|
-
نظرية عدالة
الصحابة - أحمد حسين يعقوب ص 149
: |
|
الباب الثالث المرجعية
الفصل الأول
المرجعية
يبدو واضحا أن نظرية عدالة كل الصحابة قد
أوجدت مرجعية واقعية تركت بصماتها على الحياة الفقهية
والسياسية الإسلامية ، وصارت بحكم النقل والتقليد
كأنها هي المرجعية الشرعية التي حددها الله وبينها
رسوله .
أما المرجعية الشرعية نفسها فأصبحت غريبة
لكثرة تناسيها وإبراز المرجعية البديلة لها ، وظن بعض
الناس - وإن بعض الظن إثم - أن المرجعية الشرعية هي
غير شرعية ، وأن المرجعية البديلة هي نفسها الشرعية .
وفي سبيل بيان الحقائق الشرعية المجردة لا بد من إفراد
باب خاص لهذه الناحية .
ما معنى المرجعية تعني
المرجعية تلك الجهة المختصة ببيان أحكام وقواعد
العقيدة الإسلامية الإلهية لا على سبيل الافتراض
والتخمين ، إنما على سبيل الجزم واليقين ، بحيث يكون
بيانها هذا هو عين المقصود الإلهي من هذه الأحكام ،
وبالتالي يتقبل الإنسان المؤمن بهذه العقيدة بيان تلك
المرجعية على أنه حقيقة إيمانية أو عقلية تصلح كمنطلق
فكري أو كقاعدة يبنى فوقها أو كطريق يسار عليها .
فالنبي ، هو المرجع لكل المسلمين خلال حياته ، يرجعون
إليه في أمور عقيدتهم ، وقوله الفصل لأنه هو الأعلم
بأحكام العقيدة ، وعميد أهل بيت النبوة - الإمام - بعد
وفاة النبي هو المرجع لأنه الأعلم بأحكام العقيدة -
حسب رأي الشيعة - والصحابة مجتمعين ومنفردين هم المرجع
أو المراجع لبيان أحكام العقيدة بعد وفاة النبي ، فهم
مجتمعين عدول كلهم وكل واحد منهم من العدول وهم من أهل
الجنة وهم الشهود الذين نقلوا لنا هذا
الدين ( 1 ) .
لذلك فهم المرجعية الشرعية .
فالاقتداء بأي واحد منهم يقود للهداية حتما . وبموت
الصحابة فالمرجع هو الحاكم ينظر بالآراء والاجتهادات
المطروحة أمامه ثم يختار منها ما يريد .
وهذه
الاجتهادات المعروضة هي أقوال سابقة للصحابة في مسائل
طرحت في أزمانهم . والحاكم المرجع أي حاكم لأن
المسلمين مع من غلب . ( 2 ) " نحن مع من غلب " ( 3 )
وهذا قول مشهور للصحابي عبد الله بن عمر .
وهذا رأي
أهل السنة ، فالغالب هو المرجع يجتهد بنفسه حتى ولو لم
يكن مجتهدا ، أو يأخذ برأي من شاء من المجتهدين حتى لو
لم يكونوا مجتهدين بالحق والحقيقة كما سنرى .
تلازم
المرجعية مع العقيدة تتلازم المرجعية مع العقيدة
وترتبط معها ارتباطا عضويا . فالمرجعية تنهل من
العقيدة ، فلا عقيدة بدون مرجعية ولا مرجعية إلا في
عقيدة ، لأن المهمة الأساسية للمرجعية هي بيان العقيدة
الإلهية .
فالنبي يبين هذه العقيدة عين البيان الذي
يريد الله تعالى ، والمرجع بعد النبي بين هذه العقيدة
عين البيان الذي أراده الله وبينه النبي . فالعقيدة
الإلهية حددت معاني الأقوال والأفعال ، وحددت الأهداف
ووسائل بلوغها ، ونظمت العلاقات بين المؤمنين بها وعلى
كل الأصعدة .
فيكون دور المرجع منحصرا ببيان العقيدة
بيانا كاملا وتكييفها على الوقائع المستجدة . فالمرجع
هو المسؤول عن ترجمة نصوص وقواعد وغايات تلك العقيدة
من النظر إلى التطبيق ، ومن الكلمة إلى الحركة على
صعيدي الدعوة والدولة معا .
فبيان النبي للعقيدة
الإلهية هو جزء منها ويحسب من جملة مضامين العقيدة
لأنه نبي ، ولكن بيان علي أو الحسن أو الحسين أو زين
العابدين أو جعفر الصادق ، أو أي إمام لا يعتبر جزءا
من العقيدة إنما يعتبر سوابق دستورية وضرورية لمن يريد
أن يلتقي عمله مع
| |
(
1 ) راجع الإصابة في تمييز
الصحابة لابن حجر العسقلاني وبهامشها
الاستيعاب لابن عبد البر
ص 5 وما فوق .
( 2 ) راجع نظام الحكم للقاسمي ص 244 - 245 .
( 3 ) راجع نظام الحكم للقاسمي
ص 244 - 245 . ( * ) |
|
|
المقصود الإلهي ، ولكن بيانه يلزم كل المؤمنين
بمرجعيته ولا يجوز مخالفته شرعا لأنه الإمام الشرعي
القائم مقام النبي وطاعته هي طاعة للنبي .
المرجعية
اختصاص وعمل فني تماما فالعقيدة هي السفينة ، والمرجع
بمثابة القبطان لهذه السفينة .
والعقيدة هي المخططات
اللازمة لمشروع الإنقاذ الإلهي ، والمرجع هو المهندس
الذي يتولى عملية توضيح وشرح هذه المخططات وبيانها
وترجمتها مرحليا إلى واقع مادي ملموس ومحسوس . فالمرجع
هو معلم البناء ، ومن الجنون تحضير المواد الأولية
اللازمة للبناء والشروع بالبناء دون مشورة وعلم
المهندس أو معلم البناء .
وعلى صعيد العقيدة الإسلامية
يجب أن يكون المرجع أعلم أهل زمانه بهذه العقيدة ،
وأكثر أهل زمانه إخلاصا لها ، وأكثرهم اعتصاما بالله
وأفضل الموجودين وأنسبهم للقيادة والمرجعية لأن المرجع
هو الحكم ( بفتح الحاء والكاف ) وهو الناطق بالحكم
الإلهي
. ويفترض أن ما تتبناه هذه
المرجعية هو عين المقصود الإلهي .
تعددية المراجع لا
يوجد في العقيدة الإلهية الواحدة إلا مرجع واحد ،
فالنبي هو المرجع الأعلى لكل ما يتعلق بالإسلام .
وموسى هو المرجع الأعلى في زمانه ، فإذا افترق عن
هارون يصبح هارون مرجعا مرتبطا بموسى وتابعا له ، وإذا
اجتمعا فالمرجع هو موسى .
وهكذا عيسى فهو المرجع في كل
الأمور المتعلقة بالديانة المسيحية ، لأن تعدد المراجع
في العقيدة الواحدة يؤدي بصورة حتمية لتفسخ العقيدة
وتفرق أتباعها ، واستنباط عقائد جديدة من الناحية
الواقعية .
فالمرجعية في الإسلام هي مرجعية واحدة وهي
اختصاص ومن أعظم ضرورات الدين . فإذا انعدمت المرجعية
الشرعية يركب كل مسلم رأسه ، أو تركب كل مجموعة من
المسلمين رأسها ، وتعتقد لكثرة ممارستها للخطأ أن الحق
معها ، وتتفرق الكلمة ، ويتشتت شمل الأمة ولا يلمها
ثانية إلا وجود مرجع واحد تعتبر كلمته حقيقة عقلية
وإيمانية يتقبلها المسلمون عن
رضى
خاطر . وهذه هي السبيل الوحيد لتوحيد المسلمين
الفارق بين العقيدة والمرجعية .
هو الفارق بين
الدعوة وبين الداعية ، فالدعوة المحمدية تقوم على
أساسين : القرآن الكريم والسنة المطهرة بفروعها
الثلاثة : القول والفعل والتقرير ، وهذه خاصية لمحمد (
صلى الله عليه وآله ) .
فالعقيدة هي القرآن الكريم ،
وبيان هذا القرآن المتمثل بقول الرسول ( ص ) وفعله
وتقريره على اعتبار أن الشخص المبين وهو الرسول جزء لا
يتجزأ من العقيدة والوثوق به وموالاته والتسليم بصحة
فهمه للدين جزء لا يتجزأ من الدين .
لذلك فقوله فصل في
كل أمر من الأمور لأنه الأعلم والأفهم بالعقيدة
والأفضل والأنسب لقيادة أتباعها . ثم اكتمل الدين وتمت
النعمة الإلهية ، وبين القرآن كل شئ ، وانتقل الرسول
إلى جوار ربه ، فترك العقيدة ، وهي القرآن الكريم ،
والبيان وهو قول الرسول وفعله وتقريره .
أما المرجعية
بعده فموضوع آخر حيث تكون مهمتها بيان العقيدة الإلهية
وتكييفها على الوقائع الحياتية في زمن ذلك المرجع .
وللتوضيح نقول : إن العقيدة هي بمثابة السفينة ، وإن
المرجع هو بمثابة القبطان ، وإن العقيدة هي بمثابة
المخططات العامة والتفصيلية ، وإن المرجع هو بمثابة
المهندس المختص بفهم هذه المخططات .
إن العقيدة هي
المواد الأولية اللازمة لبناء الصرح المنشود ، وإن
المرجع هو معلم البناء . إن العقيدة بناء فكري ، أو إن
شئت فقل شخص اعتباري قائم بذاته ، وإن المرجع هو
المعبر عن موقف هذا الشخص الاعتباري من القضايا
المطروحة .
