الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا في الطريق ولا في العراق
ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلا وقد سمعتها ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس
وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية ولا أن يسيروه إلى ثغر من ثغور
المسلمين ولكنه قال دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر ما يصير من أمر
الناس" .
فالطبري يروي الرواية التي تتحدث عن الخيارات ثلاثة ، ثم يروي عن عقبة بن سمعان
- الذي عاصر الأحداث - إنكارا واضحا لما ذكر في الرواية السابقة أي ما تبناه
كاتب المنشور و عرضه بشكل مخل
هذا بالإضافة إلى شخصية الحسين ( ع ) وتربيته وما ورثه من أبيه ( ع ) لا تتناسب
مع مثل هذا الموقف الذي يريد أن يصوره الكاتب، وكأن الحسين ( ع ) قد ندم على
خروجه أو خاف هذه الجموع ، كيف وشجاعته واضحة في صفحات التاريخ ، وهو الذي بشره
رسول الله( ص ) بهذا الموقف الإيماني العظيم ، وقد قرأت رسالة عمرة بنت عبد
الرحمن قبل فقرات ورد الحسين ( ع ) عليها .
ولعل الحجة الأبلغ على الكاتب المحرف ، ما رواه إمامه ابن كثير في ( البداية
والنهاية ) ج 8ص 190 ، قال :
" ولكن طلب منهم أحد أمرين إما أن يرجع من حيث جاء ، وإما أن يدعوه يذهب في
الأرض العريضـة حتى ينظر ما يصير أمر الناس إليه " وكذلك نقل ابن الأثير في (
الكامل ) ج3 ص 165 .
بل إن ابن الجوزي ينقل عكس هذا الادعاء في تاريخه ( المنتظم ) ، حيث ينقل رفض
الحسين ( ع ) أن يضع يده بيد يزيد وذلك في ج4ص155 ، قال : " فنادى- الحسين ( ع
)- يا شبث بن ربعي يا قيس بن الأشعث يا حجار ألم تكتبوا إلي قالوا لم نفعل فقال
فإذا كرهتموني دعوني انصرف عنكم فقال له قيس أولا تنزل على حكم ابن عمك - أي
يزيد - فإنه لن يصل إليك منهم مكروه فقال لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل
". ورواه أيضا ابن كثير في تاريخه ج8 ص194 .
ويؤكد ذلك ما نقله الذهبي في تاريخ الإسلام الجزء المتعلق بأحداث سنة (61-80)
من الهجرة ص12 قول الحسين ( ع ) : " ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل
لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء اللـه ، وإني لا أرى الموت إلا سعادة
والحياة مع الظالمين إلا برما " ، وهذه هي الحقيقة التي تتناسب مع شخصية سبط
النبي صلى الله عليه وآله وابن علي ( ع ) ، الذي تربى تحت بارقة ذو الفقار، لا
ما استنتجه الكاتب ليقلل من شأن موقف الحسين ( ع ) ويرفع من قيمة يزيد حفيد
آكلة الأكباد .