( قال أبو مخنف ) وحدثني صلة بن زهير النهدي عن مسلم بن
عبدالله الضبابى قال لما ظهر المختار واستمكن ونفى ابن مطيع وبعث عماله اقبل
يجلس للناس غدوة وعشية فيقضى بين الخصمين ثم قال والله ان لي فيما از اول
واحاول لشغلا عن
القضاء بين الناس قال فاجلس للناس شريحا وقضى بين الناس ثم
انه خافهم فتمارض وكانوا يقولون انه عثماني وانه ممن شهد على حجر بن عدى وانه
لم يبلغ عن هاني بن عروة ما ارسله به وقد كان علي بن ابي طالب عزله عن القضاء
فلما ان
سمع بذلك ورآهم يذمونه ويسندون إليه مثل هذا القول تمارض وجعل
المختار مكانه عبدالله بن عتبة بن مسعود ثم ان عبدالله مرض فجعل مكانه عبدالله
ابن مالك الطائي قاضيا قال مسلم بن عبدالله وكان عبدالله بن همام سمع ابا عمرة
يذكر الشيعة وينال
من عثمان بن عفان فقنعه بالسوط فلما ظهر المختار كان معتزلا
حتى استامن له عبدالله بن شداد فجاء إلى المختار ذات يوم فقال
الا انتسات بالودعنك وادبرت * معالنة
بالهجر ام سريع
وحملها واش سعى غير مؤتل * فأبت بهم في الفواد جميع
فخفض عليك الشأن لا يردك الهوى * فليس
انتقال خلة ببديع
وفي ليلة المختار ما يذهل الفتى * ويلهيه عن رؤد الشباب شموع
دعايا لثأرات الحسين فأقبلت * كتائب
من همدان بعد هزيع
ومن مذ حج جاء الرئيس بن مالك * يقود جموعا عبيت بجموع
ومن أسد وافى يزيد لنصره * بكل فتى
حامى الذمار منيع
وجاء نعيم خير شيبان كلها * بأمر لدى الهيجا احد جميع
وما ابن شميط إذ يحرض قومه * هناك
بمخذول ولا بمضيع
ولا قيس نهد لا ولا ابن هوازن * وكل اخو اخباته وخشوع
وسار أبو النعمان لله سعيه * إلى ابن
اياس مصحرا لوقوع
بخيل عليها يوم هيجا دروعها * واخرى حسورا غير ذات دروع
فكر الخيول كرة ثقفتهم * وشد باولاها
على ابن مطيع
فولى بضرب يشدخ الهام وقعه * وطعن غداة السكتين وجيع
فحوصر في دار الامارة بائيا * بذل
وارغا له وخصوع
فمن وزير ابن الوصي عليهم * وكان لهم في الناس خير شفيع
وآب الهدى حقا إلى مستقره * بخير اياب
آبه ورجوع
إلى الهاشمي المهتدى المهتدى به * فنحن له من سامع ومطيع
قال فلما أنشدها للمختار قال المختار لاصحابه قد أثنى عليكم
كما تسمعون وقد أحسن الثناء عليكم فأحسنوا له الجزاء ثم قام المختار فدخل وقال
لاصحابه لا تبرحوا حتى اخرج اليكم قال وقال عبدالله بن شداد الجشمى يا ابن همام
ان لك عندي فرسا
ومطرفا وقال قيس بن طهفة النهدي وكانت عنده الرباب بنت الاشعث
فان لك عندي فرسا ومطرفا واستحيا ان يعطيه صاحبه شيئا لا يعطى مثله فقال ليزيد
بن انس فما تعطيه فقال يزيد ان كان ثواب الله اراد بقوله فما عند الله خير له
وان كان انما
اعترى بهذا القول أموالنا فوالله ما في أموالنا ما يسعه قد
كانت بقيت من عطائي بقية فقويت بها اخواني .
فقال احمر بن شميط مبادرا لهم قبل ان يكلموه يا ابن همام ان
كنت اردت بهذا القول وجه الله فاطلب ثوابك من الله وان كنت انما اعتريت به رضى
الناس وطلب اموالهم فاكدم الجندل فوالله من قال قولا لغير الله وفي غير ذات
الله بأهل ان ينحل ولا
يوصل . فقال له عضضت بأيرابيك فرفع يزيد بن انس السوط وقال
لابن شميط تقول هذا القول يا فاسق وقال لابن شميط اضربه بالسيف فرفع ابن شميط
عليه السيف ووثب ووثب أصحابهما يتفلتون على بن همام وأخذ بيده ابراهيم بن
الاشتر فألقاه
وراءه وقال أثاله جار لم تأتون إليه ما أرى فوالله انه لو اصل
الولاية راض بما نحن عليه حسن الثناء فان أنتم لم تكافئوه بحسن ثنائه فلا
تشتموا عرضه ولا تسفكوا دمه ووثبت مذحج فحالت دونه وقالوا أجاره ابن الاشتر لا
والله لا يوصل إليه .
