخ المضيرة
. ( * )
 
 

- ص 50 -

المثال الخامس : الفرحة الكبرى حدث محمد بن جرير الطبري عن محمد بن حميد الرازي عن علي بن مجاهد عن محمد بن إسحاق عن الفضل بن عباس بن ربيعة قال : وفد عبد الله بن العباس على معاوية قال : فوالله إني لفي المسجد إذ كبر معاوية في الخضراء ، فكبر أهل الخضراء ثم كبر أهل المسجد بتكبير أهل الخضراء ، فخرجت فاختة بنت قرظة بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف من خوخة لها فقالت : سرك الله يا أمير المؤمنين ما هذا الذي بلغك فسررت به ؟ فقال معاوية : موت الحسن بن علي ، فقالت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثم بكت وقالت : مات سيد المسلمين وابن بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال معاوية : نعما والله ما فعلت ، إنه كان كذلك أهلا أن تبكي عليه . ثم بلغ الخبر ابن عباس فراح فدخل على معاوية ، قال : علمت يا ابن عباس أن الحسن توفي ؟ قال : ألذلك كبرت ؟ قال : نعم ( 1 ) .


المثال السادس تقدم الجيش بقيادة الصحابي عمرو بن سعد بن أبي وقاص . . . ولما تكاثرت العساكر على الحسين عليه السلام أيقن أنه لا محيص له ، فلم يزل يقاتل حتى قتل . وكان الذي تولى قتله رجل من مذحج وأخذ رأس الحسين وانطلق به إلى ابن زياد وهو يقول :

أوقر ركابي فضة وذهبا * أنا قتلت الملك المحجبا
قتلت خير الناس أما وأبا * وخيرهم إذ ينسبون نسبا

فسلبوه جبته وحذاءه كما يروي البلاذري في أنساب الأشراف ، ولم يكتفوا بذلك إنما أمر الصحابي عمرو بن سعد بن أبي وقاص أن يوطئوا خيلهم جثة الحسين فانتدب لذلك إسحاق بن هبيرة الحضرمي في نفر منه فوطئوه بخيلهم ( 2 ) . وعاد

  ( 1 ) راجع مروج الذهب للمسعودي ج 2 ص 478 - 479 .
( 2 ) راجع مقتل الحسين في أنساب الأشراف للبلاذري
. ( * )
 
 

- ص 51 -

عمرو بن سعد بن أبي وقاص مظفرا بعد أن أباد ذرية محمد وماتوا وهم عطشى وبجانبهم الفرات حلال حتى للكلاب وحرام على ذرية محمد . المثال السابع والأخير قال الحسن عليه السلام أثناء اجتماعه بمعاوية : " . . . يا أهل الكوفة لو لم تذهل نفسي عنكم إلا لثلاث خصال لذهلت : مقتلكم أبي ، وسلبكم ثقلي ، وطعنكم في بطني ، وإني قد بايعت معاوية . . . ) ( 1 )

وكان عليه السلام بعد تولي الخلافة قد خرج في جيش قوامه اثني عشر ألفا وعسكر في المدائن فقام بعض من معه بمباغتته وسلبوه رحله ، وتفرقوا عنه وخذلوه ، بل أن بعضهم أراد أن يوثقه ويسلمه لمعاوية موثقا ، وبعضهم أراد قتله . تحليل هذه الأمثلة التقتيل والتدمير والتحريق وإبادة البدريين وقتل أحد عشر ألف مسلم بيوم واحد من أهل المدينة المنورة بلا ضرورة أمر يناقض العدالة .

وقتل الأطفال وقتل كل من يظن أنه يهوى ولي الله علي أمر لا يتفق ودعوى العدالة .

وسم الحسن ، وقتل الحسين ، والدوس على جثته الطاهرة بسنابك الخيل وإبادة آل محمد ومنعهم من أن يشربوا من ماء الفرات أمر يناقض الزعم بالعدالة .

هذه الأمور وأمثالها مما لا يحصى تنقض بوقوعها مزاعم كل الذين يقولون إن الصحابة كلهم عدول وإنهم كلهم من أهل الجنة ولا يدخل أحد منهم النار ، لأننا لو قلنا بذلك لكان فيه مكافأة للذين انتهكوا محارم الله .

إن سم الحسن وقتل الحسين وإبادة أهل البيت ، وإبادة أفاضل الصحابة لا يمكن أن يكون اجتهادا إنما هو عدوان . ومن يفعل ذلك لا يمكن أن يكون من العدول بكل المعايير العقلية والدينية ووفق كل الشرائع الوضعية التي عرفها البشر ، يترفع أي قائد أمريكي أو فرنسي أو روسي أو وثني من أن يقوم بقتل طفلين صغيرين في غياب أبيهما كما فعل ابن أرطأة ،

  ( 1 ) راجع مروج الذهب . ( * )  
 

- ص 52 -

فقتل الطفلين لا يقدم ولا يؤخر في ملك معاوية أو ملك ابنه .

وهذا العمل بكل المقاييس عمل وحشي لا يمكن تبريره ، فهل يعقل أن من يقوم بهذا العمل أو يأمر به من الصحابة العدول ؟ وهل يعقل أن يدخله الله الجنة ؟

نعم بالتقليد يقبل كل غريب ولكن وفق قواعد الشرع الحنيف فإنه غير مقبول . ومن هنا فإن واقع الحال وما جرى بعد وفاته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ينقض نقضا كاملا نظرية كل الصحابة عدول لأن ما جرى يناقضها .

وما وجدت هذه النظرية أصلا إلا لغايات سياسية ، كما سنثبت ذلك ولتغطية الخروج على الشرعية ولتبرير توسيد الأمر لغير أهله والله غالب على أمره ثم تناقل الناس هذه النظرية تقليدا كتناقل الأزياء .

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب