|
فاطمة الزهراء من
المهد إلى اللحد - ص 220 |
مدخل خطبة فاطمة
الزهراء عليها السلام
مأساة فدك والعوالي
أحسن كلام نفتتح به هذا البحث ، وأصدق حديث نبدأ به في هذا
الموضوع هو كلام الله تعالى ، ومن أصدق من الله قيلا ؟ ومن أصدق من الله حديثاً
؟
قال تعالى ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير
للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون ) هذه الآية كما تراها خطاب من الله
عز وجل إلى حبيبه محمد
( ص ) يأمره أن يؤتي ذا القربى حقه ، فمن ذو القربى ؟
وما هو حقه ؟
لقد ذكرنا - في آيه ذا القربى أو آية المودة - أن المقصود من
القربى هم أقرباء الرسول وهم علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فيكون
المعنى : واعطِ ذوي قرباك حقوقهم .
روي عن أبي سعيد الخدري وغيره أنه لما نزلت هذه الآية على
النبي
( ص ) أعطى فاطمة فدكاً وسلمه إليها ، وهو المروي عن الإمام الباقر
والإمام الصادق عليهم السلام وهو المشهور بين علماء الشيعة .
وقد ذكر ذلك من علماء السنة عدد كثير بطرق عديدة فمنها :
صرح في ( كنز العمال ) وفي مختصره المطبوع في الهامش من كتاب
( المسند ) لأحمد بن حنبل في مسألة صلة الرحم من كتاب
( الأخلاق ) عن أبي سعيد الخدري قال : لما نزلت : (
وآت ذا
القربى حقه ) قال النبي
( ص ) يا فاطمة لك فدك .
قال : رواه الحاكم في تاريخه وفي ص 177 من الجزء الرابع من
تفسيره ( الدر المنثور ) للسيوطي أنه أخرج البزار وأبو يعلي وابن أبي حاتم وابن
مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : لما نزلت هذه الآية ( وآت ذا القربى حقه ) دعا
النبي
( ص ) فاطمة فأعطاها فدك .
فما هي فدك ؟
التحدث عن فدك يشمل الموارد الآتية :
1 - ما هي الفدك ؟
2 - هل كانت فدك لرسول الله
( ص ) خاصة أم للمسلمين عامة ؟
3 - هل دفع الرسول فدكاً إلى ابنته فاطمة الزهراء نحلة وعطية في حياته أم لا
؟
4 - هل يورث رسول الله
( ص ) أم لا ؟
5 - هل كانت السيدة فاطمة الزهراء تتصرف في فدك في حياة أبيها الرسول أم لا ؟
أما الأول : فقد ذكر اللغويون أقوالهم في فدك :
في القاموس : فدك قرية بخيبر .
وفي المصباح : فدك - بفتحتين -
بلدة بينها وبين مدينة النبي
( ص ) يومان ، وبينها وبين
خيبر
دون مرحلة وهي مما أفاء الله على رسوله
( ص ) .
وفي معجم البلدان للحموي ، باب الفاء والدال -: فدك :
بالتحريك ، وآخره كاف قرية بالحجاز ، بينها وبين المدينة يومان ، وقيل ثلاثة ،
أفاءها الله على رسوله
( ص ) في سنة سبع صلحاً ،
ذلك أن النبي
( ص ) لما نزل
خيبر وفتح حصونها ولم يبق إلا ثلاث ، واشتد بهم الحصار أرسلوا إلى رسول الله
(
ص ) يسألونه أن ينزلهم على الجلاء ، وفعل ، وبلغ ذلك أهل فدك
فأرسلوا إلى رسول
الله
( ص ) أن يصالحهم على النصف من ثمارهم وأموالهم ، فأجابهم إلى ذلك فهو مما
لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فكانت خالصة لرسول الله
( ص ) .
الثاني : وأما كيف صارت فدك خالصة لرسول الله
( ص ) ؟ فقد قال
تعالى: ( وما أفاء الله على رسوله منهم أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله
يسلط رسله على من يشاء والله على
كل شيء قدير ، ما أفاء الله على رسوله من
أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل )
أفاء الله أي رد الله ما كان للمشركين على رسوله بتمليك الله إياه منهم أي من
اليهود الذين أجلاهم
( فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ) أوجف خيله أي أزعجه
في السير ، والركاب هنا - الأبل - ، والمعنى ما استوليتم على تلك الأموال
بخيولكم أي ما ركبتم خيولكم وإبلكم لأجل الاستيلاء عليها
( ولكن الله يسلط رسله
على من يشاء ) أي يمكن الله رسله من عدوهم من غير قتال ، بأن يقذف الرعب في
قلوبهم ، فجعل الله أموال بني النضير لرسوله خالصة يفعل بها ما يشاء ، وليست من
قبيل الغنائم التي توزع على المقاتلين .
( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ) أي من أموال كفار
أهل
القرى ( فلله ) ( وللرسول ) أي جعل الله تلك الأموال ملكاً
لرسوله ( ولذي القربى ) يعنى قرابة النبي ( واليتامى والمساكين وابن السبيل )
من القربى .
روى الطبرسي عن ابن عباس قال : نزل قوله تعالى (
ما أفاء الله
على رسوله من أهل القرى . . . ) في أموال كفار أهل القرى ، وهم قريظة وبني
النضير وهما بالمدينة وفدك هي في المدينة على ثلاثة أميال ، وخيبر وقرى عرينة
وينبع جعلها الله لرسوله ، يحكم فيها ما أراد ، وأخبر أنها كلها له ، فقال أناس
: فهلا قسمها ؟ فنزلت الآية .
وقد مر عليك كلام الحموي في معجم البلدان حول فدك انها مما لم
يوجف عليه بخيل ولا ركاب فكانت خالصة لرسول الله
( ص ) .
الثالث : وقد مر عليك ما ذكره المحدثون في تفسير قوله تعالى (
وآت ذا القربى حقه ) إن النبي
( ص ) أعطى فاطمة فدكاً .
وهاك مزيداً من الأدله حول الموضوع تأكيداً للبحث :
ذكر ابن حجر في الصواعق المحرقة ، والشيخ السمهودي في تاريخ
المدينة أن عمر قال : إني أحدثكم عن هذا الأمر : إن الله خص نبيه في هذا الفيء
بشيء لم يعطه أحداً غيره فقال : ( ما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه
خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير ) ، فكانت
هذه خالصة لرسول الله . . . الخ .
الرابع : إذن فالمستفاد من مجموعة الآيات والروايات أن فدك
كانت لرسول الله
( ص ) خالصة ، وأن النبي
( ص )
أعطى فاطمة فدكاً بعنوان النحلة
والعطية بأمر الله تعالى حيث أمره بقوله ( وآت ذا القربى حقه ) .
الخامس : يستفاد من تصريحات المؤرخين والمحدثين أن السيدة
فاطمة الزهراء كانت تتصرف في فدك ، وأن فدك كانت في يدها .
فمنها تصريح الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه
السلام في الكتاب الذي أرسله إلى عثمان بن حنيف وهو عامله على البصرة فإنه ذكر
فيه . . . بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء ، فشحت عليها نفوس قوم
وسخت عنها نفوس قوم آخرين ، ونعم الحكم الله . . . ألخ .
وذكر ابن حجر في ( الصواعق المحرقة ) في الباب الثاني : إن
أبا بكر انتزع من فاطمة فدك . . . الخ .
ومعنى كلام ابن حجر أن فدك كانت في يد الزهراء عليها السلام
من عهد أبيها الرسول فانتزعها أبو بكر منها .
وقد روى العلامة المجلسي عن كتاب ( الخرائج ) : فلما دخل رسول
الله
( ص ) المدينة ( بعد استيلائه على فدك ) دخل على فاطمة عليها السلام فقال
: يا بنية إن الله قد أفاء على أبيك
بفدك ، واختصه بها ، فهي له خاصة دون
المسلمين ، أفعل بها ما أشاء ، وإنه قد كان لأمك خديجة على أبيك مهر ، وإن أباك
قد جعلها لك بذلك ، وأنحلكها لك ولولدك بعدك قال : فدعا
بعلي بن أبي طالب فقال :
أكتب لفاطمة بفدك نحلة من رسول الله . فشهد على ذلك علي بن أبي طالب ومولىً
لرسول الله وأم أيمن .
ولما توفى رسول الله
( ص ) واستولى أبو بكر على منصة الحكم
ومضت عشرة أيام . واستقام له الأمر بعث إلى فدك من أخرج وكيل فاطمة بنت رسول
الله
( ص ) .
كانت فدك للسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام من ثلاثة وجوه :
الوجه الأول : انها كانت ذات
اليد ، أي كانت متصرفة في فدك ، فلا يجوز انتزاع فدك من يدها إلا بالدليل
والبينة . كما قال رسول الله
( ص )
( البينة على المدعي ، واليمين على من أنكر ) وما كان على
السيدة فاطمة أن تقيم البينة لأنها ذات اليد .
