|
-
نظرية عدالة
الصحابة - أحمد حسين يعقوب ص 257
: |
|
الفصل السادس بتنصيب الإمام كمل الدين وتمت النعمة
بعد أن نصب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عليا بن
أبي طالب أمام هذا الجمع الحاشد إماما وخليفة على أمته
كمل الدين وتمت النعمة الإلهية ، فالمنظومة الحقوقية
الإلهية مكتملة ، والولي من بعد النبي ( ص ) قد نصب ،
فيمكن للنبي أن يترك الدنيا وهو مطمئن على دينه وعلى
أمته ، فما على الولي المنصب علي إلا أن يتابع المشوار
وفق المنهج الذي علمه النبي إياه طوال ثلاث وعشرين
عاما .
وبعد أن نصب النبي خليفة من بعده نزلت آية
الإكمال ( 1 ) :
| |
(
1 ) ترجمة علي بن أبي طالب من
تاريخ دمشق لابن عساكر ج 2 ص 75 ح 575 - 578 و
585 وشواهد التنزيل للحسكاني الحنفي ج 1 ص 157 ح 211 -
215 ومناقب علي لابن المغازلي ص 19 ح 24 وتاريخ بغداد
للخطيب البغدادي ج 8 ص 290 والدر المنثور للسيوطي ج 2
ص 259 والإتقان للسيوطي ج 1 ص 21 والمناقب للخوارزمي ص
80 وتذكرة الخواص للسبط بن الجوزي ص 30 وتفسير ابن
كثير ج 2 ص 14 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 115
وفرائد السمطين للحمويني ج 1 ص 72 و 74 و 315 ، وتاريخ
اليعقوبي ج 2 ص 35 والغدير للأميني ج 1 ص 230 وكتاب
الولاية لابن جرير الطبري وصاحب التاريخ ، ومفتاح النجا للبرخشي ، وما نزل من القرآن في علي لأبي نعيم الأصبهاني ، وكتاب الولاية لأبي سعيد السجستاني
والخصائص العلوية لأبي الفتح النطنزي وتوضيح الدلائل
على ترجيح الفضائل لشهاب الدين أحمد وتاريخ
ابن كثير
الدمشقي ج 5 ص 210 والمناقب لعبيد الله الشافعي ص 106
مخطوط والكشف والبيان للثعلبي مخطوط وروح المعاني للآلوسي ج 6 ص 55 والبداية والنهاية لابن الأثير ج 5 ص
213 و ج 7 ص 349 وأما الشيعة فهم مجمعون على ذلك راجع
ملحق المراجعات ص 188 -
189 . ( * ) |
|
|
* (
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) * ( 1 ) .
فلو أن النبي فارق
الدنيا ولم ينصب الإمام والخليفة من بعده ولم يبين
كيفية انتقال منصب الإمام لنا في ذلك كمال الدين وتمام
النعمة ، لأن الإمام هو القائم مقام النبي ، والنبي هو
أساس نظام الدين ونظام الدنيا وهو محور كل تحرك .
وقد
اكتشف الحكام ذلك ، فلم يصدف على الاطلاق أن مات حاكم
دون أن يعين عمليا الحاكم " الخليفة الذي يليه " ،
وقالوا : إن هذا حق مطلق لهم ، أنظر إلى قول ابن خلدون
عن الخليفة : " فهو وليهم والأمين عليهم ينظر لهم ،
ذلك في حياته ويتبع ذلك أن ينظر لهم بعد مماته ويقيم
لهم من يتولى أمورهم كما كان هو يتولاها ويثقون بنظره
لهم في ذلك ، كما وثقوا به في ما قبل . . . " ( 2 ) .
فإذا لم يعين الخليفة القائم من يخلفه من بعده لكان
موضع لوم ، أنظر بربك إلى قول عبد الله بن عمر لأبيه :
" يا أمير المؤمنين استخلف على أمة محمد ، فإنه لو
جاءك راعي إبلك أو غنمك وترك إبله أو غنمه لا راعي لها
للمته وقلت له : كيف تركت أمانتك ضائعة ، فكيف يا أمير
المؤمنين بأمة محمد " ( 3 ) .
ثم انظر قول عائشة أم
المؤمنين لعبد الله بن عمر : " يا بني أبلغ عمر سلامي
وقل له : لا تدع أمة محمد بلا راع ، استخلف عليهم ولا
تدعهم بعدك هملا ، فإني أخشى عليهم الغشة . فأتى عبد
الله فأعلمه فقال : ومن تأمرني أن أستخلف ؟ . . الخ "
( 4 ) .
كل الخلفاء طوال التاريخ أدركوا بأن ترك
الخليفة القائم للأمة دون أن يعين من يخلفه عمل ينافي
الحكمة ويفتح باب الفتنة ويعرض من يفعل ذلك اللوم ،
كما
| |
(
1 ) سورة المائدة آية 3
.
( 2 ) راجع مقدمة ابن خلدون
فصل 30 ص 120 . |
(
3 ) راجع مروج الذهب
للمسعودي ج 2 ص 353 .
( 4 ) راجع الإمامة والسياسة
لابن قتيبة ص 23 . ( * ) |
|
|
يتعرض الراعي عندما يترك غنمه أو إبله .
وعائشة أم
المؤمنين امرأة أدركت ذلك وقد بينت ذلك في باب
المرجعية ووثقته .
لهف نفسي على الإسلام فكيف يدرك كل
هؤلاء الناس هذه الناحية ولا يدركها رسول الله ؟ !
كيف
يؤتمن كل حاكم على تعيين من يليه ولا يؤتمن رسول الله
؟ !
كان أمام الذين أعماهم التقليد واحد من طريقين :
إما دين محمد كما بينه للناس ، وإما الدين كما فهمه
الحكام ، فاختاروا دين الحكام لأنهم مع من غلب : " نحن
مع من غلب " .
تلك مقولة عبد الله بن عمر التي تحولت
إلى نص شرعي ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، فمن يعينه
الحاكم من بعده سيحكم ومن يغلب كائنا من كان يحكم أمة
محمد ! ! ولله عاقبة الأمور .
الترتيب الإلهي لانتقال
منصب الإمام بعد وفاة الولي
الله أنزل القرآن كرسالة
وعقيدة إلهية إلى بني البشر ، وكضرورة من ضرورات بيان
وتوضيح هذه العقيدة أنزل هذا القرآن على محمد ( ص )
بالذات لأنه المعد من قبل الله ليكون الأعلم بالعقيدة والأفهم لأحكامها ، تلك العقيدة التي هي بمثابة
المجموعة القانونية النافذة .
ولأنه هو الأفضل من بين
أتباع هذه العقيدة ولأنه من جهة ثالثة هو الأنسب
لقيادة هؤلاء الأتباع في الحال والمال .
ومن هنا فقد
كان النبي هو مرشد الدعوة وعندما تمخضت الدعوة عن دولة
ترأس محمد الدعوة بنفسه .
وسيرة محمد سنة وجزء من
العقيدة سواء قوله أو فعله أو تقريره ولا أحد في
الدنيا كلها ينوب عن محمد بهذه المهمة ولا أحد يغني
عنه أو يسد مسده أثناء حياته المباركة . محمد كمرشد
للدعوة ، وكقائد للدولة هو مركز الدائرة وقائد الأمة
ومرجعها في كافة الشؤون الدينية والدنيوية . من هو
صاحب الإختصاص بتعيين النبي الإمام ؟
إن صاحب الإختصاص
بتعيين الإمام هو الله سبحانه وتعالى لأن أول ولي
وإمام ورئيس للدولة الإسلامية هو محمد ( صلى الله عليه
وآله ) وقد
عينه
الله في هذا المنصب ، لأنه هو الأعلم بالعقيدة والأفهم
لأحكامها ، والأفضل بين أتباعها
والأنسب لقيادة هؤلاء الأتباع وتطبيق أحكام العقيدة
عليهم ، ولأنه لا أحد يعرف على وجه الجزم واليقين
المتصف بهذه الصفات إلا الله لذلك حصر بنفسه حق اختيار
هذا الإمام أو المرجع أو الولي وتقديمه للناس ، وخول
هذا الإمام صلاحية بيان العقيدة في كل زمان وصلاحية
المرجعية وصلاحية الجمع بين الولاية على الأتباع
والمرجعية في الدين والدنيا والحكم بين الناس على ضوء
أحكام هذا الدين عليه .
من هو هذا الإمام ؟
إمام الأمة
في كل زمان هو عميد أهل بيت النبوة ، لماذا عمادة أهل
البيت بالذات ؟ لأن القرآن ثقل وأهل البيت ثقل آخر ،
وإن الهداية لا تدرك إلا بالتمسك بالثقلين ، والضلالة
على المدى البعيد وبالنتيجة لا يمكن تجنبها إلا
بالتمسك بالثقلين وهذا ليس اجتهادا إنما هو نص شرعي
ثابت في القرآن والسنة بفروعها الثلاثة القول والفعل
والتقرير ( 1 ) ، ولأن الله يبين لنا أنهم للمسلمين
بمثابة سفينة نوح من ركبها في كل زمان نجا ومن تخلف
عنها غرق ( 2 ) ، ولأنهم من جهة ثالثة الأمان من
الاختلاف وقد أعدهم الله لذلك ( 3 ) ، ولأنهم ذرية
محمد فكل نبي من الأنبياء جعل الله ذريته في
| |
(
1 ) راجع على سبيل المثال : راجع
صحيح الترمذي ج 5 ص 328
، وصحيح مسلم باب فضائل
علي ج 2 ص 362 و 15 ص 181 بشرح النووي وتفسير
ابن كثير ج 4 ص 113 ومصابيح
السنة للبغوي ص 206 وجامع الأصول لابن الأثير ج 1 ص
187 وإحياء الميت للسيوطي
بهامش الإتحاف ص 114 والفتح
الكبير للنبهاني ج 1 ص 503 والصواعق المحرقة لابن حجر
ص 147 و 226 والدر المنثور للسيوطي ج 6 ص 6 و 306
وذخائر العقبى للطبري ص 16 والمعجم الصغير للطبراني ج
1 ص 135 وكنز العمال ج 1 ص 154 والطبقات لابن سعد ج 2
ص 194 والسيرة الحلبية ج 3 ص 321 الهامش لزين وحلاق
وخصائص أمير المؤمنين للنسائي ص 21 . . . . . الخ .
(
2 ) رجع
على سبيل المثال :
تلخيص
المستدرك للذهبي بذيل المستدرك والصواعق المحرقة لابن
حجر ص 184 و 234 وتاريخ الخلفاء للسيوطي وإسعاف
الراغبين للصبان الشافعي ص 109 ومجمع الزوائد للهيثمي
ج 9 ص 168 والمعجم الصغير للطبراني ج 2 ص 22 وحلية
الأولياء لأبي نعيم ج 4 ص 306 والجامع الصغير للسيوطي
ج 2 ص 132 ومسند الإمام أحمد ج 5 ص 92 الهامش.
( 3 )
راجع الصواعق المحرقة لابن حجر ص 140 وإحياء الميت
للسيوطي بهامش وذخائر العقبى
للطبري ص 17 والجامع الصغير
للسيوطي ج 2 ص 161 والفتح
الكبير للنبهاني ج 3 ص 367 ومسند الإمام أحمد ج 5 ص 92
وإسعاف الراغبين للصبان الشافعي
بهامش نور
الأبصار ص 128 . . . . .
الخ . ( * ) |
|
|
صلبه وجعل ذرية محمد في صلب علي ومن بطن فاطمة ( 1 )
.
من هو صاحب الاختصاص بتعيين الخليفة من بعد النبي
الإمام ؟
الأعلم بالعقيدة والأفهم لأحكامها والأفضل
بين أتباعها والأنسب لقيادة هؤلاء الأتباع وتطبيق
أحكام العقيدة لا أحد يعرفه على وجه الجزم واليقين إلا
الله سبحانه وتعالى ، لذلك فهو المختص بتعيين الخليفة
من بعد النبي ومن هنا فإن الله قد اختار عليا بن أبي
طالب خليفة وإماما ومرجعا للأمة بعد نبيها وأمر الله
رسوله أن يعد خليفته وأن يوطد له ، حتى أصبح الأعلم
بعد النبي ، والأفهم بعد النبي والأفضل بعد النبي
والأنسب بعد النبي ، وهو المؤهل والمخول بممارسة كافة
الوظائف الدينية والدنيوية التي كان يمارسها رسول
باستثناء النبوة فلا نبي بعده ، وقد بين الله لنا من
خلال رسوله أن عليا مع الحق والحق مع علي يدور حيث دار
لذلك هو موضع ثقة على حد تفسير ابن خلدون في الفصل
30 من مقدمته .
من هو
المختص بتعيين الخليفة الذي يلي خليفة النبي
طالما أن
الخليفة بعد النبي مباشرة " علي بن أبي طالب " على
الحق ومع الحق ، وأن الحق معه يدور حيث دار ، وطالما
أنه مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان حتى يردا الحوض
على النبي ( ص ) ، وطالما أنه الأفضل والأنسب بين
الأتباع والأعلم والأفهم بشهادة الله ورسوله فهو
المخول بتعيين الخليفة الذي يليه ، وكل إمام يعين بنص
من سبقه فهم أبناء النبي بنص القرآن الكريم وآية
المباهلة تصفع كل مكابر على وجهه وتلوي أنفه ، فعندما
نزل قوله تعالى : * ( فَقُلْ
تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ
وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ
ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى
الْكَاذِبِينَ ) * ( 2 ) ، وقد
| |
( 1 ) راجع
الصواعق المحرقة ص 112 و ج 3 ص 164
من الحاكم وقال إنه جمع وراجع كنز العمال ج 6 ص 152
والمناقب للخوارزمي ص 27 .
( 2 ) آية 61 من سورة آل
عمران .
( * ) |
|
|
أجمعت الأمة على أن هذه الآية نزلت على النبي ( ص )
في فاطمة والحسن والحسين ( عليهم السلام ) ( 1 ) ،
فالحسن والحسين بحكم هذه الآية وحدهما أولاده فبأي
حديث بعده تؤمنون ؟ ! وأي لغة يمكن أن تحملنا على ترك
التقليد واتباع الحق وإعمال العقل ! ! .
ولأنهم على
الأقل من قريش ، وقريش عشيرة النبي ( ص ) والخلافة في
قريش ( 2 ) ، وناصية قريش بالنص الشرعي هم بنو هاشم ،
وناصية هاشم هم بنو عبد المطلب ، وناصية عبد المطلب هم
محمد وأهل بيته ( 3 ) ، لأن الله قد طهرهم ، وآية
التطهير لا تخفى على أحد ، فإن قالوا إنها في النساء
فكيف تكون أزواج الرجل طاهرات وأولاده غير ذلك ! ! أو
على الأقل من باب رد الإحسان لأنهم حوصروا ثلاث سنين
في شعاب أبي طالب .
| |
(
1 ) راجع صحيح مسلم ب
فضائل علي ج 2 ص 360 و ج 15 ص 176 بشرح النووي وصحيح
الترمذي ج 4 ص 293 والمستدرك
على الصحيحين للحاكم ج 3 ص 150 وصححه ومسند
الإمام أحمد ج 1 ص 185 وترجمة علي من
تاريخ دمشق لابن عساكر ج
1 ص 21 وتفسير الطبري ج
3 ص 299 و 300 والكشاف للزمخشري ج 1 ص 368 - 370 وتفسير
ابن كثير ج 1 ص 370 - - 371 وتفسير القرطبي ج 4 ص 104
وأحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 295 - 296 وأسباب النزول للواحدي ص 59 وأحكام القرآن لابن عربي ج 1 ص 275
والتسهيل لعلوم التنزيل للكلبي ج 1 ص 109 وزاد المسير
لابن الجوزي ج 1 ص 399 وفتح القدير للشوكاني ج 1 ص 347
وتفسير الفخر الرازي ج 2 ص 699 وتاريخ الخلفاء للسيوطي
ص 196 والدر المنثور للسيوطي ج 2 ص 38 - 39 والصواعق
المحرقة لابن حجر ص 72 والمناقب للخوارزمي ص 60 و 96
والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 110 وأسد الغابة
لابن الأثير ج 4 ص 26 والإصابة لابن حجر العسقلاني ج 2
ص 509 ومشكاة المصابيح للعمري . . . . الخ .
( 2 )
راجع كنز العمال ج 12 ص 25 نقله عن
أحمد
في مسنده وعن
الطبراني في
الكبير والبيهقي في السنن وعن الحاكم في المستدرك وقد
روى قرابة مائة حديث تفيد أن الأمر في قريش وقد روى
هذه الأحاديث كل أصحاب السنن راجع الأحاديث 33789 -
33890 ج 12 من الكنز .
( 3 ) كنز العمال ج 2 ص 43 نقله
عن الحاكم في مستدركه وعن البيهقي في سننه وعن
الطبراني في الكبير وعن ابن عساكر فراجع ج 12 ص 43 و
58 من الكنز للمتقي الهندي
. ( * ) |
|
|
وهؤلاء الأئمة اثنا عشر ( 1 ) وهؤلاء هم الأئمة
الأطهار وليسوا الحكام ، لأن الحكام من قريش بالمئات
وليسوا اثني عشر فقط ( 2 ) .
الحكمة من حصر الإمامة
بأولاد محمد لأن الله طهرهم وأعدهم لذلك فلا خطر على
الأمة منهم ، ولقطع دابر التنافس والخلاف على منصب
الإمامة إذ بغيرهم يتحول الملك لمن غلب ، فيحكم أمة
محمد الغالب بغض النظر عن دينه وعلمه وأمانته ، فإذا
كان منصب الإمام محصور بعمادة أهل البيت تطيب نفوس
الجميع لأن حاكمهم هو ابن النبي ( ص ) ، فيعم
الاستقرار وتهنأ النفوس وتهدأ الأطماع .
دور الأمة
بتعيين الإمام .
الأمة المؤمنة الجادة الصادقة الواعية
تبحث عن الأعلم بالعقيدة والأفهم لأحكامها ، لأن هذه
العقيدة هي المنظومة الحقوقية الإلهية ، وهي بمثابة
القانون النافذ والمسؤول الأول عن تطبيق هذا القانون
هو الإمام ، فإذا لم يكن الإمام هو الأعلم والأفهم
فيقع المحظور
.
الأمة من جهة ثانية تبحث
عن أفضل أفرادها لأن من مصلحة الجميع ومن بواعث فخر
الجميع أن يحكم الأفضل ، والأمة العاقلة المؤمنة
الواعية تبحث عن الأنسب ليقودها على درب الله ولا
يستطيع أي فرد من أفرادها ، ولا أي جماعة من جماعاتها
ولا هي مجتمعة أن تعرف على سبيل الجزم واليقين من هو
الأعلم والأفهم والأفضل والأنسب . إن يعرف ذلك على وجه
الجزم واليقين هو الله سبحانه وتعالى ، لذلك رحمة
بعباده المؤمنين يتلطف فيخبرهم على وجه الجزم واليقين
أن هذا هو صاحبكم الذي تبحثون عنه وهو المؤهل لقيادتكم
وقيادة مسيرة الإيمان في العالم .
| |
(
1 ) راجع كنز العمال ج
12 ص 24 وقد نقله عن البخاري ومسلم .
( 2 ) ويمكن لمن أراد معرفة أسماء حكام قريش وعددهم أن
يراجع مروج الذهب للمسعودي
. ( * ) |
|
|
وكأمة مؤمنة عاقلة واعية تقبل التكييف الإلهي بأن
هذا هو الأعلم والأفهم والأفضل والأنسب، وتفرح لأنها
عثرت على بغيتها فتقبل عليه وتبايعه بالرضى لا
بالإكراه ليكون إماما لها وقائدا لمسيرتها ، وبمجرد
تمام البيعة يصبح الإمام الذي رشحه الله هو القائد
الشرعي والفعلي للأمة ، ويتعاون مع الأمة لوضع
المنظومة الحقوقية الإلهية موضع التطبيق .
الانفكاك
بين الواقع والشرعية أما إذا لم تقبل الأمة بالتكييف
الإلهي بأن هذا الذي قدمه الله هو الأعلم والأفهم
والأفضل والأنسب لقيادتها ، وفتشت لنفسها وبقدراتها عن
شخص آخر اعتقدت أنه الأفضل والأنسب لقيادتها ، عندئذ
تحدث عملية انفكاك بين الشرعية والواقع فيكون الحاكم
القابض على مقاليد الأمور فعليا شخص والإمام المعين من
قبل الله شخص آخر لا سلطة بيديه ، ويتعذر عليه أن
يتأمر على أناس لا يقبلون به ، ودينه يمنعه من اللجوء
إلى أساليب
غير شرعية للوصول إلى
السلطة ومع الأيام يستحوذ الحاكم على السلطة والمرجعية
، فيزعم بأنه خليفة النبي والقائم مقامه ومن يعارض ذلك
يهز الحاكم بوجهه عصا السلطة .
فالحسين بن علي بن أبي
طالب إمام بالنص ، وولي بالنص ، ومرجع بالنص ، وهو
القدوة في زمانه بالنص . ولكن الأمة رغبة أو رهبة
بايعت يزيد بن معاوية فأصبح يزيد هو الحاكم الواقعي (
الخليفة ) . أما الحسين فهو الإمام الشرعي ولكنه غير
قادر على ممارسة صلاحياته لأن يزيد استولى عليها
بالقوة والغصب ، وسكتت الأمة عليه وبايعته طوعا أو
كرها وأدارت ظهرها لإمامها الشرعي ، وعلى الحسين أن
يقبل بالأمر الواقع أو يواجه قوة السلطة التي تتدرج
بالضغط عليه بكل وسائل الدولة وإمكانياتها التي قد تصل
إلى إنزال عقوبة الموت بالإمام .
فالسلطة بمثابة زوجة
شرعية للإمام الحسين ولكل إمام معين وفق الشرع ، وهذه
الزوجة الفاتنة تحب زوجها وتخلص له لأنه أهل لها .
فجاء الحاكم وبالقوة والغلبة والقهر ، واغتصب الزوجة
من زوجها وأجبرها على معاشرته بالقوة ، لأن الحاكم
يدرك أن جسد الزوجة له وقلبها معلق بزوجها
الشرعي ، فإن هذا الحاكم لن يهنأ قبل أن يموت هذا
الزوج الشرعي ، حتى يستحوذ على قلب زوجته وجسدها معا
وحتى لا تعود الزوجة لزوجها الشرعي خلسة .
الأئمة
الشرعيون
1 - علي بن أبي طالب
2 - الحسن بن علي
3 -
الحسين بن علي
4 - زين العابدين بن الحسين
5 - ابنه
محمد الباقر
6 - ابنه جعفر الصادق
7 - ابنه موسى
الكاظم
8 - ابنه علي الرضا
9 - ابنه محمد الجواد
10 -
ابنه علي الهادي
11 - ابنه الحسن العسكري
12 - ابنه
محمد بن الحسن المهدي
استكشاف المستقبل أمام الولي
وخليفة النبي أدى رسول الله الأمانة ، وبلغ الرسالة ،
وبين كل شئ ، ونصب ولي عهده وخليفته من بعده ، كما
أمره الله ، وبلغ أفراد الأمة وجماعاتها بذلك ، ثم
أعلن القرار الإلهي أمام مائة ألف مسلم ، وهنأ الجميع
عليا بذلك وعلى رأس المهنئين عمر بن الخطاب ، ولاح أن
كل شئ في مكانه الصحيح ، وأن الأمور ستجري رخاء وبريح
ملائمة .
ولم يكتف النبي بذلك ،
إنما نقل أصحابه ذهنيا معه وكشف أمامهم بعض مضايق
المستقبل ، فقال أمام كبار أصحابه وفيهم أبو بكر وعمر
: إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على
تنزيله فاستشرف لها القوم وفيهم أبو بكر وعمر . قال
أبو بكر : أنا هو ؟ قال النبي : لا ، قال عمر : أنا هو
؟ قال النبي : لا ولكنه خاصف النعل يعني عليا . قال
أبو سعيد الخدري : فبشرناه فلم يرفع رأسه كأنه قد كان
سمعه من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) " ( 1 ) .
| |
(
1 ) راجع مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي
ج 1 ص 64 والمناقب للخوارزمي الحنفي ص 183 ونظم درر السمطين للزرندي الحنفي ص 115 وترجمة علي من
تاريخ
دمشق لابن عساكر ج 3 ص 137 وقريب منه في
خصائص النسائي
ص 131 ومسند الإمام أحمد ج 5 ص 37 الهامش وحلية
الأولياء ج 1 ص 67 وأسد الغابة ج 3 ص 282 والرياض
النضرة للطبري ج 2 ص 252 و 253 وذخائر
العقبى ص 67 ومناقب علي
لابن المغازلي ص 298 وشرح النهج لابن أبي
الحديد بتحقيق أبي الفضل ج 2 ص 277 ومجمع
الزوائد ج 9 ص 33 وتاريخ
الخلفاء للسيوطي ص 173 والصواعق
المحرقة لابن حجر ص 74 والإصابة
للعسقلاني ج 2 ص 392 وكنز
العمال ج 15 ص 94 . . . . الخ وراجع
ملحق المراجعات ص 161 -
162 . ( * ) |
|
|
وها هو النبي يكشف لخليفته الأمور فيقول له : أما
أنت ستلقى بعدي جهدا . فقال علي : في سلامة ديني ؟ قال
النبي : نعم في سلامة دينك ( 1 ) .
ولم يكتف النبي
بذلك ، إنما أخبر وليه وخليفته من بعده أن الأمة ستغدر
به بعد وفاته ( 2 ) . والأهم أنه سيقاتل ، إذ قال له
النبي : " يا علي ستقاتلك الباغية وأنت على الحق ، فمن
لم ينصرك يومئذ فليس مني " ( 3 ) .
ويحاول النبي بكل
جهوده لتنبيه الأمة فيقول مرة لأحد أصحابه : " يا أبا
رافع سيكون بعدي قوم يقاتلون عليا ، حق على الله
جهادهم ، فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه ، فمن لم
يستطع بلسانه فبقلبه " ( 4 ) .
نسف الصيغة السياسية
الجاهلية الترتيبات الإلهية المتعلقة بمنصب رئاسة
الدولة نسفت تماما الصيغة السياسية الجاهلية ،
فالقيادة في نظر الإسلام اختصاص وعمل فني تماما يتصدى
له الأعلم والأفهم والأفضل والأنسب للقيادة من بين
أتباعه بغض النظر عن بطنه أو قبيلته .
| |
(
1 ) راجع المستدرك
للحاكم ج 3 ص 140 وتلخيص
المستدرك للذهبي بذيل المستدرك ونظم السمطين
للزرندي الحنفي ص 118 ومنتخب كنز العمال بهامش مسند
الإمام أحمد ج 5 ص 34 وفضائل الخمسة ج 3 ص 53
والملحق
ص 161 .
( 2 ) راجع شرح النهج لابن أبي الحديد ج 6 ص
45 بتحقيق أبي الفضل والبداية والنهاية لابن كثير ج 6
ص 218 وفضائل الخمسة ج 3 ص 51 وتلخيص الشافعي للطوسي ج
3 ص 51 .
( 3 ) ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من
تاريخ
دمشق لابن عساكر ج 3 ص 171 والغدير للأميني ج 3 ص 193
ومنتخب الكنز ج 5 ص 32 من مسند الإمام أحمد الهامش .
(
4 ) راجع مجمع الزوائد ج 3 ص 134 وترجمة علي من
تاريخ
دمشق لابن عساكر ج 3 ص 123 وذكره عنهم في
إحقاق الحق ج
7 ص 343 راجع ملحق المراجعات ص
164 . ( * ) |
|
|
بينما الصيغة السياسية الجاهلية قائمة على اعتبار
القيادة بمثابة شركة لكل بطن هذه البطون سهم في هذه
الشركة فقد توصلت هذه البطون إلى صيغة سياسية قائمة
على اقتسام مناصب الشرف " المناصب السياسية " في ما
بينها من قيادة ورفادة وسقاية ولواء وسفارة . . . .
الخ
ولاح لهذه البطون أنها أفضل صيغة إذ ليس فيها غالب
ولا مغلوب ، فالمناصب السياسية قدر مشترك بين البطون
وفق هذه الصيغة ولا مصلحة لأي بطن في تغيير هذه الصيغة
، مما جعلها عنوان عقيدة سياسية وأثرا مأثورا مما تركه
الأولون ، ومن غير الجائز الخروج عليه ، وحاولت
القبائل المكية أن تمنع ظهور نبي من بني هاشم ، وقاومت
بكل قواها ولكنها فشلت ، فكأن نبوة بني هاشم قدر لا
مفر منه ، فإذا أخذ الهاشميون النبوة فهذا قدر لا محيد
عنه ، فهل تكون الخلافة أو الملك قدر أيضا ، فمن غير
المعقول أن يعطي الله الهاشميين النبوة والخلافة
معا ؟
ومن هنا فإن
الترتيبات الإلهية المتعلقة بالخلافة من بعد النبي
أثارت حفيظة قريش وحدها وتمخض هذا الحسد عن شعار : "
لا ينبغي أن يجمع الهاشميون النبوة مع الخلافة " ولكن
هذا الشعار كان ملجوما بوجود النبي ( ص ) ولكن الفرصة
مهيأة لظهوره .
وربطا منهجيا للموضوع فإنني أسوق
معالجتي التاريخية لهذا الموضوع مرة ثانية في هذا
الباب لتكتمل الصورة وليتم استيعاب الموضوع
.
|