مقدمة
كان قد اجتمع إلى الحسين ( مدة مقامه بمكة نفر من أهل الحجاز
ونفر من أهل البصرة انضافوا إلى أهل بيته ومواليه )
( 1 ) .
وحدد الخوارزمي عدد هؤلاء يوم خرج الحسين من مكة : ( . . وفصل
من مكة يوم الثلاثاء ، يوم التروية ، لثمان مضين من ذي الحجة ومعه إثنان
وثمانون رجلا من شيعته ، ومواليه ، وأهل بيته ) ( 2 )
.
وربما لا يكون هذا التقدير الذي ذكره الخوارزمي عمن رواه
دقيقا .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
الشيخ المفيد ، الارشاد : 218 .
(2) الخوارزمي ، مقتل الحسين : 1 / 220 .
ذكر بعضهم هذا العدد عن الخوارزمي على أنه أحد الاقوال في عدد أصحاب
الحسين في كربلاء . ونلاحظ أن هذا العدد هو لمن صحب الحسين عند خروجه
من مكة ، وليس من المؤكد أنه بقي ثابتا إلى اليوم العاشر من المحرم .
وذكر المجلسي ( بحار
الانوار : 44 / 313 ) نقلا عن أمالي
الصدوق أن الحسين ( سار في أحد وعشرين من أصحابه وأهل بيته ) ولا يمكن
أن نقبل هذه الرواية . لان طبيعة الاشياء تقضي برفضها ، ولان من الثابت
أن عدد بني هاشم وحدهم يبلغ هذا المقدار أو يتجاوزه . |
|
|
ونحن على أي حال لا نملك تقديرا صحيحا لعدد كل فئة من شيعته ،
ومواليه ، عند خروجه من مكة .
وقال أبو مخنف : ( . . لما خرج الحسين من مكة اعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص
عليهم يحيى بن سعيد ، فقالوا له : انصرف أين تذهب ! فأبى عليهم ومضى ، وتدافع
الفريقان ، فاضطربوا بالسياط ، ثم إن الحسين وأصحابه امتنعوا امتناعا قويا ،
ومضى الحسين عليه السلام على وجهه ) ( 1 ) .
وقال الدينوري : ( . . ولما خرج الحسين اعترضه صاحب شرطة أميرها عمرو بن سعيد
بن العاص في جماعة من الجند ، فقال : إن الامير يأمرك بالانصراف ، فانصرف ،
وإلا منعتك ، فامتنع الحسين ، وتدافع الفريقان ، واضطربوا بالسياط . وبلغ ذلك
عمرو بن سعيد ، فخاف أن يتفاقم الامر ، فأرسل إلى صاحب شرطته يأمره بالانصراف )
( 2 ) .
وإذن ، فقد بذلت محاولة رسمية ، تتسم بالعنف ، للحيلولة بين الحسين وبين (
الخروج ) من مكة ، ولكنها باءت بالفشل ( 3 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
الطبري : 5 / 385
.
(2) الاخبار
الطوال : 244 .
(3) كلمة ( خرج ) لا تعني مجرد المغادرة
، لانها اكتسبت منذ انشقاق ( الخوارج ) على الامام علي في صفين مدلولا
رافضا تمرديا ذا نكهة خاصة ، لم يكن محبوبا في العراق بوجه خاص ، وقد
=> ( * )
|
|
|
قال أبو مخنف : ( كان الحسين لا يمر بأهل ماء إلا اتبعوه حتى
إذا انتهى إلى زبالة سقط إليه مقتل أخيه من الرضاعة ، مقتل عبد الله بن بقطر ،
وكان سرحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق وهو لا يدري أنه قد أصيب . . . فأتى ذلك
الخبر حسينا وهو بزبالة ، فأخرج للناس كتابا فقرأ عليهم .
( بسم الله الرحمن الرحيم ) : أما بعد فإنه قد أتانا خبر فظيع
، قتل مسلم بن عقيل ، وهاني بن عروة ، وعبد الله بن بقطر ، وقد خذلتنا شعيتنا ،
فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف ليس عليه منا ذمام .
( فتفرق الناس عنه تفرقا ، فأخذوا يمينا وشمالا حتى بقي في
أصحابه الذين جاءوا معه من مكة ( 1 ) . وإنما فعل
ذلك لنه ظن أنما اتبعه
| |
* هامش * |
|
| |
=>
حاول رجال النظام اسباغ هذا المفهوم على ثورة الحسين منذ بداية
المواجهة ، فعبيد الله بن زياد - على سبيل المثال - في أول خطبة خطبها
في الكوفة ، بعد وصوله إليها من البصرة ، يطلب إلى موظفي الادارة
الحكومية في الكوفة أن يكتبوا له من في عشائرهم ،
من الحرورية وأهل الريب (
الطبري : 5 / 359 ) والحرورية - كما نعلم
إسم ثان للخوارج أطلق عليهم منذ معركة حروراء . ويقول ابن زياد لهاني
بن عروة بعد القبض عليه وضربه ، حين أراد أن يستولي على سلاح أحد
الشرطة ليدافع عن نفسه : ( أحروري سائر اليوم ، أحللت بنفسك ، قد حل
لنا قتلك - الطبري : 5 / 367 ) .
