( قال أبو مخنف ) فحدثني أبو يوسف الانصاري من بني الخزرج عن
عباس بن سهل بن سعد قال قدم المختار علينا مكة فجاء إلى عبدالله ابن الزبير
وأنا جالس عنده فسلم عليه فرد عليه ابن الزبير ورحب به وأوسع له ثم قال حدثني
عن حال
الناس بالكوفة يا أبا اسحاق قال هم لسلطانهم في العلانية
أولياء وفي السر أعداء فقال له ابن الزبير هذه صفة عبيد السوء إذا رأو أربابهم
خدموهم وأطاعوهم فإذا غابوا عنهم شتموهم ولعنوهم قال فجلس معنا ساعة . ثم انه
قال إلى ابن الزبير كانه
يساره فقال له ما تنتظر ابسط يدك أبايعك وأعطنا ما يرضينا وثب
على الحجاز فان أهل الحجاز كلهم معك وقام المختار فخرج فلم يرحولا ثم اني بينا
أنا جالس مع ابن الزبير إذ قال لي ابن الزبير متى عهدك بالمختار ابن ابي عبيد
فقلت له مالي
به عهد منذر رأيته عندك عاما أول . فقال أين تراه ذهب لو كان
بمكة لقد رؤى بها بعد فقلت له اني انصرفت إلى المدينة بعد إذ رأيته عندك بشهر
أو شهرين فلبثت بالمدينة أشهرا ثم اني قدمت عليك فسمعت نفرا من أهل الطائف
جاءوا معتمرين
يزعمون أنه قدم عليهم الطائف وهو يزعم أنه صاحب الغضب ومبير
الجبارين قال قاتله الله لقد انبعث كذابا متكهنا ان الله ان يهلك الجبارين يكن
المختار
أحدهم فوالله ما كان الاربث فراغنا من منطقنا حتى عن لنا في
جانب المسجد . فقال ابن الزبير اذكر غائبا تره اين تظنه يهوى فقلت أظنه يريد
البيت فأتى البيت فاستقبل الحجر ثم طاف بالبيت أسبوعا ثم صلى ركعتين عند الحجر
ثم جلس فما لبث
أن مر به رجال من معارفه من أهل الطائف وغيرهم من أهل الحجاز
فجلسوا إليه واستبطأ ابن الزبير قيامه إليه فقال ما ترى شأنه لا يأتينا قلت لا
أدرى وساعلم لك علمه . وقال ما شئت وكان ذلك أعجبه قال فقمت فمررت به كأني أريد
الخروج من
المسجد ثم التفت إليه فأقبلت نحوه ثم سلمت عليه ثم جلست إليه
وأخذت بيده فقلت له أين كنت وأين بلغت بعدى أبا لطائف كنت فقال لي كنت بالطائف
وغير الطائف وعمس على أمره فملت إليه فناجيته فقلت له مثلك يغيب عن مثل ما قد
اجتمع عليه
أهل الشرف وبيوتات العرب من قريش والانصار وثقيف لم يبق أهل
بيت ولا قبيلة الا وقد جاء زعيمهم وعميدهم فبايع هذا الرجل فعجبا لك ولرأيك ألا
تكون أتيته فبايعته وأخذت بحظك من هذا الامر . وقال لي وما رأيتني أتيته العام
الماضي
فأشرت عليه بالرأى فطوى أمره دوني واني لما رأيته استغنى عني
أحببت أن أريه أني مستغن عنه انه والله لهو أحوج إلى مني إليه فقلت له انك
كلمته بالذي كلمته وهو ظاهر في المسجد وهذا الكلام لا ينبغي أن يكون الا
والستور دونه مرخاة
والابواب دونه مغلقة القه الليلة ان شئت وأنا معك . فقال لي
فاني فاعل إذا صلينا العتمة أتيناه اتعدنا الحجر قال فنهضت
من عنده فخرجت ثم رجعت إلى ابن الزبير فأخبرته بما كان من
قولى وقوله فسر بذلك فلما صلينا العتمة التقينا بالحجر ثم خرجنا حتى أتينا منزل
ابن الزبير فاستأذنا عليه فأذن لنا قلت أخليكما . فقالا جميعا لاسر دونك فجلست
فإذا ابن الزبير قد
أخذ بيده فصافحه ورحب به فسأله عن حاله واهل بيته وسكتا جميعا
غير طويل فقال له المختار وأنا أسمع بعد أن تبدأ في أول منطقه فحمد الله واثنى
عليه ثم قال أنه لا خير في الاكثار من المنطق ولافى التقصير عن الحاجة اني قد
جئتك لابايعك
على الا تقضى الامور دوني وعلى أن أكون في اول من تأذن له
وإذا ظهرت استعنت بي على أفضل عملك فقال له ابن الزبير أبايعك على كتاب الله
وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فقال وشر غلماني أنت مبايعه على كتاب الله وسنة
نبيه صلى الله عليه وسلم مالى في هذا الامر من الحظ ما ليس لاقصى الحلق منك لا
والله لا أبايعك ابدا الا على هذه الخصال .
