- مقتل الحسين ( ع ) - أبو مخنف الازدي ص 279 : -

( قال أبو مخنف ) فحدثني فضيل ابن خديج عن عبيدة بن عمر و قال قال لي المختار هذه المقالة ثم قال لي القني في الرحل وبلغ اهل مسجدكم هذا عني أنهم قوم اخذ الله ميثاقهم على طاعته يقتلون المحلين ويطلبون بدماء اولاد النبيين ويهديهم للنور

المبين ثم مضى فقال لي كيف الطريق إلى بني هند فقلت له أنظرني أدلك فدعوت بفرسي وقد أسرج لي فركبته قال ومضيت معه إلى بني هند فقال دلني على منزل اسماعيل بن كثير قال فمضيت به إلى منزله فاستخرجته فحياه ورحب به وصافحه وبشره وقال له القني أنت وأخوك الليلة وأبو عمر فاني قد أتيتكم بكل
 

- ص 280 -

ما تحبون . قال ثم مضى ومضينا معه حتى مر بمسجد جهينة الباطنة ثم مضى إلى باب الفيل فاناخ راحلته ثم دخل المسجد واستشرف له الناس وقالوا هذا المختار قد قدم فقام المختار إلى جنب سارية من سوارى المسجد فصلى عندها حتى أقيمت الصلاة فصلى مع الناس ثم ركد إلى سارية أخرى فصلى ما بين الجمعة والعصر فلما صلى العصر مع الناس انصرف .


( قال أبو مخنف ) فحدثني المجالد بن سعيد عن عامر الشعبى ان المختار مر على حلقة همدان وعليه ثياب السفر فقال ابشروا فأني قد قدمت عليكم بما يسركم ومضى حتى نزل داره وهي الدار التي تدعى دار سلم بن المسيب وكانت الشيعة تختلف إليها واليه فيها .


( قال أبو مخنف ) فحدثني فضيل بن خديج عن عبيد بن عمرو واسماعيل بن كثير من بني هند قالا أتيناه من الليل كما وعدنا فلما دخلنا عليه وجلسنا سألنا عن أمر الناس وعن حال الشيعة فقلنا له ان الشيعة قد اجتمعت لسليمان بن صرد الخزاعى وانه

لن يلبث الا يسيرا حتى يخرج قال فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال أما بعد فان المهدي ابن الوصي محمد بن علي بعثني اليكم أمينا ووزيرا ومنتخبا وأميرا وأمرني بقتال الملحدين والطلب بدماء أهل بيته والدفع عن الضعفاء .


( قال أبو مخنف ) قال فضيل بن حديج فحدثني عبيدة بن عمرو واسماعيل بن كثير أنهما كانا اول خلق الله اجابة وضربا على يده وبايعاه قال أقبل والمختار يبعث إلى الشيعة وقد اجتمعت عند سليمان بن صرد فيقول لهم
 

- ص 281 -

اني قد جئتكم من قبل ولي الامر ومعدن الفضل ووصى الوصي والامام المهدى بأمر فيه الشفاء وكشف الغطاء وقتل الاعداء وتمام النعماء ان سليمان ابن صرد يرحمنا الله واياه انما هو عشمة من العشم وحفش بال ليس بذي تجربة للامور ولاله علم

بالحروب انما يريد ان يخرجكم فيقتل نفسه ويقتلكم اني انما اعمل على مثال قد مثل لي وأمر قد بين لي فيه عزوليكم وقتل عدوكم وشفاء صدوركم فاسمعوا مني قولي وأطيعوا أمرى ثم ابشروا وتباشروا فاني لكم بكل ما تأملون خير زعيم . قال

فوالله ما زال بهذا القول ونحوه حتى استمال طائفة من الشيعة وكانوا يختلفون إليه ويعظمونه وينظرون أمره وعظم الشيعة يومئذ ورؤساؤهم مع سليمان بن صرد وهو شيخ الشيعة وأسنهم فليس يعدلون به احدا الا أن المختار قد استمال منهم طائفة

ليسوا بالكثير فسليمان بن صرد أثقل خلق الله على المختار وقد اجتمع لابن صرد يومئذ أمره وهو يريد الخروج والمختار لا يريد ان يتحرك ولا ان يهيج أمرا رجاء ان ينظر إلى ما يصير إليه امر سليمان رجاء أن يستجمع له امر الشيعة فيكون اقوى

