تباشيرهم بالحسين عليه السلام ما ساءه .
فقال مسلم : بن عمرو لما أكثروا : تأخروا : هذا الامير
عبيدالله بن زياد ، فأخذ حين أقبل على الظهر وانما معه بضعة عشر رجلا ، فلما
دخل القصر وعلم الناس أنه عبيدالله بن زياد دخلهم من ذلك كابة وحزن شديد ، وغاظ
عبيدالله ما سمع منهم وقال : الا أرى هؤلاء كما أرى
قال هشام : قال أبو مخنف : فحدثني المعلى بن كليب عن ابي وداك ، قال : لما نزل
القصر نودى : الصلاة جامعة ، قال : فاجتمع الناس فخرج الينا فحمد الله واثنى
عليه ثم قال : أما بعد فان امير المؤمنين أصلحه الله ولاني مصركم وثغركم ،
وأمرني بانصاف مظلومكم ، وأعطاء محرومكم ، وبالاحسان إلى
سامعكم ومطيعكم ، وبالشدة على مريبكم وعاصيكم ، وأنا متبع فيكم أمره ، ومنفذ
فيكم عهده ، فانا لمحسنكم ومطيعكم كالوالد البر ، وسوطي وسيفي على من ترك أمري
، وخالف
عهدي ، فليبق امرء على نفسه الصدق ينبى عنك لا الوعيد ، ثم
نزل فاخذ العرفاء والناس أخذا شديدا فقال : اكتبوا إلى الغرباء ومن فيكم من
طلبة أمير المؤمنين ومن فيكم من الحرورية وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف
والشقاق ، فمن كتبهم لنا
فبرئ ، ومن لم يكتب لنا أحدا فيضمن لنا ما في عرافته ألا
يخالفنا منهم مخالف ، ولا يبغى علينا منهم باغ ، فمن لم يفعل برئت منه الذمة ،
وحلال لنا ماله وسفك دمه ، وأيما عريف وجد في عرافته من بغية امير المؤمنين احد
لم يعرفه الينا صلب على باب داره والغيت تلك العرافة من العطاء وسير إلى موضع
بعمان الزارة
وأما عيسى بن يزيد الكناني فانه قال فيما ذكر عمر بن شبة عن
هارون بن مسلم عن علي بن صالح عنه ، قال : لما جاء كتاب يزيد إلى عبيدالله بن
زياد انتخب من اهل البصرة خمسمأة فيهم عبدالله بن الحارث بن نوفل ، وشريك بن
الاعور ، وكان
شيعة لعلي ، فكان اول من سقط بالناس شريك ، فيقال : انه تساقط
غمرة ومعه ناس ، ثم سقط عبدالله بن الحارث ، وسقط معه ناس ورجوا أن يلوى عليهم
عبيدالله ويسبقه الحسين إلى الكوفة ، فجعل لا يلتفت إلى من سقط ويمضي حتى ورد
لقادسية وسقط مهران مولاه فقال أيا مهران على هذه الحال ان
أمسكت عنك حتى تنظر إلى القصر فلك مأة الف قال لا والله ما استطيع فنزل
عبيدالله فأخرج ثيابا مقطعة من مقطعات اليمن ، ثم اعتجر بمعجرة يمانية ، فركب
بغلته ثم انحدر راجلا
وحده ، فجعل يمر بالمحارس ، فكلما نظروا إليه لم يشكوا انه
الحسين فيقولون : مرحبا بك يابن رسول الله ، وجعل لا يكلمهم وخرج إليه الناس من
دورهم و بيوتهم ، وسمع بهم النعمان بن بشير فغلق عليه وعلى خاصته .