قال عباس بن سهل فانتقمت أذن ابن الزبير فقلت له اشتر منه
دينه حتى ترى من رأيك فقال له ابن الزبير فان لك ما سألته فبسط يده فبايعه ومكث
معه حتى شاهد الحصار الاول حين قدم الحصين بن نمير السكوني مكة فقاتل في ذلك
اليوم فكان من
أحسن الناس يومئذ بلاء وأعظمهم غناء . فلما قتل المنذر بن
الزبير والمسور بن مخرمة ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري نادى المختار يا
اهل الاسلام إلى إلى أنا ابن ابي عبيد بن مسعود وأنا ابن الكرار لا الفرار انا
ابن المقدمين غير
المحجمين إلى يا أهل الحفاظ وحماة الاوتار فحمى الناس يومئذ
وأبلى وقاتل قتالا حسنا .
ثم اقام مع ابن الزبير في ذلك الحصار حتى كان يوم أحرق البيت
فانه احرق يوم السبت لثلاث مضين من شهر ربيع الاول سنة 64 فقاتل المختار يومئذ
في عصابة معه نحو من ثلثمائة أحسن قتال قاتله احد من الناس ان كان ليقاتل حتى
يتبلد ثم يجلس ويحيط به أصحابه فإذا استراح نهض فقاتل فما كان يتوجه نحو طائفة
من اهل الشام الا ضاربهم حتى بكشفهم .
( قال أبو مخنف ) فحدثني أبو يوسف محمد بن ثابط عن عباس بن سهل بن سعد قال تولى
قتال أهل الشام يوم تحريق الكعبة عبدالله بن مطيع وأنا والمختار قال فما كان
فينا يومئذ رجل احسن بلاء من المختار قال وقاتل قبل ان يطلع أهل الشام على
موت يزيد بن معاوية بيوم قتالا شديدا وذلك يوم الاحد لخمس
عشرة ليلة مضت من ربيع الآخر سنة 64 وكان أهل الشام قدرجوا أن يظفروا بنا
واخذوا علينا سكك مكة قال وخرج ابن الزبير فبايعه رجال كثير على الموت . قال
فخرجت في
عصابة معى أقاتل في جانب والمختار في عصابة اخرى يقاتل في
جمعية من أهل اليمامة في جانب وهم خوارج وانما قاتلوا ليدفعوا عن البيت فهم في
جانب وعبد الله بن المطيع في جانب قال فشد أهل الشام على فحازوني في اصحابي حتى
اجتمعت
انا والمختار واصحابه في مكان واحد فلم اكن اصنع شيئا الا صنع
مثله ولا يصنع شيئا الا تكلفت ان اصنع مثله فما رايت اشد منه قط قال فانا
لنقاتل إذ شدت علينا رجال وخيل من خيل اهل الشام فاضطروني واياه في نحو من
سبعين رجلا من أهل
الصبر إلى جانب دار من دور اهل مكة فقاتلهم المختار
يومئذ واخذ يقول رجل لرجل ولا والت نفس امرى يفر . قال فخرج
المختار وخرجت معه فقلت ليخرج منكم إلى رجل فخرج إلى رجل واليه رجل آخر فمشيت
إلى صاحبي فاقتله ومشى المختار إلى صاحبه فقتله ثم صحنا باصحابنا وشددنا
عليهم فوالله لضربناهم حتى اخرجنا هم من السكك كلها ثم رجعنا
إلى صاحبينا اللذين قتلنا قال فإذا الذي قتلت رجل احمر شديد الحمرة كانه رومى
وإذا الذي قتل المختار رجل أسود شديد السواد فقال لي المختار تعلم والله اني
لاظن قتيلينا هذين
عبدين ولو أن هذين قتلانا لفجع بنا عشائرنا ومن يرجونا وما
هذان وكلبان من الكلاب عندي الاسواء ولا أخرج بعد يومى هذا الرجل أبدا الا لرجل
أعرفه . فقلت له وأنا والله لا اخرج الا لرجل اعرفه وأقام المختار مع ابن
الزبير حتى هلك يزيد
بن معاوية وانقضى الحصار ورجع أهل الشام إلى الشام واصطلح أهل
الكوفة على عامر بن مسعود بعد ما هلك يزيد يصلى بهم حتى يجتمع الناس على امام
يرضونه فلم يلبث عامر الا شهرا حتى بعث ببيعته وبيعة اهل الكوفة إلى ابن الزبير
وأقام المختار مع ابن الزبير خمسة أشهر بعد مهلك يزيد واياما .