له على درك ما يطلب فلما خرج سليمان بن صرد ومضى نحو الجزيرة . قال عمر بن سعد بن أبي وقاص وشبث بن ربعى ويزيد بن الحارث بن رويم لعبد الله بن يزيد الخطمى وابراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيدالله ان المختار أشد عليكم من

سليمان بن صرد أن سليمان انما خرج يقاتل عدوكم ويذللهم لكم وقد خرج عن بلادكم وان المختار انما يريد أن يثبت عليكم في مصركم فسيروا إليه فأوثقوه في الحديد وخلدوه
 

- ص 282 -

في السجن حتى يستقيم أمر الناس فخرجوا إليه في الناس فما شعر بشئ حتى أحاطوا به وبداره فاستخرجوه فلما رأى جماعتهم قال ما بالكم فوالله بعد ما ظفرت أكفكم . قال فقال ابراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيدالله لعبد الله بن يزيد شده كتافا

ومشه حافيا فقال له عبدالله بن يزيد سبحان الله ماكنت لامشيه ولا لاحفيه ولا كنت لافعل هذا برجل لم يظهر لنا عداوة ولا حربا وانما أخذناه على الظن فقال له ابراهيم بن محمد ليس بغشك فادرجي ما أنت وما يبلغنا عنك يا ابن أبي عبيد فقال له ما

الذي بلغك عني الا باطل وأعوذ بالله من غش كغش أبيك وجدك قال قال فضيل فوالله اني لانظر إليه حين أخرج وأسمع هذا القول حين قال له غير أني لا أدري أسمعه منه أبراهيم أم لم يسمعه فسكت حين تكلم به قال وأتى المختار ببغلة دهماء يركبها فقال ابراهيم لعبد الله ابن يزيد الا تشد عليه القيود فقال كفى له بالسجن قيدا .


( قال أبو مخنف ) وأما يحيى بن أبي عيسى فحدثني انه قال دخلت إليه مع حميد بن مسلم الازدي نزوره ونتعاهده فرأيته مقيدا قال فسمعته يقول أما ورب البحار والنخيل والاشجار والمهامة والقفار والملائكة الابرار والمصطفين الاخيار لاقتلن كل

جبار بكل لدن خطار ومهند بتار في جموع من الانصار ليسوا بميل أغمار ولا بعزل أشرار حتى إذا أقمت عمود الدين ورأيت شعب صدع المسلمين وشفيت غليل صدور المؤمنين وأدركت بثأر النبيين لم يكبر على زوال الدنيا ولم أحفل بالموت إذا اتى قال فكان إذا أتيناه وهو في السجن ردد علينا هذا القول حتى خرج منه قال وكان
 

- ص 283 -

يتشجع لاصحابه بعد ما خرج ابن صرد .


( قال هشام ) قال أبو مخنف حدثني أبو يوسف عن عبدالله بن عوف الاحمري قال بعث سليمان بن صرد إلى وجوه أصحابه حين اراد الشخوص وذلك في سنة 65 فأتوه فلما استهل الهلال هلال شهر ربيع الاخر خرج في وجوه اصحابه وقد كان

واعد أصحابه عامة للخروج في تلك الليلة للمعسكر بالنخيلة فخرج حتى أتى عسكره فدار في الناس ووجوه اصحابه فلم يعجبه عدة الناس فبعث حكيم بن منقذ الكندى في خيل وبعث الوليد بن غضين الكنانى في خيل وقال اذهبا حتى تدخلا الكوفة

فناديا يا لثأرات الحسين وابلغا المسجد الاعظم فناديا بذلك فخرجا وكانا اول خلق الله دعوا يا لثأرات الحسين . قال فأقبل حكيم بن منقذ الكندى في خبل والوليد بن غضين في خيل حتى مرا ببنى كثير وان رجلا من بني كثير من الازد يقال له

عبدالله بن حازم مع امرأته سهلة بنت سبرة بن عمرو من بني كثير وكانت من أجمل الناس وأحبهم إليه سمع الصوت بالثأرات الحسين وما هو ممن كان يأتيهم ولا استجاب لهم فوثب إلى ثيابه فلبسها ودعا بسلاحه وأمر باسراج فرسه فقالت له

امرأته ويحك أجننت قال لا والله ولكني سمعت داعى الله فأنا مجيبه أنا طالب بدم هذا الرجل حتى أموت أو يقضى الله من أمرى ما هو أحب إليه فقالت له إلى من تدع بنيك هذا قال إلى الله وحده لا شريك له اللهم اني أستودعك أهلى وولدى اللهم

احفظني فيهم وكان ابنه ذلك يدعى عزرة فبقى حتى قتل بعد مع مصعب ابن الزبير وخرج حتى لحق بهم .
 

