إلى خطبته ، فحمد الله واثنى عليه وصلى على نبيه . قال :
فوالله ما سمعت متكلما قط لاقبله ولا بعده ابلغ منه منطقا وقال أبو جعفر وابن
الاثير لما نشبت الحرب بين الفريقين تقدم عمر بن خالد ومولاه سعد ومجمع بن
عبدالله وجنادة بن الحرث
فشدوا مقدمين باسيافهم على الناس فلما وغلوا فيهم عطف عليهم
الناس ، فاخذوا يحوزونهم وقطعوهم من اصحابهم ، فندب الحسين عليه السلام لهم
اخاه العباس ، فحمل على القوم وحده ، فضرب فيهم بسيفه حتى فرقهم عن اصحابه وخلص
إليهم
فسلموا عليه فاتى بهم . ولكنهم كانوا جرحى ، فابوا عليه ان
يستنقذهم سالمين ، فعادوا القتال وهو يدفع عنهم حتى قتلوا في مكان واحد ، فعاد
العباس إلى اخيه اخبره بخبرهم . قال اهل السير : وكان العباس ربما ركز لوائه
امام الحسين وحامى عن
اصحابه أو استقى ماءا فكان يلقب السقاء ، ويكنى ابا قربة بعد
قتله . قالوا : ولما رأى وحدة الحسين عليه السلام بعد قتل اصحابه وجملة من اهل
بيته قال لاخوته من امه : تقدموا لاحتسبكم عند الله تعالى فانه لا ولدلكم ،
فتقدموا حتى قتلوا ، فجاء
إلى الحسين عليه السلام واستأذنه في المصال . فقال ( ع ) له :
انت حامل لوائى ، فقال : لقد ضاق صدري وسئمت
الحياة ، فقال له الحسين ( ع ) . ان عزمت فاستسق لنا ماءا ،
فاخذ قربته وحمل على القوم حتى ملاء القربة قالوا واغترف من الماء غرفة ثم ذكر
عطش الحسين ( ع ) فرمى بها وقال :
يا نفس من بعد الحسين هوني * وبعده لا
كنت ان تكوني
هذا الحسين وارد المنون * وتشربين بارد المعين
ثم عاد فاخذ عليه الطريق فجعل يضربهم بسيفه وهو يقول :
لا ارهب الموت إذ الموت زقا * حتى
ادارى في المصاليت لقى
اني انا العباس اغدو بالسقا * ولا اهاب الموت يوم الملتقى
فضربه حكيم بن طفيل الطائي السنبسى على يمينه فبراها فاخذ
اللواء بشماله وهو يقول
والله ان قطعتموا يميني * اني احامي
ابدا عن ديني
فضربه زيد بن ورقاء الجهنى على شماله فبراها ، فضم اللواء إلى
صدره ( كما فعل عمه جعفر إذ قطعوا يمينه ويساره في موتة فضم اللواء إلى صدره )
وهو يقول :
الا ترون معشر الفجار * قد قطعوا
ببغيهم يساري
فحمل عليه رجل تميمي من ابناء ابان بن دارم ، فضربه بعمود على
رأسه ، فخر صريعا إلى الارض ، ونادى باعلى صوته : ادركني يا اخي ، فانقض عليه
أبو عبد الله كالصقر فراه مقطوع اليمين واليسار مرضوخ الجبين ، مشكوك العين
بسهم مرتثا بالجراحة ، فوقف عليه منحنيا وجلس عند راسه يبكي حتى
فاضت نفسه ثم حمل على القوم فجعل يضرب فيهم يمينا وشمالا ، فيفرون
من بين يديه كما تفر المعزى إذا شد فيها الذئب وهو يقول : اين
تفرون وقد قتلتم اخي . اين تفرون وقد فتتم عضدي . ثم عاد إلى موقفه منفردا وكان
