- مقتل الحسين ( ع ) - أبو مخنف الازدي ص 45 : -

قال أبو مخنف - فحدثني المجالد بن سعيد ، أن المرأة كانت تأتي ابنها أو اخاها فتقول . انصرف الناس يكفونك ، ويجئ الرجل إلى ابنه أو اخيه فيقول غدا يأتيك اهل الشام فما تصنع بالحرب والشر انصرف فيذهب به فما زالوا يتفرقون

ويتصدعون حتى امسى ابن عقيل وما معه ثلاثون نفسا في المسجد حتى صليت المغرب فما صلى مع ابن عقيل الا ثلاثون نفسا فلما راى انه قد امسى وليس معه الا اولئك النفر خرج متوجها نحو ابواب كندة ، فلما بلغ الابواب ومعه منهم عشرة ،

ثم خرج من الباب وإذا ليس معه انسان والتفت فإذا هو لا يحس احدا يدله على الطريق ولا يدله على منزل ولا يواسيه بنفسه ان عرض له عدو ، فمضى على وجهه يتلدد في ازقة الكوفة لا يدرى ابن يذهب حتى خرج إلى دور بنى جبلة من كندة ،

فمشى حتى انتهى إلى باب امرأة يقال لها : طوعة ام ولد كانت للاشعث بن قيس فاعتقها فتزوجها اسيد الحضرمي فولدت له بلالا .

- ص 46 -

وكان بلال قد خرج مع الناس وامه قائمة تنتظره ، فسلم عليها ابن عقيل ، فردت عليه ، فقال لها : يا امة الله اسقيني ماءا ، فدخلت فسقته فجلس ، وأدخلت الاناء ثم خرجت فقالت : يا عبدالله الم تشرب ؟ قال : بلى ، قالت : فاذهب إلى أهلك ،

فسكت ، ثم عادت فقالت مثل ذلك فسكت ، ثم قالت له : فئ لله سبحان الله يا عبدالله فمر إلى اهلك عافاك الله فانه لا يصلح لك الجلوس على بابي ولا احله لك . فقام فقال يا امة الله مالي في هذا المصر منزل ولا عشيرة ، فهل لك إلى أجر

ومعروف ولعلي مكافئتك به بعد اليوم ، فقالت يا عبدالله وما ذاك ؟ قال : انا مسلم بن عقيل ، كذبني هؤلاء القوم وغروني قالت انت مسلم ؟ قال : نعم ، قالت : ادخل ، فادخلته بيتا في دارها غير البيت الذي تكون فيه ، وفرشت له وعرضت عليه

العشاء ، فلم يتعش ولم يكن باسرع من ان جاء ابنها فرآها تكثر الدخول في البيت والخروج منه ، فقال : والله ليريبني كثرة دخولك هذا البيت منذ الليلة وخروجك منه ان لك لشأنا . قالت يا بني : أله عن هذا ، قال لها : والله لتخبرني ، قالت : أقبل

على شأنك ولا تسألني عن شئ ، فالح عليها فقالت : يا بني لا تحدثن احدا من الناس بما اخبرك به وأخذت عليه الايمان فحلف لها فاخبرته فاضطجع وسكت وزعموا أنه قد كان شريدا من الناس . وقال بعضهم كان يشرب مع اصحاب له ، ولما

طال على ابن زياد وأخذ لا يسمع لاصحاب ابن عقيل صوتا كان يسمعه قبل ذلك قال لاصحابه : اشرفوا فانظروا هل ترون منهم احدا ؟
 

- ص 47 -

فأشرفوا فلم يروا احدا ، قال : فانظروا لعلهم تحت الظلال قد كمتوا لكم ففرعوا بحابح المسجد وجعلوا يخفضون شعل النار في ايديهم ثم ينظرون هل في الظلال احد وكانت احيانا تضئ لهم واحيانا لا تضئ لهم كما يريدون فدلوا القناديل وانصاف

الطنان تشد بالحبال ثم تجعل فيها النيران ثم تدلى حتى تنتهي إلى الارض ، ففعلوا ذلك في اقصى الظلال وادناها واوسطها حتى فعلوا ذلك بالظلة التي فيها المنبر . فلما لم يروا شيئا اعلموا ابن زياد ففتح باب السدة التي في المسجد ثم خرج فصعد

