- أنصار الحسين ( ع ) - محمد مهدي شمس الدين ص 37 : -

مقدمة

كان قد اجتمع إلى الحسين ( مدة مقامه بمكة نفر من أهل الحجاز ونفر من أهل البصرة انضافوا إلى أهل بيته ومواليه )
( 1 )
.

وحدد الخوارزمي عدد هؤلاء يوم خرج الحسين من مكة : ( . . وفصل من مكة يوم الثلاثاء ، يوم التروية ، لثمان مضين من ذي الحجة ومعه إثنان وثمانون رجلا من شيعته ، ومواليه ، وأهل بيته ) ( 2 ) .

وربما لا يكون هذا التقدير الذي ذكره الخوارزمي عمن رواه دقيقا .
 

  * هامش *  
  (1) الشيخ المفيد ، الارشاد : 218 .
(2) الخوارزمي ، مقتل الحسين : 1 / 220 . ذكر بعضهم هذا العدد عن الخوارزمي على أنه أحد الاقوال في عدد أصحاب الحسين في كربلاء . ونلاحظ أن هذا العدد هو لمن صحب الحسين عند خروجه من مكة ، وليس من المؤكد أنه بقي ثابتا إلى اليوم العاشر من المحرم .

وذكر المجلسي ( بحار الانوار : 44 / 313 ) نقلا عن أمالي الصدوق أن الحسين ( سار في أحد وعشرين من أصحابه وأهل بيته ) ولا يمكن أن نقبل هذه الرواية . لان طبيعة الاشياء تقضي برفضها ، ولان من الثابت أن عدد بني هاشم وحدهم يبلغ هذا المقدار أو يتجاوزه .

 

 

- ص 38 -

ونحن على أي حال لا نملك تقديرا صحيحا لعدد كل فئة من شيعته ، ومواليه ، عند خروجه من مكة .


وقال أبو مخنف : ( . . لما خرج الحسين من مكة اعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص عليهم يحيى بن سعيد ، فقالوا له : انصرف أين تذهب ! فأبى عليهم ومضى ، وتدافع الفريقان ، فاضطربوا بالسياط ، ثم إن الحسين وأصحابه امتنعوا امتناعا قويا ، ومضى الحسين عليه السلام على وجهه ) ( 1 ) .


وقال الدينوري : ( . . ولما خرج الحسين اعترضه صاحب شرطة أميرها عمرو بن سعيد بن العاص في جماعة من الجند ، فقال : إن الامير يأمرك بالانصراف ، فانصرف ، وإلا منعتك ، فامتنع الحسين ، وتدافع الفريقان ، واضطربوا بالسياط . وبلغ ذلك عمرو بن سعيد ، فخاف أن يتفاقم الامر ، فأرسل إلى صاحب شرطته يأمره بالانصراف ) ( 2 ) .


وإذن ، فقد بذلت محاولة رسمية ، تتسم بالعنف ، للحيلولة بين الحسين وبين ( الخروج ) من مكة ، ولكنها باءت بالفشل ( 3 ) .

  * هامش *  
  (1) الطبري : 5 / 385 .
(2) الاخبار الطوال : 244 .
(3) كلمة ( خرج ) لا تعني مجرد المغادرة ، لانها اكتسبت منذ انشقاق ( الخوارج ) على الامام علي في صفين مدلولا رافضا تمرديا ذا نكهة خاصة ، لم يكن محبوبا في العراق بوجه خاص ، وقد => ( * )
 

 

- ص 39 -

قال أبو مخنف : ( كان الحسين لا يمر بأهل ماء إلا اتبعوه حتى إذا انتهى إلى زبالة سقط إليه مقتل أخيه من الرضاعة ، مقتل عبد الله بن بقطر ، وكان سرحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق وهو لا يدري أنه قد أصيب . . . فأتى ذلك الخبر حسينا وهو بزبالة ، فأخرج للناس كتابا فقرأ عليهم .

( بسم الله الرحمن الرحيم ) : أما بعد فإنه قد أتانا خبر فظيع ، قتل مسلم بن عقيل ، وهاني بن عروة ، وعبد الله بن بقطر ، وقد خذلتنا شعيتنا ، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف ليس عليه منا ذمام .

( فتفرق الناس عنه تفرقا ، فأخذوا يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من مكة ( 1 ) . وإنما فعل ذلك لنه ظن أنما اتبعه

  * هامش *  
   => حاول رجال النظام اسباغ هذا المفهوم على ثورة الحسين منذ بداية المواجهة ، فعبيد الله بن زياد - على سبيل المثال - في أول خطبة خطبها في الكوفة ، بعد وصوله إليها من البصرة ، يطلب إلى موظفي الادارة الحكومية في الكوفة أن يكتبوا له من في عشائرهم ،

من الحرورية وأهل الريب ( الطبري : 5 / 359 ) والحرورية - كما نعلم إسم ثان للخوارج أطلق عليهم منذ معركة حروراء . ويقول ابن زياد لهاني بن عروة بعد القبض عليه وضربه ، حين أراد أن يستولي على سلاح أحد الشرطة ليدافع عن نفسه : ( أحروري سائر اليوم ، أحللت بنفسك ، قد حل لنا قتلك - الطبري : 5 / 367 ) .