قال وسمع لغطهم المختار فخرج إليهم وأومأ بيده إليهم ان
اجلسوا فجلسوا فقال لهم إذا قيل لكم خير فاقبلوه وان قدرتم على مكافأة فافعلوا
وان لم تقدروا على مكافاة فتنصلوا واتقوا لسان الشاعر فان شره حاضر وقوله فاجر
وسعيه بائر وهو بكم غدا
غادر فقالوا أفلا تقتله قال لا اناقد آمناه وأجرناه وقد أجاره
أخوكم ابراهيم بن الاشتر فجلس مع الناس قال ان ابراهيم قام فانصرف إلى منزله
فأعطاه ألفا وفرسا ومطرفا فرجع بها وقال لا والله لا جاورت هؤلاء أبدا وأقبلت
هوازن وغضبت
و اجتمعت في المسجد غضبا لابن همام فبعث إليهم المختار فسألهم
أن يصفحوا عما اجتمعوا له ففعلوا وقال ابن همام لابن الاشتر يمدحه
اطفأ عن نار كلبين ألبا * على الكلاب ذو الفعال ابن مالك
قل حين يلقى الخيل يفرق بينها * يطعن دراك أو بضرب مواشك
وقد غضبت لى من هوازن عصبة * طوال
الذرى فيها عراض المبارك
إذا ابن شميط أو يزيد تعرضا * لها وقعا في مستحار المهالك
وثبتم علينا يا موالى طبئ * مع ابن
شميط شر ماش وراتك
واعظم ديار على الله فرية * وما مفتر طاغ كآخر ناسك
فيا عجبا من أحمس ابنة أحمس * توثب
حولي بالقنا والنيازك
كأنكم في العز قيس وخثعم * وهل أنتم الا لئام عوارك
وأقبل عبدالله بن شداد من الغد فجلس في المسجد يقول علينا
توثب بنو أسد واحمس والله لا نرضى بهذا ابدا فبلغ ذلك المختار فبعث إليه فدعاه
ودعا بيزيد بن أنس وبابن شميط فحمد الله واثنى عليه وقال يا ابن شداد ان الذي
فعلت نزعة من نزعات
الشيطان فتب إلى الله قال قد تبت وقال ان هذين أخواك فأقبل
اليهما واقبل منهما وهب لي هذا الامر قال فهو لك وكان ابن همام قد قال قصيدة
اخرى في أمر المختار فقال
اصحت سليمى بعد طول عتاب * وتجرم
ونفاد غرب شباب
قد أزمعت بصريمتى وتجنبى * وتهوك من ذاك في اعتاب
لما رأيت القصر اغلق بابه * وتوكلت
همدان بالاسباب
ورأيت اصحاب الدقيق كأنهم * حول البيوت ثغالب الاسراب
ورايت ابواب الازقة حولنا * دربت بكل
هراوة ودباب
ايقنت ان خيول شيعة راشد * لم يبق منها فيش ابر ذباب
ذكر هشام بن محمد عن عوانة بن الحكم أن مروان بن الحكم لما
استوثقت له الشام بالطاعة بعث جيشين احدهما إلى الحجاز عليه حبيش بن دلجة
القينى وقد ذكرنا أمره وخبر مهلكه قبل والآخر منهما
إلى العراق عليهم عبيدالله بن زياد وقد ذكرنا ما كان من أمره
وأمر التوابين من الشيعة بعين الوردة وكان مروان جعل لعبيدالله بن زياد إذ وجهه
إلى العراق ما غلب عليه وأمره أن ينهب الكوفة إذا هو ظفر باهلها ثلاثا قال
عوانة فمر بأرض
الجزيرة فاحتبس بها وبها قيس عيلان على طاعة ابن الزبير وقد
كان مروان أصاب قيسا يوم مرج راهط وهم مع الضحاك بن قيس مخالفين على مروان وعلى
ابنه عبدالملك من بعده فلم يزل عبيد الله مشتغلا بهم عن العراق نحوا من سنة .
ثم انه
اقبل إلى الموصل فكتب عبدالرحمن بن سعيد بن قيس عامل المختار
على الموصل إلى المختار أما بعد فاني أخبرك أيها الامير أن عبيد الله بن زياد
قد دخل أرض الموصل وقد وجه قبلى خيله ورجاله وانى انحزت إلى تكريت حتى يأتيني
رأيك
وأمرك والسلام عليك . فكتب إليه المختار أما بعد فقد بلغني
كتابك وفهمت كل ما ذكرت فيه فقد أصبت بانحيازك إلى تكريت فلا تبرحن مكانك الذى
أنت به حتى يأتيك أمرى ان شاء الله والسلام عليك .
( قال هشام ) عن أبي مخنف حدثني موسى بن عامر أن كتاب عبدالرحمن بن سعيد لما
ورد على المختار بعث إلى يزيد بن أنس فدعاه فقال له يا يزيد بن أنس ان العالم
ليس كالجاهل وان الحق ليس كالباطل واني أخبرك خبر من لم يكذب ولم يكذب
ولم يخالف ولم يرتب وانا المؤمنون الميامين الغالبون المساليم
وانك صاحب الخيل التي تجر جعابها وتضفر اذنابها حتى توردها منابت الزيتون غائرة
عيونها
لاحقة بطونها اخرج إلى الموصل حتى تنزل أدانيها فاني ممدك
بالرجال بعد الرجال . فقال له يزيد بن انس سرح معى ثلاثة آلاف فارس أنتخبهم و
خلنى والفرج الذي توجهنا إليه فان احتجت إلى الرجال فسأكتب اليك قال له المختار
فاخرج فانتخب
على اسم الله من أحببت فخرج فانتخب ثلاثة آلاف فارس فجعل على
ربع المدينة النعمان بن عوف بن ابي جابر الازدي وعلى ربع تميم وهمدان عاصم بن
قيس بن حبيب الهمداني وعلى مذحج واسد ورقاء بن عازب الاسدي وعلى ربع ربيعة
وكندة سعر بن ابي سمر الحنفي . ثم انه فصل من الكوفة فخرج
وخرج معه المختار والناس يشيعونه فلما بلغ دير ابى موسى ودعه المختار وانصرف ثم
قال له إذا لقيت عدوك فلا تناظرهم وإذا امكنتك الفرصة فلا تؤخرها وليكن خبرك في
كل
يوم عندي وان احتجت إلى مدد فاكتب إلى مع اني ممدك ولو لم
تستمدد فانه أشد لعضدك وأعز لجندك وأرعب لعدوك فقال له يزيد بن انس لا تمدني
الا بدعائك فكفى به مددا . وقال له الناس صحبك الله وأداك وايدك وودعوه فقال
لهم يزيد سلوا الله
لي الشهادة وايم الله لئن لقيتهم ففاتنى النصر لا تفتني
الشهادة ان شاء الله فكتب المختار إلى عبدالرحمن بن سعيد بن قيس أما بعد فخل
بين يزيد وبين البلاد ان شاء الله والسلام عليك فخرج يزيد بن انس بالناس حتى
بات بسورا ثم عذابهم سائرا حتى
بات بالمدائن فشكا الناس إليه ما دخلهم من شدة السير عليهم
فأقام بها يوما وليلة
ثم انه اعترص بهم أرض جوخى حتى خرج بهم في الراذنات حتى قطح
بهم إلى أرض الموصل . فنزل ببنات تلى وبلغ مكانه ومنزله الذي نزل به عبيدالله
بن زياد فسأل عن عدتهم فأخبرته عيونه أنه خرج معه من الكوفة ثلاثة آلاف فارس
فقال
عبيدالله فأنا أبعث إلى كل الف ألفين ودعا ربيعة بن المخارق
الغنوى وعبد الله بن حملة الخثعمي فبعثهما في ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف وبعث ربيعة
بن المخارق اولا ثم مكث يوما ثم بعث خلفة عبدالله بن حملة ثم كتب اليهما أيكما
سبق فهو امير على
صاحبه وان انتهيتما جميعا فأكبر كما سنا أمير على صاحبه
والجماعة قال فسبق ربيعة بن المخارق فنزل بيزيد ابن انس و هو ببنات تلى فخرج
إليه يزيد بن انس وهو مريض مضنى .