المنبر وخرج اصحابه معه فامرهم فجلسوا حوله قبيل العتمة وامر عمرو بن نافع فنادى الا برئت الذمة من رجل من الشرطة والعرفاء أو المناكب أو المقاتلة صلى العتمة إلى في المسجد فلم يكن له الا ساعة حتى امتلاء المسجد من الناس ثم

امر مناديه فاقام الصلاة . فقال الحصين بن تميم ان شئت صليت بالناس أو يصلى بهم غيرك ودخلت انت فصليت في القصر فاني لا آمن ان يغتالك بعض اعدائك فقال مرحرسى فليقوموا ورائي كما كانوا يقفون ودرفيهم فاني لست بداخل إذا ، مصلى

بالناس . ثم قام فحمد الله واثنى عليه ، ثم قال : اما بعد فان ابن عقيل السفيه الجاهل قد اتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق ، فبرئت ذمة الله من رجل وجدناه في داره ومن جاء به فله ديته اتقوا الله عباد الله والزموا طاعتكم وبيعتكم ولا تجعلوا على انفسكم سبيلا ، يا حصين ابن تميم ثكلتك امك ان صاح باب سكة من سكك
 

- ص 48 -

الكوفة أو خرج هذا الرجل ولم تأتني به وقد سلطتك على دوراهل الكوفة فابعث مراصدة على افواه السكك واصبح غدا واستبر الدور وجس خلالها حتى تأتيني بهذا الرجل ، وكان الحصين على شرطه وهو من بني تميم . ثم نزل ابن زياد فدخل

وقد عقد لعمرو بن حريث رأية وأمره على الناس فلما اصبح جلس مجلسه واذن للناس فدخلوا عليه واقبل محمد بن الاشعث فقال مرحبا بمن لا يستغش ولايتهم ثم اقعده إلى جنبه واصبح ابن تلك العجوز وهو بلال بن اسيد الذي اوت امه ابن عقيل

فغدا إلى عبد الرحمان بن محمد بن الاشعث فأخبره بمكان ابن عقيل عند أمه . قال : فاقبل عبد الرحمان حتى اتى اباه وهو عند ابن زياد فساره ، فقال له ابن زياد : ما قال لك قال : أخبرني ان ابن عقيل في دار من دونا ، فنخس بالقضيب في جنبه ثم قال : قم فأتني به الساعة .


قال أبو مخنف : فحدثني قدامة بن ( 1 ) سعيد بن زائده بن قدامة الثقفي : ان ابن الاشعث حين قام ليأتيه بابن عقيل بعث إلى عمرو بن حريث وهو في المسجد خليفته على الناس ان ابعث مع ابن الاشعث ستين أو سبعين رجلا كلهم من قيس ، وانما كره ان يبعث معه قومه لانه

  * هامش *  
  (1) قدامة بن سعيد بن ابي زائدة عده الشيخ من اصحاب الباقر عليه السلام جامع الرواة ( ج 2 ص 23 ) تنقيح المقال ( ج 2 ص 28 ) من حرف القاف . ( * )  

 

- ص 49 -

قد علم ان كل قوم يكرهون ان يصادف فيهم مثل ابن عقيل ، فبعث معه عمرو بن عبيدالله بن عباس السلمي في ستين أو سبعين من قيس حتى اتوا الدار التي فيها ابن عقيل .

فلما سمع وقع حوافر الخيل واصوات الرجال عرف انه قداتى ، فخرج إليهم بسيفه واقتحموا عليه الدار فشد عليهم يضربهم بسيفه حتى اخرجهم من الدار ، ثم عادوا إليه فشد عليهم كذلك . فاختلف هو وبكير بن حمران الاحمري ضربتين فضرب

بكير فم مسلم فقطع شفته العليا واشرع السيف في السفلى ونصلت لها ثنيتاه ، فضربه مسلم ضربة في رأسه منكرة وثنى باخرى على حبل العاتق كادت تطلع على جوفه ، فلما رأوا ذلك اشرفوا عليه من فوق ظهر البيت فاخذوا يرمونه بالحجارة

ويلهبون النار في اطنان القصب ثم يقبلونها عليه من فوق البيت ، فلما رأى ذلك خرج عليهم مصلتا بسيفه في السكة فقاتلهم ، فاقبل عليه محمد بن الاشعث فقال : يافتى لك الامان لا تقتل نفسك ، فاقبل يقاتلهم وهو يقول :