- ص 284 -

فقعدت امرأته تبكيه واجتمع إليها نساؤها ومضى مع القوم وطافت تلك الليلة الخيل بالكوفة حتى جاء والمسجد بعد العتمة وفيه ناس كثير يصلون فنادوا يا لثأرات الحسين وفيهم أبو عزة القابضى وكرب بن نمران يصلى فقال يا لثأرات الحسين أين

جماعة القوم قيل بالنخيلة فخرج حتى أتى اهله فأخذ سلاحه ودعا بفرسه ليركبه فجاءته ابنته الرواع وكانت تحت ثبيت بن مرثد القابضى فقالت يا أبت مالى اراك قد تقلدت سيفك ولبست سلاحك فقال لها يا بنية ان أباك يفر من ذنبه إلى ربه فاخذت

تنتحب وتبكى وجاءه أصهاره وبنو عمه فودعهم ثم خرج فلحق بالقوم قال فلم يصبح سليمان ابن صرد حتى أتاه نحو ممن كان في عسكره حين دخله قال ثم دعا بديوانه لينظر فيه إلى عدة من بايعه حين أصبح فوجدهم ستة عشر ألفا فقال سبحان الله ما وافانا الا اربعة آلاف من ستة عشر ألفا


( قال أبو مخنف ) عن عطية بن الحارث عن حميد بن مسلم قال قلت لسليمان ابن صرد ان المختار والله يثبط الناس عنك اني كنت عنده اول ثلاث فسمعت نفرا من أصحابه يقولون قد كملنا الفى رجل فقال وهب أن ذلك كان فأقام عنا عشرة آلاف اما

هؤلاء بمؤمنين أما يخافون الله اما يذكرون الله وما أعطونا من انفسهم من العهود والمواثيق ليجاهدن ولينصرن فأقام بالنخيلة ثلاثا يبعث ثقاته من اصحابه إلى من تخلف عنه يذكرهم الله وما اعطوه من أنفسهم فخرج إليه نحو من ألف رجل فقام

المسيب بن نجبة إلى سليمان بن صرد فقال رحمك الله انه لا ينفعك الكاره ولا يقاتل معك الا من اخرجته النية فلا تنتظرن احدا واكمش في امرك
 

- ص 285 -

قال فانك والله لنعما رأيت . فقام سليمان بن صرد في الناس متوكئا على قوس له عربية فقال أيها الناس من كان انما اخرجته ارادة وجه الله وثواب الاخرة فذلك منا ونحن منه فرحمة الله عليه حيا وميتا ومن كان انما يريد الدنيا وحرثها فوالله ما نأتي

فيئا نستفيئه ولا غنيمة نغنمها ما خلا رضوان الله رب العالمين . وما معنا من ذهب ولا فضة ولا خز ولا حرير وما هو الا سيوفنا في عواتقنا ورماحنا في اكفنا وزاد قدر البلغة إلى لقاء عدونا فمن كان غير هذا ينوى فلا يصحبنا فقام صخير بن

حذيفة بن هلال بن مالك المزني فقال اتاك الله رشدك ولقاك حجتك والله الذي لا اله غيره ما لنا خير في صحبة من الدنيا همته ونيته ايها الناس انما اخرجتنا التوبة من ذنبنا والطلب بدم ابن ابنة نبينا صلى الله عليه وآله ليس معنا دينار ولا درهم

انما تقدم على حد السيوف واطراف الرماح فتنادى الناس من كل جانب انا لا نطلب الدنيا وليس لها خرجنا .