ولك أن تقول : إن العقيدة هي الصيدلية
الكبرى التي تحوي العلاج الشافي من كل داء وإن المرجع
هو الطبيب والصيدلاني الذي يشخص المرض ويصرف العلاج
اللازم المناسب تماما لهذا المرض من الصيدلية الكبرى ،
وهي العقيدة . تجذير الحكمة من وجود المرجعية إذا أوحى
الله تبارك وتعالى لكل إنسان وجره إلى الخير جرا ،
وخصص له ملكا من السماء
يرافقه ويقومه ، فإن هذا
الإنسان لا يستحق الأجر لأنه مكره على الفعل أو
مكره على الامتناع عنه .
والأمر الذي يتناسب مع
نظرية الابتلاء الإلهية هو أن يرزق الإنسان القدرة على
التمييز بين الحق والباطل بعد أن بين له الله الحق من
الباطل ويؤتيه القدرة على فعل الحق وفعل الباطل .
ثم
يبين له الله الحق من الباطل المباح والحلال والحرام،
ثم يعطي الإنسان بعد ذلك الحرية ليعمل الحق بإرادته
وحريته ورضاه أو يأتي الباطل بحريته ورضاه وإرادته.
هنا فقط يستحق الإنسان المكلف الثواب إذا أصاب والعقاب
إذا أخطأ .
تلك هي الأرضية التي انطلقت منها فكرة
الرسالات الإلهية إلى بني البشر ، وانطلقت منها فكرة
المرجعية كضرورة من ضرورات بيان الرسالات الإلهية ،
فدارت فكرة الرسالة الإلهية حول محورين :
1 - رسول
يبلغ الرسالة وهي مرجعها الأرضي .
2 - رسالة لها مضمون
يتعذر تبليغها بدون رسول أو مرجع .
وهذه الرسالة معدة
من قبل الله وهي مشروع هداية إلهية . فالله تعالى هو
المرجع الأعلى للرسول في كل ما يتعلق بالرسالة
ومضمونها وبيانها .
فالخطوة الأولى هي اختيار الرسول
أو المرجع .
والخطوة الثانية هي إفهام الرسول مضامين
هذه الرسالة الإلهية ( العقيدة ) .
والخطوة الثالثة هي
قيام الرسول بتبليغ هذه الرسالة لأصحابها وبيانها
بيانا كاملا ، ورصد ردة فعلهم عليها ليكون هو الشاهد .
الناس يرجعون إلى الرسول بوصفه المرجع الذي يفهم
الرسالة فهما يقينيا ، وما أشكل على الرسول من أمور
الرسالة يرجع به إلى الله . تلك حقيقة لا يجادل بها
إلا جاهل . كان الرسول - أي رسول - هو المرجع لمن
اتبعه ليوضح وليبين للأتباع ومن بلغ مضامين الرسالة
وكيف تتحول هذه المضامين الإلهية من النصوص النظرية
إلى التطبيق العملي ، وكيف تنفذ على الوجه الذي يرضي
الله تعالى .
فإذا مات الرسول - أي رسول - فإن العقيدة
باقية بالضرورة ما دام لها أتباع ويستدعي بالضرورة
وجود مرجع ليقوم بدور البيان والشهادة . وهذا من
ضرورات الرسالة ، وعملية الابتلاء أن يكون للعقيدة
الواحدة مرجع واحد ليقوم بقيادة مسيرة
قافلة الإيمان سواء أكانت على مستوى الدعوى أو مستوى
الدولة إن نجحت المرجعية بتحويل الدعوة إلى دولته .
المرجعية أكبر من أن تنكر قلت في مقال نشر في عدد
جريدة اللواء الأردنية رقم 955 تاريخ 17 صفر عام 1412
ه ما يلي : الأحزاب الدينية العربية لا تجهل أن
الرسالات الإلهية لبني البشر لم تتوقف طوال تاريخ
الجنس البشري على الأرض .
فهل تتفضل الأحزاب الدينية
العربية مشكورة ومأجورة فتبين للمسلمين متى أرسل الله
رسالة بدون رسول ؟
ومتى خصهم بعقيدة من دون مرجع ؟
معكم الدنيا طولا وعرضا ، فوقا وتحتا من لدن آدم حتى
محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فإن لم تفعلوا ولن
تفعلوا بإذن الله فقد آن الأوان أن تتركوا التقليد
الأعمى وأن تتقوا الله في دينكم وأنفسكم، وفي أمتكم
وفي الجنس البشري الذي يعلق ضميره كبير الآمال على
دينكم لينقذه والعالم من براثن المادية المقرفة إلى
رحابة التكييف الإلهي للأحداث والأحكام .
فالعقيدة
الإسلامية لها مرجع وهو رسول الله ، وبعد موته بينت
هذه العقيدة المرجعية من بعده ، لأن المرجعية ضرورة من
ضرورات الحياة . فالأسرة لها مرجع ، والدولة لها مرجع
، والنظام له مرجع . وكل عقيدة إلهية أو وضعية لها
مرجع بالضرورة ، لأن المرجع عنصر أساسي لكل دعوة ولكل
تجمع بشري ولكل عقيدة ولكل دولة .
وسبب المصائب التي
حلت بالمسلمين يعود في جوهره إلى استبعاد المرجعية
الشرعية التي عينها الله ، والتمسك بالمرجعية البديلة
التي فرضتها الغلبة واستكان الناس لها بحكم التقليد
.
|