العباس آخر من قتل من المحاربين لاعداء الحسين عليه السلام ، ولم يقتل بعده الا
الغلمان الصغار من آل ابي طالب الذين لم يحملوا السلاح وفيه يقول الكميت بن زيد
الاسدي :
وابو الفضل ان ذكرهم الحلو * شفاء
النفوس في الاسقام
قتل الادعياء إذ قتلوه * اكرم الشاربين صوب الغمام
ويقول حفيده الفضل بن محمد بن الفضل بن الحسن بن عبيدالله بن العباس ( ع )
اني لا ذكر للعباس موقفه * بكربلاء
وهام القوم تختطف
يحمى الحسين ويحميه على ظما * ولا يولى ولا يثنى فيختلف
ولا ارى مشهدا يوما كمشهده * مع الحسين عليه الفضل والشرف
اكرم به مشهدا بانت فضيلته * وما اضاع له افعاله خلف
واقول امسند ذاك اللواء صدره * وقد قطعت منه يمنى ويسرى
لثنيت جعفر في فعله * غداة استضم اللواء منه صدرا
وابقيت ذكرك في العالمين * يتلونه في المحاريب ذكرا
واوقفت فوقك شمس الهدى * يدير بعينيه يمنى ويسرى
لئن ظل منحنيا فالعدى * بقتلك قد كسروا منه ظهرا
والقوا لواه فلف اللواء * ومن ذا ترى
بعد يسطيع نشرا
نأى الشخص منك وابقى ثناك * إلى الاحشر يدلج فيه ويسرى
وانا استرق جدا من رثاء امه فاطمة ام البنين الذي انشده ابو الحسن الاخفش في
شرح الكامل وقد كانت تخرج إلى البقيع كل يوم ترثيه وتحمل ولده عبيدالله فيجتمع
لسماع رثائها اهل المدينة و فيهم مروان بن الحكم فيبكون لشجى الندبة . قولها
رضى الله عنها
يا من رأى العباس كر * على جماهير
النقد
ووراه من أبناء حيدر * كل ليث ذي لبد
انبئت أن ابني اصيب * برأسه مقطوع يد
ويل على شبلي أما * ل برأسه ضرب العمد
لو كان سيفك في يد * يك لما دنا منه أحد
وقولها لا تدعوني ويك ام البنين * تدكرينى بليوث العرين
كانت بنون لي ادعى بهم * واليوم أصبحت ولا من بنين
أربعة مثل نسور الربى * قد واصلوا الموت بقطع الوتين
تنازع الخرصان أشلائهم * فكلهم أمسى صريعا طعين
يا ليت شعرى اكما أخبروا * بأن عباسا قطيع اليمين
وروى جماعة عن القسم بن الاصبغ بن نباتة قال : رأيت رجلا
من بني أبان بن دارم أسود الوجه وقد كنت أعرفه شديد البياض
جميلا ، فسئلته عن سبب تغيره وقلت له : ما كدت اعرفك ، فقال : اني قتلت رجلا
بكربلا وسيما جسيما ، بين عينيه أثر السجود ، فما بت ليلة منذ قتلته إلى الان
الا وقد جائني في النوم
وأخذ بتلابيبى وقادني إلى جهنم ، فيد فعنى فيها فاظل أصيح ،
فلا يبقى أحد في الحي الا ويسمع صياحي قال : فانتشر الخبر ، فقالت جارة له :
انه ما زلنا نسمع صياحه حتى ما يدعنا ننام شيئا من الليل ، فقمت في شباب الحي
إلى زوجته فسألناها
فقالت : أما إذا أخير هو عن نفسه ، فلا أبعد الله غيره ، قد
صدقكم ، قال : والمقتول هو العباس بن علي عليهما السلام .