وقد عرض العلامة الدكتور أسعد علي معنى للخروج في محاضرة ألقاها في قاعه الجمعية الخيرية الثقافية في الشياح بمناسبة عاشوراء وذلك مساء يوم الاثنين - 20 / 1 / 1975 ، وذلك عند الحديث عن كتاب الامام الحسين إلى أخيه محمد بن الحنفية ، وفيه ( إني لم أخرج أشرا ، ولا بطرا . . وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي . . )

قال الدكتور أسعد علي في محاضرته : ( فالخروج يعني تجاوز القول إلى الفعل ، عبر عن هذا التجاوز التنفيذي بفعل وصل فيه فاعله ، وبصيغة التقرير الذي يؤكد ما حصل فعلا : ( خرجت ) ) .


(1) في رواية الطبري عن أبي مخنف : ( من المدينة ) ونرجح أن هذا خطأ ، فأثبتنا نص ابن الاثير : 3 / 278 . ( * )

 

 

- ص 40 -

الاعراب لانهم ظنوا أنه يأتي بلدا قد استقامت له طاعة أهله ، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون علام يقدمون ، وقد علم أنهم إذا بين لهم لم يصحبه إلا من يريد مواساته والموت معه ) ( 1 )


وقال الدينوري : ( وقد كان صحبه قوم من منازل الطريق فلما سمعوا خبر مسلم ، وقد كانوا ظنوا أنه يقدم على أنصار وعضد ، تفرقوا عنه ، ولم يبق معه إلا خاصته ) ( 2 ) .


وإذن فقد بقي رجال الثورة الحقيقيون وحدهم بعد أن انجلى الموقف وتبين المصير .

  * هامش *  
  (1) الطبري : 5 / 398 399 ، وابن الاثير : 3 / 278 .

(2) الاخبار الطوال : 248 . ويبدو أنه قد كان يسود في تلك الايام ، حتى في أوساط الخاصة من الناس ، الاعتقاد بأن أمر الخلافة سيصير إلى العلويين أو - إلى الهاشميين بوجه عام ، ففي حديث لبطة بن الفرزدق الشاعر أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال له حين أخبره لبطة

بلقائه للحسين حين خروجه من مكة : ( ويلك ، فهلا اتبعته ، فوالله ليملكن ولا يجوز السلاح فيه ولا في أصحابه . قال ( لبطة ) . فهممت والله أن الحق به ، ووقع في قلبي مقالته ، ثم ذكرت الانبياء وقتلهم فصدني ذلك عن اللحاق بهم . قال : وكان أهل ذلك الزمان يقولون ذلك

الامر وينتظرونه في كل يوم وليلة . قال : وكان عبد الله بن عمرو يقول : لا تبلغ الشجرة ولا النخلة ولا الصغير حتى يظهر هذا الامر - الطبري : 5 / 386 387 ) .

نلاحظ أن داعي الاتباع هو الامل في أن يملك الحسين . ولعل كثيرين من هؤلاء الذين اتبعوه من الاعراب قد تأثروا في اتباعهم له بهذا الاعتقاد : أنه لا بد أن يملك ، وأنه ( لا يجوز السلاح فيه وفي أصحابه ) فلما اكتشفوا - نتيجة لمقتل من أخبر الحسين بأنهم قتلوا - أن

السلاح يجوز في أصحابه ، تفرقوا عنه . وهذا الخبر مروي في مقتل الخوارزمي ( 1 / 222 ) بصورة أخرى ، وفيه : ( أما أنه لا يحيك فيه السلاح ) . ونعتقد أنه قد سقطت من الخبر في الروايتين بعض الحلقات الهامة التي تصور بعض الاعتقادات الشعبية في ذلك الحين ،

وتأثير العامل السحري في مواقف الناس . وقد عاش لبطة ابن الفرزدق حتى خرج علي أبي جعفر لمنصور مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن ( قتيل باخمرى ) وجعله ابراهيم من قواده ، وقد قتل بعد مقتل إبراهيم - مقاتل الطالبيين : 369 . ( * )

 

 

- ص 41 -

وقد كان هذاا الاعلان الذي سمعه الناس من الحسين في زبالة هو الاختبار الاول في هذه المسيرة ، وقد أدى إلى تفرق الكثيرين الذين رافقوه عن رغبة وطمع ، وبقي معه هؤلاء الرجال النادرون الذين سيعرفهم التاريخ عما قليل باسم
( أنصارالحسين ) .
 

وقد مروا في اختبار ثان حين حثهم الحسين على النجاة بأنفسهم في ليلة العاشر من المحرم قائلا لهم : ( هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا ، ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ، وتفرقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله ، فإن القوم إنما يطلبوني ، ولو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري ) ( 1 ) .


ولكنهم رفضوا هذه الفرصة وآثروا البقاء معه إلى النهاية ، واستشهدوا جميعا . وسنرى أنه لم يبق في أصحابه الذين جاءوا معه من مكة ، وذلك لان عددا قليلا من الرجال قد إنضم إليه فيما بعد ، وشارك أصحابه الاولين مصيرهم المجيد .
 

  * هامش *  
  (1) الطبري : 5 / 419 ، واليعقوبي : 2 / 231 ، والخوارزمي : 1 / 247 . ( * )  

 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الحسين (ع)

 

فهرس الكتاب