( قال أبو مخنف ) فحدثني ابو الصلت عن ابي سعيد الصيقل قال خرج علينا يزيد بن
أنس وهو مريض على حمار يمشى معه الرجال يمسكونه عن يمينه وعن شماله بفخذيه
وعضديه وجنبيه فجعل يقف على الارباع ربع ربع ويقول يا شرطة الله
اصبروا تؤجروا وصابروا عدوكم تظفروا وقاتلوا اولياء الشيطان
ان كيد الشيطان كان ضعيفا ان هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الاسدي فان هلك
فأميركم عبدالله بن ضمرة العذري فان هلك فأميركم سعر بن ابي سعر الحنفي . قال
وانا والله فيمن
يمشى معه ويمسك بعضده ويده وانى لاعرف في وجهه ان الموت قد
نزل به قال فجعل يزيد بن انس عبدالله ابن ضمرة العذري على ميمنته وسعر بن ابي
سعر على ميسرته وجعل ورقاء بن عازب الاسدي على الخيل ونزل هو فوضع بين الرجال
على السرير
ثم قال لهم ابرزوا لهم بالعراء وقد مونى في الرجال . ثم ان
شئتم فقاتلوا عن اميركم وان شئتم ففروا عنه قال فأخرجناه في ذي الحجة يوم عرفة
سنة 66 فأخذنا نمسك احيانا بظهره فيقول اصنعوا كذا اصنعوا كذا وافعلوا كذا
فيأمر بامره ثم لا يكون
باسرع من ان يغلبه الوجع فيوضع هنيهة ويقتتل الناس وذلك عند
شفق الصبح قبل شروق الشمس قال فحملت ميسرتهم على ميمنتنا فاشتد قتالهم وتحمل
ميسرتنا على ميمنتهم فتهزمها ويحمل ورقاء بن عازب الاسدي في الخيل فهزمهم فلم
يرتفع الضحى حتى هزمناهم وحوينا عسكرهم .
( قال أبو مخنف ) وحدثني موسى بن عامر العدوى قال انتهينا إلى ربيعة بن المخارق
صاحبهم وقد انهزم عنه اصحابه وهو نازل ينادى يا اولياء الحق ويا اهل السمع
والطاعة إلى انا ابن المخارق قال موسى فأما أنا فكنت غلاما حدثا فهبته ووقفت
ويحمل عليه عبدالله بن ورقاء الاسدي وعبد الله بن ضمرة العذري فقتلاه .
( قال أبو مخنف ) وحدثني عمرو بن مالك أبو كبشة القينى قال كنت غلاما حين راهقت
مع احد عمومتي في ذلك العسكر فلما نزلناه بعسكر الكوفيين عبانا ربيعة بن
المخارق فأحسن التعبية وجعل على ميمنته ابن أخيه وعلى ميسرته عبدربه السلمى
وخرج هو في الخيل والرجال و قال يا أهل الشام انكم انما
تقاتلون العبيد الاباق وقوما قد تركوا الاسلام وخرجوا منه ليست لهم تقية ولا
ينطقون بالعربية قال فوالله ان كنت لاحسب أن ذلك كذلك حتى قاتلناهم قال فوالله
ما هو الا أن اقتتل الناس إذا رجل من أهل العراق يعترض الناس بسيفه وهو يقول
برئت من دين المحكمينا * وذاك فينا شر دين دينا ثم ان قتالنا
وقتالهم اشتد ساعة من التهار ثم انهم هزمونا حين ارتفع الضحى فقتلوا صاحبنا
وحووا عسكرنا فخرجنا منهزمين حتى تلقانا عبدالله بن حملة على مسيرة ساعة من تلك
القرية التي
يقال لها ببنات تلى فردنا فأقبلنا معه حتى نزل بيزيد ابن أنس
فبتنا متحارسين حتى أصبحنا فصلينا الغداة ثم خرجنا على تعبية حسنة فجعل على
ميمنته الزبير بن حريمة من خثعم وعلى ميسرته ابن أقيصر القحا في من خثعم وتقدم
في الخيل و الرجال
وذلك يوم الاضحى فاقتتلنا قتالا شديدا ثم انهم هزمونا هزيمة
قبيحة وقتلونا قتلا ذريعا وحووا عسكرنا وأقبلنا حتى انتهينا إلى عبيدالله بن
زياد فحدثناه بما لقينا .
( قال أبو مخنف ) وحدثني موسى بن عامر قال اقبل الينا عبدالله بن حملة الخثعمي
فاستقبل فل ربيعة بن المخارق الغنوى فردهم ثم جاء حتى نزل ببنات تلى فلما اصبح
غادوا وغادينا فتطارت الخيلان من أول النهار ثم انصرفوا وانصرفنا حتى إذا
صلينا الظهر خرجنا فاقتتلنا ثم هزمنا هم قال ونزل عبدالله بن
حملة فأخذ ينادى اصحابه الكرة بعد الفرة يا أهل السمع والطاعة فحمل عليه
عبدالله بن قراد الخثعمي فقتله وحوينا عسكرهم وما فيه وأتى يزيد بن انس
بثلثمائة اسير وهو في السوق
فأخذ يومى بيده ان اضربوا أعناقهم فقتلوا من عند آخرهم وقال
يزيد ابن انس ان هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الاسدي فما امسى حتى مات فصلى عليه
ورقاء بن عازب ودفنه فلما رأى ذلك أصحابه اسقط في ايديهم وكسر موته قلوب اصحاب
وأخذوا في دفنه
فقال لهم ورقاء يا قوم ماذا ترون انه قد بلغني أن عبيدالله بن
زياد قد أقبل الينا في ثمانين الفا من أهل الشام فاخذوا يتسللون ويرجعون ثم ان
ورقاء دعا رؤوس الارباع وفرسان اصحابه فقال لهم يا هؤلاء ماذا ترون فيما
أخبرتكم انما أنا رجل منكم
ولست بأفضلكم رأيا فاشيروا على فان ابن زياد قد جاءكم في جند
أهل الشام الاعظم وبجلتهم وفرسانهم و اشرافهم ولا ارى لناولكم بهم طاقة على هذه
الحال . وقد هلك يزيد بن انس أميرنا وتفرقت عنا طائفة منا فلو انصرفنا اليوم من
تلقاء أنفسنا قبل
ان تلقاهم وقبل أن نبلغهم فيعلموا انا انما ردنا عنهم هلاك
صاحبنا فلا يزالوا لنا هائبين لقتلنا منهم اميرهم ولانا انما نعتل لانصرافنا
يموت صاحبنا وانا ان لقيناهم اليوم كنا مخاطرين فان هزمنا اليوم لم تنفعنا
هزيمتنا اياهم من قبل اليوم قالوا فانك
نعما رأيت انصرف رحمك الله فانصرف فبلغ منصرفهم ذلك المختار
اهل الكوفة فاوجف الناس ولم يعلموا كيف كان الامر ان يزيد بن انس هلك وان الناس
هزموا فبعث إلى المختار عامله على المدائن عينا له من انباط السواد فأخبره
الخبر فدعا
المختار ابراهيم بن الاشتر فعقد له على سبعة آلاف رجل ثم قال
له سر حتى إذا انت لقيت جيش ابن انس فارددهم معك ثم سرحتى تلقى عدوك فتناجزهم
فخرج ابراهيم فوضع عسكره بحمام أعين .