" قال أبو مخنف " عن اسماعيل بن يزيد الازدي عن السرى بن كعب الازدي قال اتينا صاحبنا عبدالله بن سعد بن نفيل نودعه قال فقام فقمنا معه فدخل على سليمان ودخلنا معه وقد أجمع سليمان بالمسير فأشار عليه عبدالله بن سعد بن نفيل ان يسير إلى

عبيدالله بن زياد فقال هو ورؤوس اصحابه الرأى ما اشار به عبدالله بن سعد بن نفيل ان نسير إلى عبيدالله بن زياد قاتل صاحبنا ومن قبله اتينا فقال له عبدالله بن سعد وعنده رؤوس اصحابه جلوس حوله اني قد رأيت رأيا ان يكن صوابا فالله
 

- ص 286 -

وفق وان يكن ليس بصواب فمن قبلى فاني ما آلوكم ونفسي نصحا خطأ كان ام صوابا انما خرجنا نطلب بدم الحسين وقتلة الحسين كلهم بالكوفة منهم عمر بن سعد بن ابي وقاص ورؤوس الارباع واشرف القبائل فأنى نذهب ههنا وندع الاقتال

والاوتار . فقال سليمان بن صرد فماذا ترون فقالوا والله لقد جاء برأى وان ما ذكر لكما ذكر والله ما نلقى من قتلة الحسين ان نحن مضينا نحو الشام غير ابن زياد وما طلبتنا الا ههنا بالمصر فقال سليمان بن صرد لكن انا ما ارى ذلك لكم ان الذي

قتل صاحبكم وعبى الجنود إليه وقال لا امان له عندي دون ان يستسلم فأمضى فيه حكمي هذا الفاسق ابن الفاسق ابن مرجانة عبيدالله بن زياد فسيروا إلى عدوكم على اسم الله فان يظهركم الله عليه رجونا ان يكون من بعده اهون شوكة منه ورجونا ان

يدين لكم من وراءكم من اهل مصركم في عافية فتنظرون إلى كل من شرك في دم الحسين فتقاتلونه ولا تغشموا وان تستشهدوا فانما قاتلتم المحلين وما عند الله خير للابرار والصديقين انى لاحب ان تجعلوا حدكم وشوكتكم بأول المحلين

القاسطين والله لو قاتلتم غدا أهل مصركم ما عدم رجل ان يرى رجلا قد قتل اخاه واباه وحميمه أو رجلا لم يكن يريد قتله فاستخيروا الله وسيروا فتهيأ الناس للشخوص قال وبلغ عبدالله بن يزد وابراهيم بن محمد بن طلحة خروج ابن صرد وأصحابه

فنظرا في امرهما فرأيا ان يأتياهم فيعرضا عليهم الاقامة وان تكون ايديهم واحدة فان ابوا الا الشخوص سألوهم النظرة حتى
 

- ص 287 -

بعثوا معهم جيشا فيقاتلوا عدوهم بكشف وحد فبعث عبدالله بن يزيد وابراهيم بن محمد بن طلحة سويد بن عبدالرحمن إلى سليمان بن صرد فقال له ان عبدالله وابراهيم يقولان انا نريد ان نجيئك الان لامر عسى الله ان يجعل لنا ولك فيه صلاحا .

فقال قل لهما فليأتيانا وقال سليمان لرفاعة بن شداد البجلى قم انت فأحسن تعبية الناس فان هذين الرجلين قد بعثا بكيت وكيت فدعا رؤس اصحابه فجلسوا حوله فلم يمكثوا الا ساعة حتى جاء عبدالله بن يزيد في اشراف اهل الكوفة والشرط وكثير من

المقاتلة وابراهيم بن محمد بن طلحة في جماعة من اصحابه . فقال عبدالله بن يزيد لكل رجل معروف قد علم انه قد شرك في دم الحسين لا تصحبني إليهم مخافة ان ينظروا إليه فيعدوا عليه وكان عمر بن سعد تلك الايام التي كان سليمان معسكرا فيها

بالنخيلة لا يبيت الا في قصر الامارة مع عبدالله بن يزيد مخافة ان يأتيه القوم في داره ويذمروا عليه في بيته وهو غافل لا يعلم فيقتل . وقال عبدالله بن يزيد يا عمرو بن حريث ان انا ابطأت عنك فصل بالناس الظهر فلما انتهى عبدالله بن يزيد

وابراهيم بن محمد إلى سليمان بن صرد دخلا عليه فحمد الله عبدالله بن يزيد واثنى عليه ثم قال : ان المسلم اخو المسلم لا يخونه ولا يغشه وانتم اخواننا واهل بلدنا واحب اهل مصر خلقه الله الينا فلا تفجعونا بأنفسكم ولا تستبدوا علينا برأيكم ولا