وقد عرض العلامة الدكتور أسعد علي معنى للخروج
في محاضرة ألقاها في قاعه الجمعية الخيرية الثقافية في الشياح بمناسبة
عاشوراء وذلك مساء يوم الاثنين - 20 / 1 / 1975 ، وذلك عند الحديث عن
كتاب الامام الحسين إلى أخيه محمد بن الحنفية ، وفيه ( إني لم أخرج
أشرا ، ولا بطرا . . وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي . . )
قال الدكتور أسعد علي في محاضرته : ( فالخروج
يعني تجاوز القول إلى الفعل ، عبر عن هذا التجاوز التنفيذي بفعل وصل
فيه فاعله ، وبصيغة التقرير الذي يؤكد ما حصل فعلا : ( خرجت ) ) .
(1) في رواية
الطبري عن أبي مخنف : ( من المدينة )
ونرجح أن هذا خطأ ، فأثبتنا نص ابن الاثير : 3 / 278 . ( * )
|
|
|
الاعراب لانهم ظنوا أنه يأتي بلدا قد استقامت له طاعة أهله ،
فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون علام يقدمون ، وقد علم أنهم إذا بين لهم لم
يصحبه إلا من يريد مواساته والموت معه ) ( 1 )
وقال الدينوري : ( وقد كان صحبه قوم من منازل الطريق فلما سمعوا خبر مسلم ، وقد
كانوا ظنوا أنه يقدم على أنصار وعضد ، تفرقوا عنه ، ولم يبق معه إلا خاصته )
( 2 ) .
وإذن فقد بقي رجال الثورة الحقيقيون وحدهم بعد أن انجلى الموقف وتبين المصير .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
الطبري : 5 / 398 399 ، وابن الاثير
: 3 / 278 .
(2) الاخبار الطوال
: 248 . ويبدو أنه قد كان يسود في تلك الايام ، حتى في أوساط الخاصة من
الناس ، الاعتقاد بأن أمر الخلافة سيصير إلى العلويين أو - إلى
الهاشميين بوجه عام ، ففي حديث لبطة بن الفرزدق الشاعر أن عبد الله بن
عمرو بن العاص قال له حين أخبره لبطة
بلقائه للحسين حين خروجه من مكة : ( ويلك ،
فهلا اتبعته ، فوالله ليملكن ولا يجوز السلاح فيه ولا في أصحابه . قال
( لبطة ) . فهممت والله أن الحق به ، ووقع في قلبي مقالته ، ثم ذكرت
الانبياء وقتلهم فصدني ذلك عن اللحاق بهم . قال : وكان أهل ذلك الزمان
يقولون ذلك
الامر وينتظرونه في كل يوم وليلة . قال : وكان
عبد الله بن عمرو يقول : لا تبلغ الشجرة ولا النخلة ولا الصغير حتى
يظهر هذا الامر - الطبري : 5 / 386 387 )
.
نلاحظ أن داعي الاتباع هو الامل في أن يملك
الحسين . ولعل كثيرين من هؤلاء الذين اتبعوه من الاعراب قد تأثروا في
اتباعهم له بهذا الاعتقاد : أنه لا بد أن يملك ، وأنه ( لا يجوز السلاح
فيه وفي أصحابه ) فلما اكتشفوا - نتيجة لمقتل من أخبر الحسين بأنهم
قتلوا - أن
السلاح يجوز في أصحابه ، تفرقوا عنه . وهذا
الخبر مروي في مقتل الخوارزمي ( 1 / 222
) بصورة أخرى ، وفيه : ( أما أنه لا يحيك فيه السلاح ) . ونعتقد أنه قد
سقطت من الخبر في الروايتين بعض الحلقات الهامة التي تصور بعض
الاعتقادات الشعبية في ذلك الحين ،
وتأثير العامل السحري في مواقف الناس . وقد عاش
لبطة ابن الفرزدق حتى خرج علي أبي جعفر لمنصور مع إبراهيم بن عبد الله
بن الحسن ( قتيل باخمرى ) وجعله ابراهيم من قواده ، وقد قتل بعد مقتل
إبراهيم - مقاتل الطالبيين : 369 . ( * )
|
|
|
وقد كان هذاا الاعلان الذي سمعه الناس من الحسين في زبالة هو
الاختبار الاول في هذه المسيرة ، وقد أدى إلى تفرق الكثيرين الذين رافقوه عن
رغبة وطمع ، وبقي معه هؤلاء الرجال النادرون الذين سيعرفهم التاريخ عما قليل
باسم
( أنصارالحسين ) .
وقد مروا في اختبار ثان حين حثهم الحسين على النجاة بأنفسهم
في ليلة العاشر من المحرم قائلا لهم : ( هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا ، ثم
ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ، وتفرقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج
الله ، فإن القوم إنما يطلبوني ، ولو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري )
( 1 ) .
ولكنهم رفضوا هذه الفرصة وآثروا البقاء معه إلى النهاية ، واستشهدوا جميعا .
وسنرى أنه لم يبق في أصحابه الذين جاءوا معه من مكة ، وذلك لان عددا قليلا من
الرجال قد إنضم إليه فيما بعد ، وشارك أصحابه الاولين مصيرهم المجيد .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
الطبري : 5 / 419
، واليعقوبي : 2 / 231 ، والخوارزمي
: 1 / 247 . ( * )
|
|
|