( قال أبو مخنف ) فحدثني أبو زهير النضر بن صالح قال لما مات يزيد بن أنس التقى
اشراف الناس بالكوفة فارجفوا بالمختار وقالوا قتل يزيد بن انس ولم يصدقوا انه
مات اخذوا يقولون والله لقد تامر علينا هذا
الرجل بغير رضى منا ولقد أدنى موالينا فحملهم على الدواب
واعطاهم واطعمهم فيئنا ولقد عصتنا عبيدنا فحرب بذلك ايتامنا واراملنا فاتعدوا
منزل شبث بن ربعى وقالوا نجتمع في منزل شيخنا وكان شبث جاهليا اسلاميا فاجتمعوا
فاتوا منزلي فصلى
بأصحابه ثم تذاكروا هذا النحو من الحديث قال ولم يكن فيما
احدث المختار عليهم شئ هو اعظم من ان جعل للموالي من الفئ نصيبا فقال لهم شبث
دعوني حتى القاه فذهب فلقيه فلم يدع شيئا مما انكره اصحابه الا وقد ذاكره اياه
فأخذ لا يذكر
خصلة الا قال له المختار أرضيهم في هذه الخصلة وآتى كل شئ
احبوا قال فذكر المماليك قال فأنا ارد عليهم عبيدهم فذكر له الموالى فقال عمدت
إلى موالينا وهم في افاءه الله علينا وهذه البلاد جميعا فاعتقنا رقابهم نأمل
الاجر في ذلك والثواب
والشكر فلم ترض لهم بذلك حتى جعلتهم شركاءنا في فيئنا فقال
لهم المختار ان انا تركت لكم مواليكم وجعلت فيأكم فيكم اتقاتلون معى بني امية
وابن الزبير وتعطون على الوفاء بذلك عهد الله ومياقه وما اطمئن إليه من الايمان
فقال شبث ما ادرى
حتى أخرج إلى اصحابه فاذاكرهم ذلك فخرج فلم يرجع إلى المختار
قال واجمع رأى اشراف أهل الكوفة على قتال المختار
( قال أبو مخنف ) فحدثني قدامة بن حوشب قال جاء شبث ابن ربعى وشمر بن ذي الجوشن
ومحمد بن الاشعث وعبد الرحمن بن سعيد بن قيس حتى دخلوا على كعب بن ابي كعب
الخثعمي فتكلم شبث فحمد الله وأثنى عليه ثم اخبره باجتماع رأيهم على قتال
المختار وساله ان
يجيبهم إلى ذلك وقال فيما يعتب له المختار انه تأمر علينا
بغير رضى منا وزعم أن ابن الحنفية بعثه الينا وقد علمنا ان ابن الحنفية لم يفعل
واطعم موالينا فيئنا وأخذ عبيدنا فحرب بهم يتاما ناو أراملنا واظهر هو وسبايته
البراءة من اسلافنا الصالحين قال فرحب بهم كعب بن ابي كعب واجابهم إلى ما دعوه
إليه .
( قال أبو مخنف ) فحدثني أبي يحيى بن سعيد ان أشراف اهل الكوفة قد كانوا دخلوا
على عبدالرحمن بن مخنف فدعوه إلى ان يجيبهم إلى قتال المختار فقال لهم يا هؤلاء
انكم ان ابيتم الا ان تخرجوا لم اخذ لكم وان انتم اطعتموني لم تخرجوا فقالوا
لم قال لاني أخاف أن تتفرقوا وتختلفوا وتتخاذلوا ومع الرجل
والله شجعاؤكم وفرسانكم من انفسكم اليس معه فلان وفلان ثم معه عبدكم ومواليكم
وكلمة هؤلاء واحدة وعبيدكم ومواليكم اشد حنقا عليكم من عدوكم فهو مقاتلكم
بشجاعة العرب وعداوة
العجم وان انتظرتموه قليلا كفيتموه بقدوم اهل الشام أو بمجئ
أهل البصرة فتكونوا قد كفيتموه بغيركم ولم تجعلوا بأسكم بينكم قالوا ننشدك الله
ان نخالفنا وان تفسد علينا رأينا وما قد اجتمعت عليه جماعتنا قال فانا رجل منكم
فإذا شئتم فاخرجوا فسار
بعضهم إلى بعض وقالوا انتظروا حتى يذهب عنه ابراهيم بن الاشتر
قال فامهلوا حتى إذا بلغ ابن الاشتر ساباط وثبوا بالمختار قال فخرج عبدالرحمن
بن سعيد بن قيس الهمداني في همدان في جبانة السبيع وخرج زحر بن قيس الجعفي
واسحاق ابن محمد بن الاشعث في جبانة كندة .