تنقصوا عددنا بخروجكم من جماعتنا أقيموا معنا حتى
 

- ص 288 -

نتيسر ونتهيأ فإذا علمنا ان عدونا قد شارف بلدنا خرجنا إليهم بجماعتنا فقاتلناهم وتكلم ابراهيم بن محمد بنحو من هذا الكلام قال فحمد الله سليمان بن صرد وأثنى عليه . ثم قال لهما اني قد علمت انكما قد محضتما في النصيحة واجتهدتما في المشورة

فنحن بالله وله وقد خرجنا لامر ونحن نسأل الله العزيمة على الرشد والتسديد لاصوبه ولا ترانا الا شاخصين ان شاء الله ذلك فقال عبدالله بن يزيد فأقيموا حتى نعبى معكم جيشا كثيفا فتلقوا عدوكم بكثف وجمع وحد فقال له سليمان تنصرفون ونرى فيما بيننا وسيأتيكم ان شاء الله رأى .


( قال أبو مخنف ) عن عبد الجبار يعنى ابن عباس الهمداني عن عون بن أبي جحيفة السوائى قال ثم ان عبدالله بن يزيد وابراهيم بن محمد بن طلحة عرضا على سليمان ان يقيم معهما حتى يلقوا جموع اهل الشام على ان يخصاه واصحابه بخراج

جوخى خاصة لهم دون الناس فقال لهما سليمان انا ليس للدنيا خرجنا وانما فعلا ذلك لما قد كان بلغهما من اقبال عبيدالله بن زياد نحو العراق وانصرف ابراهيم بن محمد وعبد الله بن يزيد إلى الكوفة واجمع القوم على الشخوص واستقبال ابن زياد

ونظروا فإذا شيعتهم من اهل البصرة لم يوافوهم لميعادهم ولا اهل المدائن فأقبل ناس من اصحابه يلومونهم فقال سليمان لا تلوموهم فانى لا اراهم الا سيسرعون اليكم لو قد انتهى اليكم خبركم حين مسيركم ولا اراهم خلفهم ولا اقعدهم الا قلة النفقة وسوء العدة فأقيموا ليتيسروا
 

- ص 289 -

ويتجهزوا ويلحقوا بكم وبهم قوة وما اسرع القوم في آثاركم .

قال ثم ان سليمان بن صرد قام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه . ثم قال اما بعد ايها الناس فان الله قد علم ما تنوون وما خرجتم تطلبون وان للدنيا تجارا فأما تاجر الاخرة فساء إليها منصب بتطلابها لا يشترى بها ثمنا لا يرى الا قائما وقاعدا

وراكعا وساجدا لا يطلب ذهبا ولا فضة ولا دنيا ولا لذة واما تاجر الدنيا فمكب عليها راتع فيها لا يبتغى بها بدلا فعليكم يرحمكم الله في وجهكم هذا بطول الصلاة في جوف الليل ويذكر الله كثيرا على كل حال وتقربوا إلى الله جل ذكره بكل خير

قدرتم عليه حتى تلقوا هذا العدو والمحل القاسط فتجاهدوه فانكم لن تتوسلوا إلى ربكم بشئ هو اعظم عنده ثوابا من الجهاد والصلاة فان الجهاد سنام العمل جعلنا الله واياكم من العباد الصالحين المجاهدين الصابرين على اللاواء وانا مدلجون الليلة

من منزلنا هذا ان شاء الله فادلجوا فادلج عشية الجمعة لخمس مضين من شهر ربيع الاخر سنة 65 للهجرة قال فلما خرج سليمان واصحابه من النخيلة دعا سليمان بن صرد حكيم بن منقذ فنادى في الناس الا لا يبيتن رجل منكم دون دير الاعور

فبات الناس بدير الاعور وتخلف عنه ناس كثير ثم سار حتى نزل الاقساس اقساس مالك على شاطئ الفرات فعرض الناس فسقط منهم نحو من الف رجل فقال ابن صرد ما احب ان من تخلف عنكم معكم ولو خرجوا معكم ما زادوكم الا خبالا ان

الله عزوجل كره انبعاثهم فثبطهم وخصكم بفضل ذلك فاحمدوا ربكم ثم خرج من منزله ذلك دلجة فصبحوا قبر الحسين فاقاموا به ليلة ويوما يصلون عليه ويستغفرون له
 

- ص 290 -

قال فلما انتهى الناس إلى قبر الحسين صاحوا صيحة واحدة وبكوا فما رثى يوم كان اكثر باكيامنه