اقسمت لا اقتل الا حرا * وان رأيت الموت شيئا نكرا
كل امرئ يوما ملاق شرا * ويخلط البارد سخنا مرا
رد شعاع الشمس فاستقرا * اخاف ان اكذب اواغرا

فقال له محمد بن الاشعث : انك لا تكذب ولا تخدع ولا تغر ، ان القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك ، وقد اثخن بالحجارة وعجز عن القتال وانبهر فاسند ظهره إلى جنب تلك الدار ، فدنا محمد
 

- ص 50 -

بن الاشعث ، فقال : لك الامان ، فقال : آمن انا ؟ قال : نعم ، وقال القوم : انت آمن غير عمرو بن عبيدالله بن العباس السلمى فانه قال : لا ناقة لي في هذا ولا جمل وتنحى .

وقال ابن عقيل : اما لو لم تؤمنوني ما وضعت يدي في ايديكم ، واتى ببغلة فحمل عليها واجتمعوا حوله وانتزعوا سيفه من عنقه ، فكأنه عند ذلك آيس من نفسه ، فدمعت عيناه ، ثم قال هذا اول الغدر ، قال محمد بن الاشعث : ارجو الا ( لا ) يكون

عليك بأس ، قال : ما هو الا الرجاء اين امانكم ؟ انا لله وانا إليه راجعون وبكى . فقال له عمرو بن عبيدالله بن عباس : ان من يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك قال : اني والله ما لنفسي ابكى ولا لها من القتل ارثى وان

كنت لم احب لها طرفة عين تلفا . ولكن ابكى لاهلي المقبلين إلى ، ابكى لحسين وآل حسين ، ثم اقبل على محمد بن الاشعث فقال : يا عبدالله اني اراك والله ستعجز عن اماني فهل عندك خير تستطيع ان تبعث من عندك رجلا على لساني يبلغ حسينا

فاني لا اراه الا قد خرج اليكم اليوم مقبلا أو هو خرج غدا هو واهل بيته وان ما ترى من جزعى لذلك . فيقول : ان ابن عقيل بعثني اليك وهو في ايدي القوم اسير لا يرى ان تمشى حتى تقتل ، وهو يقول : ارجع باهل بيتك ولا يغرك اهل الكوفة

فانهم اصحاب ابيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل ، ان اهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لمكذوب رأى ، فقال ابن الاشعث : والله لافعلن ولاعلمن ابن زياد اني قد امنتك .
 

- ص 51 -

قال أبو مخنف : فحدثني جعفر بن ( 1 ) حذيفة الطائي وقد عرف سعيد بن شيبان الحديث قال : دعا محمد بن الاشعث اياس بن العثل الطائي من بني مالك بن عمرو بن ثمامة ، وكان شاعرا وكان لمحمد زوارا ، فقال له : الق حسينا فأبلغه هذا الكتاب

وكتب فيه الذي امره ابن عقيل وقال له : هذا زادك وجهازك ومتعة لعيالك ، فقال : من أين لي براحلة فان راحلتي قد انضيتها ، قال : هذه راحلة فاركبها برحلها . ثم خرج فاستقبله بزبالة لاربع ليال فاخبره الخبر وبلغه الرسالة ،

فقال له حسين : كل ما حم نازل ، وعند الله نحتسب انفسنا وفساد امتنا ، وقد كان مسلم بن عقيل حيث تحول إلى دار هاني بن عروة وبايعه ثمانية عشر الفا قدم كتابا إلى حسين مع عابس بن ابي شبيب الشاكري . اما بعد : فان الرائد لا يكذب اهله ،

وقد بايعني من اهل الكوفة ثمانية عشر الفا ، فعجل الاقبال حين يأتيك كتابي فان الناس كلهم معك ليس لهم في آل معاوية رأى ولا هوى والسلام .
 

  * هامش *  
  (1) جعفر بن حذيفة . عن علي ، وعنه أبو مخنف وفي كتاب ابن أبي حاتم جعفر بن حذيفة من آل عامر بن جوين بن عامر بن قبس الجرمي كان مع علي يوم صفين ، وروى عنه أبو مخنف ،

وذكره ابن حبان في الثقات ميزان الاعتدال ( ج 1 ص 405 ) المغنى ( ج 1 ص 132 ) لسان الميزان ( ج 2 ص 113 ) . ( * )

 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الحسين (ع)

 

فهرس الكتاب