وانتهى إليه عبيدالله وهو لا يشك انه الحسين ومعه الخلق يضجون
. فكلمه النعمان فقال : انشدك الله الا تنحيت عني ، ما أنا بمسلم اليك امانتي
ومالي في قتلك من أرب ، فجعل لا يكلمه ، ثم انه دنا وتدلى الاخر بين شرفتين
فجعل يكلمه فقال : افتح
لافتحت ، فقد طال ليلك ، فسمعها انسان خلقه فتكفى إلى القوم
فقال : أي قوم ابن مرجانة والذي لا إله غيره ، فقالوا : ويحك انما هو الحسين
ففتح له النعمان فدخل وضربوا الباب في وجوه الناس فانفضوا واصبح فجلس على
المنبر
فقال : ايها الناس اني لاعلم انه قد سار معي وأظهر الطاعة لي
من هو عدو للحسين حين ظن ان الحسين قد دخل البلد وغلب عليه ، والله ما عرفت
منكم أحدا ثم نزل وأخبر أن مسلم بن عقيل قدم قبله بليلة وأنه بناحية الكوفة ،
فدعا مولى لبني تميم
فاعطاه مالا وقال : انتحل هذا الامر وأعنهم بالمال واقصد
لهاني ومسلم وانزل عليه ، فجاء هانئا فاخبره انه شيعة وأن معه مالا . وقدم شريك
بن الاعور شاكيا فقال لهاني : مر مسلما يكون عندي فان عبيدالله يعودني ،
وقال شريك لمسلم : أرأيتك ان امكنتك من عبيدالله اضاربه انت
بالسيف ؟ قال : نعم والله ، وجاء عبيدالله شريكا يعوده في منزل هاني وقد قال
شريك لمسلم إذا سمعتني اقول : اسقوني ماءا فاخرج عليه فاضربه ، وجلس عبيدالله
على فراش شريك
وقام على رأسه مهران فقال : اسقوني مائا ، فخرجت جارية بقدح
فرأت مسلما فزالت ، فقال شريك : اسقوني ماءا ثم قال الثالثة : ويلكم تحموني
الماء اسقونيه ولو كانت فيه نفس ، ففطن مهران فغمز عبيدالله فوثبب ،
فقال شريك : أيها الامير اني اريد ان اوصى اليك ، قال اعود
اليك ، فجعل مهران يطرد به وقال اراد والله قتلك ، قال : وكيف مع اكرامي شريكا
وفي بيت هاني ويد ابي عنده يد ، فرجع فأرسل إلى اسماء بن خارجة ومحمد بن الاشعث
فقال :
ائتياني بهاني ، فقالا له : انه لا يأتي الا بالامان ، قال :
وماله وللامان ، وهل أحدث حدثا ؟ انطلقا فان لم يأت الا بأمان فآمناه تأتياه ،
فدعواه فقال : انه ان اخذني قتلني فلم يزالا به حتى جائا به وعبيدالله يخطب يوم
الجمعة فجلس في المسجد وقد رجل هاني غديرتيه ، فلما صلى عبيدالله قال :
يا هاني فتبعه ودخل فسلم ، فقال عبيدالله : يا هاني اما تعلم
ان ابي قدم هذا البلد فلم يترك احدا من هذه الشيعة الا قتله غير ابيك وغير حجر
، وكان مع حجر ما قد علمت ، ثم لم يزل يحسن صحبتك ، ثم كتب إلى امير الكوفة ان
حاجتى قبلك هاني
قال نعم . قال فكان جزائي ان خبأت في بيتك رجلا ليقتلني ؟ قال
: ما فعلت ، فأخرج التميمي الذي كان عينا عليهم ، فلما رآه هاني علم ان قد
اخبره الخبر .
فقال ايها الامير قد كان الذي بلغك ولن اضيع يدك عني ، فأنت
آمن واهلك فسر حيث شئت ، فكبا عندها ومهران قام على رأسه في يده معكزة ، فقال ،
واذلاه هذا العبد الحائك يؤمنك في سلطانك ؟ فقال : خذه ، فطرح المعكزة واخذ
بصفيرتي
هاني ثم اقنع بوجهه ، ثم اخذ عبيدالله المعكزة فضرب به وجه هاني وندر
الزج فارتز في الجدار ، ثم ضرب وجهه حتى كسر انفه وجبينه وسمع الناس الهيعة
وبلغ الخبر مذحج فأقبلوا واطافوا بالدار ، وامر عبيدالله بهاني فالقى في بيت ،
وصيح
المذحجيون وأمر عبيدالله مهران ان يدخل عليه شريحا فخرج فأدخله عليه ودخلت
الشرط معه . فقال : يا شريح قد ترى ما يصنع بي ؟ قال : اراك حيا . قال وحي انا
مع ما ترى ؟ اخبر قومي انهم ان انصرفوا قتلني ، فخرج إلى عبيدالله فقال رأيته
حيا ورأيت أثرا سيئا قال وتنكر ان يعاقب الوالى رعيته ، اخرج إلى هؤلاء فأخبرهم
، فخرج وأمر عبيدالله الرجل فخرج معه فقال لهم شريح : ما هذه الرعة السيئة ،
الرجل حي وقد عاتبه سلطانه بضرب لم يبلغ نفسه ، فانصرفوا ولا تحلوا بانفسكم ولا
بصاحبكم فانصرفوا .