الوجه الثاني : أنها كانت تملك فدك بالنحلة والعطية والهبة من
أبيها رسول الله
( ص ) .
الوجه الثالث : أنها كانت تستحق فدك بالإرث من أبيها الرسول
ولكن القوم خالفوا هذه الوجوه الثلاثة ، فقد طالبوها بالبينة ، وطالبوها
بالشهود على النحلة ، وأنكروا وراثة الأنبياء .
وبإمكان السيدة فاطمة أن تطالب بحقها بكل وجه من هذه الوجوه .
ولهذا طالبت بفدك عن طريق النحلة أولاً ، ثم طالبت بها عن
طريق الإرث ثانياً كما صرح بذلك الحلبي في سيرته ج 3 ص 39 قال : إن فاطمة أتت
أبا بكر بعد وفاة رسول الله
( ص )
وقالت : إن فدك نحلة أبي ، أعطانيها حال
حياته . وأنكر عليها أبي بكر وقال : أريد بذلك شهوداً فشهد لها علي ، فطلب
شاهداً آخر فشهدت لها أم أيمن فقال لها : أبرجلٍ وإمرأة تستحقينها ؟؟
وذكر الطبرسي في الاحتجاج : فجاءت فاطمة عليها السلام إلى أبي
بكر ثم قالت : لِمَ تمنعني ميراثي من أبي رسول الله ؟ وأخرجت وكيلي من فدك وقد
جعلها لي رسول الله
( ص ) بأمر الله تعالى ؟
فقال : هاتي على ذلك بشهود فجاءت أم أيمن فقالت : لا أشهد يا
أبا بكر حتى أحتج عليك بما قال رسول الله
( ص ) أنشدك بالله ألست
تعلم أن رسول الله قال: أم أيمن امرأة من أهل الجنة ؟
فقال : بلى . قالت : فاشهد أن الله عز وجل أوحى إلى رسول الله
( ص ) وآت ذا القربى حقه .
فجعل فدك لها طعمة بأمر الله تعالى . فجاء علي عليه السلام فشهد بمثل ذلك ،
فكتب لها كتاباً
ودفعه إليها فدخل عمر فقال : ما هذا الكتاب ؟ فقال : إن فاطمة ادعت في فدك
وشهدت لها أم أيمن
وعلي ، فكتبته لها . فأخذ عمر الكتاب من فاطمة ، فتفل فيه
فمزقه ، فخرجت فاطمة عليها السلام تبكي .
وفي سيرة الحلبي ج 3 ص 391 أن عمر أخذ الكتاب فشقه .
نعود إلى ما ذكره الطبرسي قال : فلما كان بعد ذلك جاء علي
( ع
) إلى أبي بكر وهو في المسجد وحوله المهاجرون والأنصار
فقال : يا أبا بكر لِمَ
منعت فاطمة ميراثها من رسول الله
( ص ) وقد مَلَكته في حياة رسول الله؟؟
فقال
أبو بكر : هذا فيء للمسلمين ، فإن أقامت شهوداً أن رسول الله جعله لها وإلا فلا
حق لها فيه !
فقال علي : يا أبا بكر تحكم بيننا بخلاف حكم الله في المسلمين ؟
فقال : لا .
قال : فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه فادعيت أنا فيه من تسأل
البينة ؟
قال : إياك أسأل ،
قال : فما بال فاطمة سألتها البينة على ما في يديها
، وقد مَلَكته في حياة رسول الله وبعدة , ولم تسأل المسلمين البينة على ما
ادعوها شهودا كما سألتني على ما ادعيت عليهم ؟؟
فسكت أبو بكر فقال : يا علي دعنا من كلامك ، فإنا لا نقوى على
حجتك ، فإن أتيت بشهود عدول ، وإلا فهي فيء للمسلمين ، لا حق لك ولا لفاطمة فيه
!!
فقال علي عليه السلام : يا أبا بكر تقرأ كتاب الله ؟
قال :
نعم .
قال : اخبرني عن قول الله عز وجل : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل
البيت ويطهركم تطهيراً . فيمن نزلت ؟ فينا أو في غيرنا ؟
قال : بل فيكم !
قال : فلو شهدوا على فاطمة بنت رسول الله
( ص ) بفاحشة ما كنت
صانعاً بها ؟
قال : كنت أقيم عليها الحد كما أقيم على نساء المسلمين ! !