( قال أبو مخنف ) وقد حدث عبدالرحمن ابن جندب عن عبدالرحمن بن غزية قال لما انتهينا إلى قبر الحسين عليه السلام بكى الناس بأجمعهم وسمعت جل الناس يتمنون أنهم كانوا أصيبوا معه فقال سليمان اللهم ارحم حسينا الشهيد بن الشهيد المهدى بن

المهدى الصديق بن الصديق اللهم انا نشهدك انا على دينهم وسبيلهم وأعداء قاتليهم وأولياء محبيهم ثم انصرف ونزل ونزل اصحابه


( قال أبو مخنف ) حدثنا الاعمش قال حدثنا سلمة بن كهيل عن ابي صادق قال لما انتهى سليمان بن صرد واصحابه إلى قبر الحسين نادوا صيحة واحدة يا رب انا قد خذلنا ابن بنت نبينا فاغفر لناما مضى منا وتب علينا انك انت التواب الرحيم وارحم

حسينا واصحابه الشهداء الصديقين وانا نشهدك يا رب انا على مثل ما قتلوا عليه فان لم تغفره لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين قال فاقاموا عنده يوما وليلة يصلون عليه ويبكون ويتضرعون فما انفك الناس من يومهم ذلك يترحمون عليه وعلى

اصحابه حتى صلوا الغداة من الغد عند قبره وزادهم ذلك حنقاثم ركبوا فأمر سليمان الناس بالمسير فجعل الرجل لا يمضى حتى يأتي قبر الحسين فيقوم عليه فيترحم عليه ويستغفر له قال فوالله لرأيتهم ازدحموا على قبره اكثر من ازدحام الناس على

الحجر الاسود قال ووقف سليمان عند قبره فكلما دعا له قوم وترحموا عليه قال لهم المسيب بن نجبة وسليمان بن صرد الحقوا باخوانكم

- ص 291 -

رحمكم الله فما زال كذلك حتى بقى نحو من ثلاثين من اصحابه فأحاط سليمان بالقبر هو واصاحباه فقال سليمان الحمد لله الذي لو شاء أكرمنا بالشهادة مع الحسين اللهم إذ حرمتناها معه فلا تحرمناها فيه بعده وقال عبدالله بن وال أما والله انى لاظن

حسينا واباه واخاه افضل امة محمد صلى الله عليه وآله وسيلة عند الله يوم القيامة افما عجبتم لما ابتليت به هذه الامة منهم أنهم قتلوا اثنين واشفوا بالثالث على القتل . قال يقول المسيب بن نجبة فأنا من قتلتهم ومن كان على رأيهم برئ اياهم اعادي

واقاتل قال فاحسن الرؤوس كلهم المنطق وكان المثنى بن مجزية صاحب احد الرؤوس والاشراف فساءني حيث لم اسمعه تكلم مع القوم بنحو ما تكلموا به قال فوالله ما لبثت ان تكلم بكلمات ما كن بدون كلام احد من القوم فقال ان الله جعل هؤلاء

الذين ذكر تم بمكانهم من نبيهم صلى الله عليه وسلم أفضل ممن هو دون نبيهم وقد قتلهم قوم نحن لهم اعداء ومنهم برآء وقد خرجنا من الديار والاهلين والاموال ارادة استئصال من قتلهم فوالله لو أن القتال فيهم بمغرب الشمس أو بمنقطع التراب يحق

علينا طلبه حتى نناله فان ذلك هو الغنم وهي الشهادة التي ثوابها الجنة فقلنا له صدقت واصبت ووفقت قال ثم ان سليمان بن صرد سار من موضع قبر الحسين وسرنا معه فأخذنا على الحصاصة ثم على الانبار ثم على الصدود ثم على القيارة


( قال أبو مخنف ) عن الحارث بن حصيرة وغيره ان سليمان بعث على مقدمته كريب بن يزيد الحميرى .
 

- ص 292 -

( قال أبو مخنف ) حدثني الحصين بن يزيد عن السرى ابن كعب قال خرجنا مع رجال الحي نشيعهم فلما انتهينا إلى قبر الحسين وانصرف سليمان بن صرد وأصحابه عن القبر ولزموا الطريق استقدمهم عبدالله بن عوف ابن الاحمر على فرس له مهلوب كميت مربوع يتأكل تأكلا وهو يرتجز ويقول .