( قال هشام ) فحدثني سليمان بن محمد الحضرمي قال خرج اليهما
جبير الحضرمي فقال لهما اخرجا عن جبانتنا فانا نكره ان نعرى
بشر فقال له اسحاق بن محمد وجبانتكم هي قال نعم فانصرفوا عنه وخرج كعب بن ابي
كعب الخثعمي في جبانة بشر وسار بشير بن جرير بن عبدالله إليهم في بجيلة وخرج
عبدالرحمن بن مخنف في جبانة المخنف وسار اسحاق بن محمد وزحر
ابن قيس إلى عبدالرحمن بن سعيد بن قيس بجبانة السبيع وسارت بجيلة وخثعم إلى
عبدالرحمن بن مخنف وهو بالازد وبلغ الذين في جبانة السبيع ان المختار قد عبى
لهم خيلا
ليسير إليهم فبعثوا الرسل يتلو بعضها بعضا إلى الازد وبجيلة
وخثعم يسالونهم بالله والرحم لما عجلوا إليهم فسارو إليهم واجتمعوا جميعا في
جبانة السبيع ولما ان بلغ ذلك المختار سره اجتماعهم في مكان واحد . وخرج شمر بن
ذي الجوشن
حتى نزل بجبانة بني سلول في قيس ونزل شبث بن ربعى وحسان بن
فائد العبسى وربيعة بن ثروان الضبى في مضر بالكناسة ونزل حجار بن ابجر ويزيد بن
الحارث بن رؤيم في ربيعة فيما بين التمارين والسبخة ونزل عمر بن الحجاج
الزبيدى في جبانة مراد بمن تبعه من مذحج فبعث إليهم اهل اليمن
ان ائتنا فأبى أن ياتيهم . وقال لهم جدوا فكانى قد اتيتكم قال وبعث المختار
رسولا من يومه يقال له عمر بن توبة بالركض إلى ابراهيم بن الاشتر وهو بساباط ان
لا تضع كنابى من يدك
حتى تقبل بجميع من معك إلى قال وبعث إليهم المختار في ذلك
اليوم اخبروني ما تريدون فاني صانع كل ما احببتم قالوا فانا نريد ان تعتزلنا
فانك زعمت ان ابن الحنفية بعثك
ولم يبعثك فارسل إليهم المختار ان ابعثوا إليه من قبلكم وفدا
وابعث إليه من قبلى وفدا ثم انظروا في ذلك حتى تتبينوه وهو يريد أن يريثهم بهذه
المقالة ليقدم عليه ابراهيم بن الاشتر وقد أمر أصحابه فكفوا أيديهم وقد أخذ أهل
الكوفة عليهم بأفواه
السكك فليس شئ يصل إلى المختار ولا إلى أصحابه من الماء الا
القليل الوتح يجيئهم إذا غفلوا عنه قال وخرج عبدالله بن سبيع في الميدان فقاتله
شاكر قتالا شديدا فجاءه عقبة من طارق الجشمى فقاتل معه ساعة حتى رد عاديتهم عنه
ثم اقبلا على
حاميتهما يسيران حتى نزل عقبه بن طارق مع قيس في جبانة بني
سلول وجاء عبدالله بن سبيع حتى نزل مع أهل اليمن في جبانة السبيع .
( قال أبو مخنف ) حدثني يونس بن أبي اسحاق أن شمر بن ذي الجوشن أتى أهل اليمن
فقال لهم ان اجتمعتم في مكان نجعل فيه مجنبتين ونقاتل من وجه واحد فأنا صاحبكم
والا فلا والله لا اقاتل في مثل هذا المكان في سكك ضيقة ونقاتل من غير
وجه . فانصرف إلى جماعة قومه في جبانة بني سلول قال ولما خرج
رسول المختار إلى ابن الاشتر بلغه من يومه عشية فنادى في الناس ان ارجعوا إلى
الكوفة فسار بقية عشيته تلك ثم نزل حين أمسى فتعشى أصحابه وأراحوا الدواب شيئا
كلا
شئ ثم نادى في الناس فسار ليلته كلها ثم صلى الغداة بسورا ثم
سار من يومه فصلى العصر على باب الجسر من الغد ثم انه جاء حتى بات ليلته في
المسجد ومعه من اصحابه أهل القوة والجلد حتى إذا كان صبيحة اليوم الثالث من
مخرجهم على المختار خرج المختار إلى المنبر فصعده .
( قال أبو مخنف ) فحدثني أبو جناب الكلبى ان شبث بن ربعى بعث
إليه ابنه عبدالمؤمن فقال له انما نحن عشيرتك وكف يمينك لا والله لا نقاتلك فثق
بذلك منا وكان رأيه قتاله ولكنه كاده ولما أن اجتمع أهل اليمن بجبانة السبيع
حضرت الصلاة
فكره كل رأس من رؤس أهل اليمن أن يتقدمه صاحبه فقال لهم
عبدالرحمن بن مخنف هذا أول الاختلاف قدموا الرضى فيكم فان في عشيرتكم سيد قراء
أهل المصر فليصل بكم رفاعة بن شداد الفتياني من بجيلة ففعلوا فلم يزل يصلى بهم
حتى كانت الواقعة .
( قال أبو مخنف ) وحدثني وازع ابن السرى أن أنس بن عمرو الازدي انطلق فدخل في
اهل اليمن وسمعهم وهم يقولون ان سار المختار إلى اخواننا من مضر سرنا إليهم وان
سار الينا ساروا الينا فسمعها منهم رجل وأقبل جوادا حتى صعد إلى
المختار على المنبر فأخبره بمقالتهم فقال اما هم فخلقاء لو
سرت إلى مضر أن يسيروا إليهم وأما أهل اليمن فأشهد لئن سرت إليهم لا تسير إليهم
مضر فكان بعد ذلك يدعو ذلك الرجل ويكرمه . ثم ان المختار نزل فعبى اصحابه في
السوق والسوق إذ
ذاك ليس فيها هذا البناء فقال لابراهيم بن الاشتر إلى أي
الفريقين احب اليك ان تسير فقال إلى أي الفريقين أحببت فنظر المختار وكان ذا
رأى . فكره أن يسير إلى قومه فلا يبالغ في قتالهم فقال سر إلى مضر بالكناسة
وعليهم شبث بن ربعى ومحمد بن عمير بن عطارد وانا اسير إلى اهل اليمن .
قال ولم يزل المختار يعرف بشدة النفس وقلة البقيا على اهل
اليمن وغيرهم إذا ظفر فسار ابراهيم بن الاشتر إلى الكناسة وسار المختار إلى
جبانة السبيع فوقف المختار عند دار عمر بن سعد بن أبي وقاص وسرح بين يديه احمر
بن شميط البجلى
ثم الاحمسي وسرح عبدالله بن كامل الشاكرى . وقال لابن شميط
الزم هذه السكة حتى تخرج إلى أهل جبانة السبيع من بين دور قومك وقال لعبد الله
ابن كامل الزم هذه السكة حتى تخرج على جبانة السبيع من دار آل الاخنس بن شريق
ودعاهما
فأسر اليهما ان شبا ما قد بعثت تخبرني انهم قد اتوا القوم من
ورائهم فمضيا فسلكا الطريقين اللذين أمرهما بهما . وبلغ اهل اليمن مسير هذين
الرجلين إليهم فاقتسموا تينك السكتين فاما السكة التي في دبر المسجد احمس فانه
وقف فيها عبدالرحمن بن
سعيد بن قيس الهمداني واسحاق بن الاشعث وزحر بن قيس واما
السكة التي تلى الفرات . فانه وقف فيها عبدالرحمن بن مخنف وبشير بن جرير بن
عبدالله وكعب بن أبي كعب ثم ان القوم اقتتلوا كأشد قتال اقتتله قوم ثم ان اصحاب
احمر بن
شميط انكشفوا واصحاب عبدالله بن كامل ايضا فلم يرع المختار
الا وقد جاءه الفل قد اقبل فقال ما ورائكم قالوا هزمنا قال فما فعل احمر ابن
شميط قالوا تركناه قد نزل عند مسجد القصاص يعنون مسجد ابي داود في وادعة وكان
يعتاده رجال اهل ذلك الزمان يقصون فيه وقد نزل معه اناس من اصحابه .