الضبط : ( الايد ) كالسيد : القوى . ( الوسيم ) من الوسامة
الجمال ( المطهم ) كمحمد : السمين الفاحش السمن العالي وهذه كناية عن طوله
وجسامته ( ع ) ( ازدلف ) : أي سار إليه وقرب منه . ( يغبطه ) : أي يتمنى ان
يكون مثله بلا نقصان من
حظه . ( خلصوا : وصلوا ( بنفسى انت ) اي فديتك بنفسي . (
الضحاك بن قيس المشرقي من همدان ) هذا جاء إلى الحسين عليه السلام هو ومالك بن
النضر الارحبي ايام الموادعة يسلمان عليه فدعاهما لنصرته ، فاعتذر مالك بدينه
وعياله
واجاب الضحاك على شريطة انه ان رأى نصرته لا تفيد الحسين عليه
السلام فهو في حل ، فرضى الحسين عليه السلام منه حتى إذا لم يبق من اصحابه الا
نفران جاء إلى الحسين عليه السلام وقال له : شريطتى ، قال : نعم ، ولكن اني لك
النجاء ، ان قدرت على
ذلك فانت في حل ، فاقبل على فرسه إلى آخر ما قدمنا نقله عن
ابي مخنف في المتن . فهو بعد النجاة يخبر عن جملة مما وقع للحسين عليه السلام
واصحابه في المقاتلة .
( فانه لا ولد لكم ) يعنى بذلك انكم ان تقدمتموني وقتلوكم لم
تبق لكم ذرية . فينقطع نسب امير المؤمنين عليه السلام منكم . فيشتد حزني ويعظم
اجرى بذلك ، وزعم بعض الناس انه يعنى : لاحوز ميراثكم . فإذا قتلت خلص لولدي .
وهذا طريف ، فان العباس اجل قدرا من ذلك .
( زقا ) : صاح ، تزعم العرب أن للموت طائرا يصيح ويسمونه
الهامة ويقولون : إذا قتل الانسان ولم يؤخذ بثاره زقت هامته حتى يثأر قال
الشاعر :
فان تك هامة بهراة تزقو * فقد ازقيت
بالمروين هاما
( المصاليت ) جمع مصلات ، وهو الرجل السريع المتشمر ، قال
عامر بن الطفيل :
وانا المصاليت يوم الوغا * إذا ما
المغاوير لم نقدم
( السنبسى ) بالسين المهملة وبعدها النون ثم الباء المفردة
والسين والياء المثناة تحت منسوب إلى سنبس بطن من طى .
( النقد ) جنس من الغنم قصار الارجل ، قباح الوجوه ، فمعنى
البيت : يا من رأى العباس وهواسم للاسد : كر على جماعات الغنم المعروفة بالنقد
وهو بديع ، ( تلابيبي ) جمع تلبيب وهو موضع اللبب من الثياب واللبب موضع
القلادة
وشد هاني بن ثبيت الحضرمي على عبدالله
( 1 ) بن علي بن أبي طالب فقتله ثم شد على جعفر (
2 ) بن علي فقتله ، وجاء براسه . ورمى خولى بن يزيد
| |
* هامش * |
|
| |
من
الصدر . ابصار العين في انصار الحسين ( ص
25 ط النجف الاشرف )
(1) وهو عبدالله بن علي بن أبيطالب بن
عبدالمطلب عليهم الصلوة و السلام . ولد بعد أخيه بنحو ثمان سنين وامه
فاطمة ام البنين ، وبقى مع أبيه ست سنين ومع أخيه الحسن ست عشرة سنة ،
ومع أخيه الحسين خمسا و عشرين سنة وذلك مدة عمره .
قال أهل السير : انه لما قتل اصحاب الحسين عليه السلام وجملة من أهل
بيته دعا العباس اخوته : الاكبر فالاكبر وقال لهم : تقدموا ، فاول من
دعاه عبدالله أخوه لابيه وامه ، فقال : تقدم يا أخي حتى أراك قتيلا
وأحتسبك فانه لا ولد لك فتقدم بين يديه وجعل يضرب بسيفه قدما ويجول
فيهم وهو يقول :
أنا ابن ذي النجدة والافضال * ذاك على الخير في الافعال
سيف رسول الله ذو النكال * في كل يوم ظاهر الاهوال
فشد عليه هاني بن ثبيت الحضرمي فضربه على رأسه فقتله . ابصار العين في
انصار الحسين ( ص 34 ط النجف )
(2) هو جعفر بن علي بن أبيطالب بن
عبدالمطلب عليهم السلام ولد بعد أخيه عثمان بنحو سنتين وامه فاطمة ام البنين ،
وبقى مع => |
|
|