خرجن يلمعن بنا ارسالا * عوابسا يحملننا ابطالا
نريد أن نلقى به الافتالا * القاسطين الغدر الضلالا
وقد رفضنا الاهل والاموالا * والخفرات البيض والحجالا
نرضى به ذا النعم المفضالا


( قال أبو مخنف ) عن سعد بن مجاهد الطائي عن المحل بن خليفة الطائي أن عبدالله بن يزيد كتب إلى سليمان بن صرد أحسبه قال بعني به فلحقته بالقيارة واستقدم أصحابه حتى ظن أن قد سبقهم قال فوقف وأشار إلى الناس فوقفوا عليه ثم أقرأهم

كتابه فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عبدالله بن يزيد إلى سليمان بن صرد ومن معه من المسلمين سلام عليكم اما بعد فان كتابي هذا اليكم كتاب ناصح ذي ارعاء وكم من ناصح مستغش وكم من غاش مستنصح محب انه بلغني أنكم تريدون المسير

بالعدد اليسير إلى الجمع الكثير وانه من يرد أن ينقل الجبال عن مراتبها تكل معاوله وينزع وهو مذموم العقل والفعل يا قومنا لا تطمعوا عدوكم في أهل بلادكم فانكم خيار كلكم ومتى ما يصبكم عدوكم يعلموا أنكم أعلام مصركم فيطمعهم ذلك فيمن وراءكم يا قومنا انهم ان يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا
 

- ص 293 -

إذا أبدا يا قوم ان أيدينا وأيديكم اليوم واحدة وان عدونا وعدوكم واحد ومتى تجتمع كلمتنا نظهر على عدونا ومتى تختلف تهن شوكتنا على من خالفنا يا قومنا لا تستغشوا نصحي ولا تخالفوا أمري وأقبلوا حين يقرأ عليكم كتابي أقبل الله بكم إلى طاعته

وأدبر بكم عن معصيته والسلام . قال فلما قرئ الكتاب على ابن صرد وأصحابه قال للناس ما ترون قالوا ماذا ترى قد أبينا هذا عليكم وعليهم ونحن في مصرنا وأهلنا فالان حين خرجنا ووطنا أنفسنا على الجهاد ودنونا من ارض عدونا ما هذا برأى

ثم نادوه أن أخبرنا برأيك قال رأيي والله انكم لم تكونوا قط أقرب من احدى الحسنيين منكم يومكم هذا الشهادة والفتح ولا ارى ان تنصرفوا عما جمعكم الله عليه من الحق واردتم به من الفضل أنا وهؤلاء مختلفون ان هؤلاء لو ظهر وادعونا إلى الجهاد

مع ابن الزبير ولا ارى الجهاد مع ابن الزبير الا ضلالا وانا ان نحن ظهرنا رددنا هذا الامر إلى اهله وان أصبنا فعلى نياتنا نائبين من ذنوبنا ان لنا شكلا وان لابن الزبير شكلا انا واياهم كما قال اخو بني كنانة . ارى لك شكلا غير شكلي فاقصري *

عن اللوم إذ بدلت واختلف الشكل قال فانصرف الناس معه حتى نزل هيت فكتب سليمان : بسم الله الرحمن الرحيم للامير عبدالله بن يزيد من سليمان بن صرد ومن معه من المؤمنين سلام عليك . اما بعد فقد قرأنا كتابك وفهمنا ما نويت فنعم والله الوالى ونعم
 

- ص 294 -

الامير ونعم اخو العشيرة انت والله من نأمنه بالغيب ونستنصحه في المشورة ونحمده على كل حال انا سمعنا الله عزوجل يقول في كتابه " ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة - إلى قوله - وبشر المؤمنين " ان القوم قد

استبشروا بيعتهم التي بايعوا انهم قد تابوا من عظيم جرمهم وقد توجهوا إلى الله وتوكلوا عليه ورضوا بما قضى الله ربنا عليك توكلنا واليك انبنا واليك المصير والسلام عليك فلما أتاه هذا الكتاب قال استمات القوم اول خبر ياتيكم عنهم قتلهم وايم الله ليقتلن كراما مسلمين ولا والذي هو ربهم لا يقتلهم عدوهم حتى تشتد شوكتهم وتكثر القتلى فيما بينهم "

 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الحسين (ع)

 

فهرس الكتاب