وقال أصحاب عبدالله ما ندرى ما فعل ابن كامل فصاح بهم أن
انصرفوا ثم أقبل بهم حتى انتهى إلى دار ابي عبدالله الجدلي وبعث عبد الله بن
قراد الخثعمي وكان على أربعمائة رجل من أصحابه فقال سرفى أصحابك إلى ابن كامل
فان يك هلك فانت
مكانه فقاتل القوم بأصحابك وأصحابه وان تجده حيا صالحا فسر في
مائة من أصحابك كلهم فارس وادفع إليه بقية أصحابك ومربالجد معه والمناصحة له
فانهم انما يناصحونني ومن ناصحنى فليبشر . ثم امض في المائة حتى تأتى أهل جبانة
السبيع
مما يلى حمام قطن بن عبدالله فمضى فوجد ابن كامل واقفا عند
حمام عمرو بن حريث معه أناس من أصحابه قد صبروا وهو يقاتل القوم فدفع إليه
ثلثمائة من اصحابه ثم مضى حتى نزل إلى جبانة السبيع . ثم اخذ في تلك السكك حتى
انتهى إلى مسجد
عبدالقيس فوقف عنده وقال لاصحابه ما ترون قالوا أمرنا لامرك
تبع وكل من كان معه من حاشد من قومه وهم مائة فقال لهم والله اني لاحب أن يظهر
المختار ووالله اني لكاره ان يهلك اشراف عشيرتي اليوم ووالله لان أموت أحب إلى
من ان يحل
بهم الهلاك على يدى ولكن قفوا قليلا فاني قد سمعت شباما
يزعمون أنهم سيأتونهم من ورائهم فلعل شباما تكون هي تفعل ذلك ونعافى نحن منه
قال له اصحابه فرأيك فثبت كما هو عند مسجد عبدالقيس . وبعث المختار مالك بن
عمرو النهدي في مائتي
رجل وكان من اشد الناس بأسا وبعث عبدالله بن شريك النهدي في
مائتي فارس إلى أحمر بن شميط وثبت مكانه فانتهوا إليه وقد علاه القوم وكثروه
فاقتتلوا
عند ذلك كأشد القتال ومضى ابن الاشتر حتى لقى شبث بن ربعى
وأنا سامعه من مضر كثيرا وفيهم حسان بن فائد العبسى . فقال لهم ابراهيم ويحكم
انصرفوا فوالله ما أحب أن يصاب أحد من مضر على يدى فلا تهلكوا أنفسكم فابوا
فقاتلوه فهزمهم
واحتمل حسان بن فائد إلى أهله فمات حين أدخلا إليهم وقد كان
وهو على فراشه قبل موته أفاق افاقة . فقال أما والله ما كنت أحب أن اعيش من
جراحتى هذه وما كنت احب ان تكون منيتى الا بطعنة رمح أو بضربة بالسيف فلم يتكلم
بعدها كلمة حتى
مات وجاءت البشرى إلى المختار من قبل ابراهيم بهزيمة مضر فبعث
المختار البشرى من قبله ألى احمر بن شميط والى ابن كامل فالناس على احوالهم كل
اهل سكة منهم قد أعنت ما يليها . قال فاجتمعت شبام وقد راسوا عليهم ابا القلوص
وقد
اجمعوا واجتمعوا بان ياتوا اهل اليمن من ورائهم فقال بعضهم
لبعض اما والله لو جعلتم جدكم هذا على من خالفكم من غيركم لكان اصوب فسيروا إلى
مضر أو إلى ربيعة فقاتلوهم وشيخهم ابو القلوص ساكت لا يتكلم . فقالوا يا ابا
القلوس ما رايك
فقال قال الله جل ثناؤه (
قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة
) قوموا فقاموا فمشى بهم قيس رمحين أو ثلاثة ثم قال لهم اجلسوا فجلسوا
ثم مشى بهم انفس من ذلك شيئا ثم قعد بهم ثم قال لهم قوموا ثم مشى بهم الثالثة
انفس من ذلك شيئا ثم قعد بهم . فقالوا له يا ابا القلوص والله انك عندنا لاشجع
العرب فما يحملك
على الذي تصنع قال ان المجرب ليس كمن لم يجرب اني اردت ان
ترجع اليكم افئدتكم وان توطنوا على القتال انفسكم وكرهت ان اقحمكم على القتال
وانتم على حال دهش . قالوا انت ابصر بما صنعت فلما خرجوا إلى جبانة السبيع
استقبلهم
على فم السكة الاعسر الشاكرى فحمل عليه الجندعى وابو الزبير
بن كريب فصرعاه ودخلا الجبانة ودخل الناس الجبانة في آثارهم وهم ينادون يا
لثارات الحسين فأجابهم اصحاب ابن شميط يا لثارات الحسين فسمعها يزيد بن عمير بن
ذي مران من
همدان فقال يا لثارات عثمان . فقال لهم رفاعة بن شداد ما لنا
ولعثمان لا اقاتل مع قوم يبغون دم عثمان فقال له اناس من قومه جئت بنا واطعناك
حتى إذا رأينا قومنا تأخذهم السيوف قلت انصرفوا ودعوهم فعطف عليهم وهو يقول .
انا ابن شداد على دين علي * لست
لعثمان بن اروى بولي
لاصلين اليوم فيمن يصطلي * بحر نار الحرب غير مؤتلي
فقاتل حتى قتل وقتل يزيد بن عمير بن ذي مران وقتل النعمان بن
صهبان الجرمى ثم الراسبى وكان ناسكا ورفاعة بن شداد بن عوسجة الفتيانى عند حمام
المهبذان الذي بالسبخة وكان ناسكا وقتل الفرات بن زحر بن قيس الجعفي وارتث زحر
بن
قيس وقتل عبدالرحمن بن سعيد بن قيس وقتل عمر بن مخنف وقاتل
عبدالرحمن بن مخنف حتى ارتث وحملته الرجال على أيديها وما يشعر وقاتل حوله رجال
من الازد فقال حميد بن مسلم .