قال علي : كنت إذن عند الله من الكافرين !
قال : لِمَ ؟
قال : لأنك رددت شهادة الله بالطهارة وقبلت شهادة الناس عليها ، كما رددت حكم
الله وحكم رسوله أن جعل لها فدك وزعمت أنها فيء للمسلمين وقد قال رسول الله
( ص ) : البينة
على المدعي ، واليمين على من ادعي عليه .
قال : فدمدم الناس ، وأنكر بعضهم بعضاً ، وقالوا : صدق -
والله - علي .
وقد روى العلامة في كشكوله عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله
( الصادق ) عليه السلام رواية لا تخلو من فائدة أو فوائد نذكرها بصورة موجزة
قال : لما قام أبو بكر بن أبي قحافة بالأمر نادى مناديه : من كان له عند رسول
الله دين أو عدة فليأتني حتى أقضيه .
وجاء جابر بن عبد الله وجرير بن عبد الله البجلي ، وادعى كل
منهما على رسول الله
( ص ) فأنجز أبو بكر لهما .
فجاءت فاطمة إلى أبي بكر تطالب
بفدك والخمس والفيء فقال : هاتي بينة يا بنت رسول الله ، فاحتجت فاطمة عليها
السلام بالآيات وقالت : قد صدقتم جابراً بن عبد الله وجرير بن عبد الله
البجلي ولم تسألوهما البينة وبينتي في كتاب الله ، وأخيراً
طالبوها بالشهود ، فبعثت إلى علي والحسن والحسين وأم أيمن وأسماء بنت عميس
وكانت تحت أبي بكر ( أي زوجة أبي بكر )
وشهدوا لها بجميع ما قالت . فقالوا : أما علي فزوجها ، وأما
الحسن والحسين فابناها وأما أم أيمن فمولاتها ، وأما أسماء بنت عميس فقد كانت
تحت جعفر بن أبي طالب فهي تشهد لبني هاشم ، وقد كانت تخدم فاطمة وكل هؤلاء
يجرون إلى أنفسهم .
فقال علي : أما فاطمة فبضعة من رسول الله ومن آذاها فقد آذى
رسول الله ، ومن كذبها فقد كذب رسول الله .
وأما الحسن والحسين فابنا رسول الله وسيدا شباب أهل الجنة ،
ومن كذبهما فقد كذب رسول الله , إذ كان أهل الجنة صادقين
وأما انا فقد قال رسول الله : أنت مني وأنا منك ، وأنت أخي في
الدنيا والآخرة ، والراد عليك هو الراد علي من أطاعك فقد أطاعني ومن عصاك فقد
عصاني .
وأما أم أيمن فقد شهد لها رسول الله بالجنة ، ودعى لأسماء بنت
عميس وذريتها .
فقال عمر : أنتم كما وصفتم به
أنفسكم ، ولكن شهادة الجار إلى نفسه لا تقبل !
فقال علي : إذا كنا نحن كما
تعرفون ولا تنكرون وشهادتنا لأنفسنا لا تقبل وشهادة رسول الله لا تقبل فإنا لله
وإنا إليه راجعون ، وإذا ادعينا لأنفسنا تسألنا البينة فما من معيم يعين ، وقد
وثبتم
على سلطان الله وسلطان رسوله فأخرجتموه من بيته إلى بيت
غيره من غير بينة ولا حجة , وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .
ثم قال لفاطمة : إنصرفي حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين .
ولما رأت السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام
أن القوم أبطلوا شهودها الذين شهدوا لها بالنحلة ولم تنجح مساعيها ، جاءت تطالب
حقها عن طريق الإرث ، واتخذت التدابير اللازمة لتقوم
بأكبر حملة دعائية واسعة النطاق وهي تعلم أن السلطة لا يخضعون
للدليل الواضح والبرهان القاطع ، فقد قال الشاعر : وآية السيف تمحو آية القلم .
وكل قوم تحكم فيهم الدكتاتورية فإن المنطق فاشل ولا يجدي
فائدة .
وعلى كل حال فللسيدة فاطمة هدف آخر ، وهو يتحقق قطعاً ،
وهدفها تسجيل مظلوميتها في سجل التاريخ ، وكشف الغطاء عن أعمال القوم ونواياهم
، فقررت أن تذهب إلى المسجد وتخطب خطبة تتحقق بها أهدافها الحكيمة .
|