( قال أبو مخنف ) فحدثني عبدالملك بن نوفل بن مساحق عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن
العاص قال والله اني لمع عبدالله ابن الزبير ومعه عبدالله بن صفوان بن أمية بن
خلف ونحن نطوف بالبيت إذ نظر ابن الزبير فإذا هو بالمختار فقال لابن صفوان انظر
إليه فوالله لهو أحذر من ذئب قد اطافت به السباع قال فمضى ومضينا معه فلما
قضينا طوافنا وصلينا الركعتين
بعد الطواف لحقنا المختار فقال لابن صفوان ما الذي ذكرني به
ابن الزبير قال قال فكتمه وقال لم يذكرك الا بخير قال بلى ورب هذه البنية ان
كنت لمن شأنكما أما والله ليخطن في اثرى اولاقدنها عليه سعرا فأقام معه خمسة
أشهر فلما رآه لا يستعمله جعل لا يقدم عليه احد من الكوفة الا سأله عن حال
الناس وهيئتهم .
( قال أبو مخنف ) فحدثني عطية بن الحارث أبوروق الهمداني أن هاني بن ابي حية
الوادعى قدم مكة يريد عمرة رمضان فسأله المختار عن حاله وحال الناس بالكوفة
وهيئتهم فأخبره عنهم بصلاح واتساق على طاعة ابن الزبير الا أن طائفة من
الناس إليهم عدد اهل مصر لو كان لهم رجل يجمعهم على رأيهم أكل
بهم الارض إلى يوم ما فقال له المختار أنا أبو اسحاق أنا والله لهم أنا اجمعهم
على امر الحق وأنفى بهم ركبان الباطل واقتل بهم كل جبار عنيد فقال له هاني بن
ابي حية ويحك
يا ابن أبي عبيد ان استطعت الا توضع في الضلال ليكن صاحبهم
غيرك فان صاحب الفتنة اقرب شئ اجلا وأسوأ الناس عملا . فقال له المختار اني لا
ادعو إلى الفتنة انما أدعو إلى الهدى و الجماعة ثم وثب فخرج وركب رواحله فأقبل
نحو
الكوفة حتى إذا كان بالقرعاء لقيه سلمة بن مرثد أخو بنت مرثد
القابضى من همدان وكان من اشجع العرب وكان ناسكا فلما التقيا تصافحا وتساء لا
فخبره المختار خبر الحجاز . ثم قال لسلمة بن مرثد حدثني عن الناس بالكوفة قال
هم كغنم ضل
راعيها فقال المختار بن أبي عبيد انا الذي احسن رعايتها وابلغ
نهايتها
فقال له سلمة اتق الله واعلم انك ميت ومبعوث ومحاسب ومجزى
بعملك ان خيرا فخيرا وان شرا فشرا ثم افترقا وأقبل المختار حتى انتهى إلى بحر
الحيرة يوم الجمعة فنزل فاغتسل فيه وادهن دهنا يسيرا وليس ثيابه واعتم وتقلد
سيفه ثم ركب
راحلته فمر بمسجد السكون وجبانة كندة لا يمر بمجلس الاسلم على
أهله وقال ابشروا بالنصر والفلح اتاكم ما تحبون و اقبل حتى مر بمسجد بني ذهل
وبني حجر فلم يجد ثم أحدا ووجد الناس قد راحوا إلى الجمعة فأقبل حتى مر ببني
بداء فوجد
عبيده بن عمر البدى من كندة فسلم عليه . ثم قال أبشر بالنصر
واليسر والفلج انك ابا عمرو على رأى حسن لن يدع الله لك معه مأثما الا غفره ولا
ذنبا الا ستره قال وكان عبيدة من اشجع الناس وأشعرهم وأشدهم حبا لعلي رضي الله
عنه وكان لا
يصبر عن الشراب فلما قال له المختار هذا القول قال له عبيدة
بشرك الله بخير انك قد بشرتنا فهل أنت مفسر لنا قال نعم فالقني في الرحل الليلة
ثم مضى .