لا ضربن عن أبي حكيم * مفارق الا عبد
والصميم
وقال سراقة بن مرداس البارقى
يا نفس الا تصبري تلبمى * لا تتولى عن
أبي حكيم
واستخرج من دور الوادعيين خمسمائة أسير فأتى بهم المختار
مكتفين فأخذ رجل من بني نهد وهو من رؤساء أصحاب المختار يقال له عبدالله بن
شريك لا يخلو بعربي الاخلى سبيله فرفع ذلك المختار درهم مولى لبنى نهد فقال له
المختار
اعرضوهم على وانظروا كل من شهد منهم قتل الحسين فأعلموني به
فاخذوا لا يمر عليه برجل قد شهد قتل الحسين الا قيل له هذا ممن شهد قتله فيقدمه
فيضرب عنقه حتى قتل منهم قبل أن يخرج مائتين وثمانية وأربعين قتيلا أخذ اصحابه
كلما رأوا
رجلا قد كان يؤذيهم أو يماريهم أو يضربهم خلوا به فقتلوه حتى
قتل ناس كثير منهم وما يشعر بهم المختار . فأخبر بذلك المختار بعد فدعى بمن بقى
من الاسارى فاعتقهم و أخذ عليهم المواثيق أن لا يجامعوا عليه عدوا ولا يبغوه
ولا اصحابه
غائلة الاسراقة بن مرداس البارقى فانه امر به أن يساق معه إلى
المسجد قال ونادى منادى المختار انه من أغلق بابه فهو آمن الا رجلا شرك في دم
آل محمد صلى الله عليه وسلم .
( قال أبو مخنف ) حدثني المجالد بن سعيد عن عامر الشعبى ان يزيد بن الحارث بن
يزيد بن رؤيم وحجار بن أبجربعثا رسلا لهما فقالا لهم كونوا من أهل اليمن قريبا
فان رأيتموهم قد ظهروا فأيكم سبق الينا فليقل صرفان وان كانوا هزموا فليقل
جمزان فلما هزم أهل اليمن اتتهم رسلهم فقال لهم اول من انتهى إليهم جمزان .
فقام الرجلان فقالا لقومهما انصرفوا إلى بيوتكم فانصرفوا و
خرج عمرو بن الحجاج الزبيدي وكان ممن شهد قتل الحسين فركب راحلة ثم ذهب عليها
فاخذ طريق شراف وواقصة فلم ير حتى الساعة ولا يدرى ارض بخسة ام سماء حصبة واما
فرات بن زحر بن قيس فانه لما قتل بعثت عائشة بنت خليفة بن
عبدالله الجعفية وكانت امرأة الحسين بن علي إلى المختار تسأله ان ياذن لها ان
توارى جسده ففعل فدفنته وبعث المختار غلاما له يدعى زربيا في طلب شمر بن ذي
الجوشن
( قال أبو مخنف ) فحدثني يونس بن أبي اسحاق عن مسلم بن عبدالله الضبابى قال
تبعنا زربى غلام المختار فلحقنا وقد خرجنا من الكوفة على خيول لنا ضمر فأقبل
يتمطر به فرسه فلما دنا منا قال لنا شمراركضوا وتباعدوا عنى لعل العبد يطمع
في قال فركضنا فامعنا وطمع العبد في شمر وأخذ شمر ما يستطرد
له حتى إذا انقطع من أصحابه حمل عليه شمر فدق ظهره وأتى المختار فأخبر بذلك
فقال بؤسا لزربى أما لو يستشيرنى ما امرته أن يخرج لابي السابغة .
( قال أبو مخنف ) حدثني أبو محمد الهمداني عن مسلم بن عبدالله الضبابى قال لما
خرج شمر بن ذي الجوشن وأنا معه حين هزمنا المختار وقتل أهل اليمن بجبانة السبيع
ووجه غلاما زربيا في طلب شمروكان من قتل شمراياه ما كان مضى شمر
حتى ينزل ساتيد ما ثم مضى حتى ينزل إلى جانب قرية يقال لها
الكلتانية على شاطئ نهر إلى جانب تل ثم أرسل إلى تلك القرية فأخذ منها علجا
فضربه . ثم قال النجاء بكتابي هذا إلى المصعب بن الزبير وكتب عنوانه
للامير المصعب بن الزبير من شمر بن ذي الجوشن قال فمضى العلج
حتى يدخل قرية فيها بيوتا وفيها أبو عمرة وقد كان المختار بعثه في تلك الايام
إلى تلك القرية ليكون مسلحة فيما بينه وبين اهل البصرة فلقى ذلك العلج علجا من
تلك القرية
فأقبل يشكو إليه ما لقى من شمر فانه لقائم معه يكلمه إذ مر به
رجل من أصحاب أبي عمرة فرأى الكتاب مع العلج وعنوانه لمصعب من شمر فسألوا العلج
عن مكانه الذي هو به فاخبرهم فإذا ليس بينهم وبينه الا ثلاثة فراسخ قال فاقبلوا
ايسيرون إليه
( قال أبو مخنف ) فحدثني مسلم ابن عبدالله قال وأنا والله مع شمر تلك الليلة
فقلنا لو أنك ارتحلت بنا من هذا المكان فانا نتخوف به فقال أوكل هذا فرقا من
الكذاب والله لا أتحول منه ثلاثة أيام ملاء الله قلوبكم رعبا قال وكان بذلك
المكان الذي كنا
فيه دبى كثير فوالله أني لبين اليقظان والنائم إذ سمعت وقع
حوافر الخيل فقلت في نفسي هذا صوت الدبى ثم انى سمعته اشد من ذلك فانتبهت ومسحت
عينى وقلت لا والله ما هذا بالدبى قال وذهبت لاقوم فإذا أنا بهم قد أشرفوا
علينا من التل فكبروا ثم
أحاطوا بابياتنا وخرجنا نشتد على ارجلنا وتركنا خيلنا . قال
فأمر على شمروانه لمتزر ببرد محقق وكان أبرص فكانى أنظر إلى بياض كشحيه من فوق
البرد فانه ليطاعنهم بالمرح قد أعجلوه أن يلبس سلاحه وثيابه فمضينا وتركناه قال
فما هو ألا أن امعنت ساعة إذ سمعت الله اكبر قتل الله الخبيث .
( قال أبو مخنف ) حدثني المشرقي عن عبدالرحمن بن عبيد ابي الكنود قال انا والله
صاحب الكتاب الذي رايته مع العلج واتيت به ابا عمرة وأنا قتلت شمرا قال قلت هل
سمعته يقول شيئا ليلتئذ قال نعم خرج علينا
فطاعننا برمحه ساعة ثم القى رمحه ثم دخل بيته فاخذ سيفه ثم
خرج علينا وهو يقول .
نبهتم ليث عرين باسلا * حهما محياه
يدق الكاهلا
لم يريوما عن عدونا كلا * الا كذا مقاتلا أو قاتلا
يبرحهم ضربا ويروى العاملا
( قال أبو مخنف ) عن يونس بن ابي اسحاق ولما خرج المختار من جبانة السبيع واقبل
إلى القصر أخذ سراقة بن مرداس يناديه بأعلى صوته . امنن على اليوم يا خير معد *
وخير من حل بشحر والجند وخير من حيى ولبى وسجد فبعث به المختار إلى السجن فحبسه
ليلة ثم أرسل إليه من الغد فأخرجه فدعا سراقة فأقبل إلى المختار وهو يقول .
الا ابلغ ابا اسحاق انا * نزونا نزوة
كانت علينا
خرجنا لا نرى الضعفاء شيئا * وكان خروجنا بطراوحينا
نراهم في مصافهم قليلا * وهم مثل
الدبى حين التقينا
يرزنا إذ رأيناهم فلما * رأينا القوم قد برزوا الينا
لقينا منهم ضربا طلحفا * وطعنا صائبا
حتى انشنينا
نصرت على عدوك كل يوم * بكل كتيبة تنعى حسينا
كنصر محمد في يوم بدر * ويوم الشعب إذ
لاقى حنينا
فاسجح إذ ملكت فلو ملكنا * لجرنا في الحكومة واعتدينا
تقبل توبة منى فانى * سأشكران جعلت
النقد دينا
قال فلما انتهى إلى المختار قال له اصلحك الله ايها الامير
سراقة بن مرداس يحلف بالله - الذي لا اله الا هو لقد رأى الملائكة تقاتل على
الخيول البلق بين السماء والارض فقال له المختار فاصعد المنبر فأعلم ذلك
المسلمين فصعد فاخبرهم بذلك
ثم نزل فخلا به المختار فقال اني قد علمت انك لم تر الملائكة
وانما اردت ما قد عرفت ان لا اقتلك فاذهب عنى حيث احببت لا تفسد على اصحابي .
( قال أبو مخنف ) فحدثني الحجاج بن علي البارقى عن سراقة بن مرداس قال ما كنت
في ايمان حلفت بها قط اشد اجتهادا ولا مبالغة في الكذب مني في ايمانى هذه التي
حلفت لهم بها . اني قد رايت الملائكة معهم تقاتل فخلوا سبيله فهرب فلحق
بعبد الرحمن بن مخنف عند المصعب بن الزبير بالبصرة وخرج اشراف
اهل الكوفة والوجوه فلحقوا بمصعب بن الزبير بالبصرة وخرج سراقة بن مرداس من
الكوفة وهو يقول .
الا ابلغ ابا اسحاق اني * رايت البلغ
دهما مصمتات
كفرت بوحيكم وجعلت نذرا * على قتالكم حتى الممات
ارى عينى ما لم تبصراه * كلانا عالم
بالترهات
إذا قالوا اقول لهم كذبتم * وان خرجوا لبست لهم اداتي
حدثني ابو السائب مسلم بن جنادة قال حدثنا محمد بن براد من
ولد ابي موسى الاشعري عن شيخ قال لما اسر سراقة البارقى قال وانتم اسرتموني ما
اسرني الا قوم على دواب بلق عليهم ثياب بيض قال فقال المختار اولئك الملائكة
فأطلقه فقال .
الا ابلغ ابا اسحاق اني * رأيت البلق
دهما مصمتات
ارى عينى ما لم يراياه * كلانا عام بالترهات
( قال أبو مخنف ) حدثني عمير بن زياد ان عبدالرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني قال
يوم جبانة السبيع ويحكم من هؤلاء الذين اتونا من ورائنا قيل له شبام فقال يا
عجبا يقاتلني بقومي من لا قوم له
( قال أبو مخنف ) وحدثني ابو روق ان شرحبيل بن ذي بقلان من الناعطين قتل يومئذ
وكان من بيوتات همدان فقال يومئذ قبل ان يقتل يا لها قتلة ما اضل مقتولها قتال
مع غير امام وقتال على غير نية وتعجيل فراق الاحبة ولو قتلناهم إذا لم نسلم
منهم
انا لله وانا إليه راجعون اما والله ما خرجت الا مواسيا لقومي
بنفسي مخافة أن يضطهدوا وايم الله ما نجوت من ذلك ولا انجواولا اغنيت عنهم ولا
اغنوا قال ويرميه رجل من الفائشيين من همدان يقال له احمر بن هديج بسهم فيقتله
قال واختصم
في عبدالرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني نفر ثلاثة سعر بن ابي
سعر الحنفي وابو الزبير الشبامى ورجل آخر . فقال سعر طعنته طعنة وقال ابو
الزبير لكن ضربته انا عشر ضربات أو اكثر وقال لي ابنه يا ابا الزبير اتقتل
عبدالرحمن بن سعد سيد
قومك فقلت لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من
حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو ابنائهم أو اخوانهم أو عشيرتهم فقال
المختار كلكم محسن وانجلت الوقعة عن سبعمائة وثمانين قتيلا من قومه .
( قال أبو مخنف ) حدثني النضر بن صالح ان القتل إذ ذاك كان استحر في اهل اليمن
وان مضر اصيب منهم بالكناسة بضعة عشر
رجلا ثم مضوا حتى مروا بربيعة فرجع حجار بن ابجر ويزيد بن
الحارث بن رؤيم وشداد بن المنذر اخو حصين وعكرمة بن ربعى فانصرف جميع هؤلاء إلى
رحالهم وعطف عليهم عكرمة فقاتلهم قتالا شديدا ثم انصرف عنهم وقد خرج فجاء حتى
دخل منزله فقيل له قد مرت خيل في ناحية الحى فخرج فأراد ان
يثب من حائط داره إلى دار اخرى إلى جانبه فلم يستطع حتى حمله غلام له وكانت
وقعة جبانة السبيع يوم الاربعاء لست ليال بقين من ذي الحجة سنة 66 قال وخرج
اشراف الناس
فلحقوا بالبصرة وتجرد المختار لقتلة الحسين فقال ما من ديننا
ترك قوم قتلوا الحسين يمشون احياء في الدنيا آمنين بئس ناصر آل محمد انا إذا
الكذاب كما سموني فانى بالله استعين عليهم الحمد لله الذي جعلني سيفا ضربهم به
ورمحا طعنهم به وطالب
وترهم والقائم بحقهم انه كان حقا على الله ان يقتل من قتلهم
وأن يذل من جهل حقهم فسموهم لى ثم اتبعوهم حتى تفنوهم .