- أنصار الحسين ( ع ) - محمد مهدي شمس الدين ص 29 : -

 - 3 - ولا بد لنا من أن نقول هنا كلمة عن كتب ( المقتل ) . نحن نرى أن أكثر هذه الكتب أجدر بأن يكون مرجعا في شأن الثورة الحسينية من كتب التاريخ العام . فهي - من جهة - خاصة بحكاية وقائع هذه الثورة ، ولذا فهي أحفل من كتب التاريخ العام بالاحداث وتفاصيلها ، فإن كتب التاريخ العام تعطي ، غالبا ، أهمية متساوية لكل ما ترويه .


وهي ، من جهة ثانية ، من وضع رجال ينظرون إلى الثورة الحسينية بعاطفة الحب والتقديس ، وهي جزء نابض بالحياة من تاريخهم ، وهم يعتمدون في حكايتهم لاحداثها على مصادر ذات صلة حميمة بالثورة ( أئمة أهل البيت ، الرجال

والنساء الذين رافقوا الثورة منذ بدايتها حتى نهايتها في كربلا ) هؤلاء الذين لم يتصل بهم رواة التاريخ العام الذين كانوا غالبا على اتصال وثيق بالسلطان يمنعهم من الاعتماد في رواياتهم
 

- ص 30 -

على هؤلاء . أو كان على الاقل يدفعهم إلى الحذر في نقل صورة الاحداث كما يعكسها نساء الثوار وأبناؤهم وأصحابهم .

كما أن مؤلفي كتب التاريخ العام كانوا ، غالبا ، على اتصال بالسلطان ، أو أنهم يؤيدون وضعا سياسيا يتعارض مع مضمون الثورة ، وربما ينسجم بشكل أو بآخر مع وضع جلاديها ، فلم يكونوا ، بطبيعة الحال قادرين ، أولم يكونوا يريدون تسجيل

الاحداث من وجهة نظر مصادر الثائرين أنفسهم - هذه المصادر قد اتصل بها رواة من الشيعة ، رجال ونساء ، كان تشيعهم حافزا لهم على تقصي كل تفصيل دقيق وكل حادث كبير يتصل بالثائرين وإنجازهم في كربلاء . على أننا نبادر ، مع ذلك ،

فنقول إنه حتى هؤلاء لم ينقلوا كل ما حدث ، فلقد ضاع الكثير ، وطمس الكثير . من نماذج ذلك رواية عمار الدهني ( 1 ) عن الامام الباقر أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام ، وقد أوردها الطبري . فهي رواية نعتقد أن عمارا أو

من بعده من الرواة قد تلاعبوا فيها ، فأضافوا إليها بعض الافكار التي ترضي السلطة ( مثلا : أن الحسين طلب اثناء مفاوضته مع عمربن سعد أن يرسله إلى يزيد بن معاوية يضع يده في يده ويرى فيه رأيه ) وحذفوا منها ، واختصروا بعض المعالم الرئيسة فيها ، كما لا يبعد أن يكون الطبري نفسه قد تسامح في إثبات بعض أجزائها ( 2 ) .
 

  * هامش *  
  (1) عمار بن خباب . أبو معاوية ، الدهني البجلي ، الكوفي . عده الشيخ في الرجال من أصحاب الامام الصادق وذكره في الفهرست ( المطبعة الحيدرية - النجف / الطبعة الثانية ) ص 144 ، وقال : ( له كتاب ذكره ابن النديم ) وصفه ابن حجر في التقريب بأنه صدوق يتشيع ، توفي سنة : 133 ه‍ .

(2) تتسم الرواية بالتدفق والحركة وقصر الجمل ، تختزل كثيرا من المواقف الهامة . وقد اثبتها = ( * )

 

 

- ص 31 -

لهذا وذاك نعتبر كتب المقتل أجدر من كتب التاريخ العام بالاعتماد عليها فيما يتصل بالتاريخ الشخصي للثوار ، بل إنها - لهذا وذاك أيضا - أجدر من كتب التاريخ العام بالاعتماد عليها فيما يتصل بتاريخ الثورة نفسه .
 

نقول هذا معترفين بأن ثمة مأخذا على كثير من كتب المقتل فيما يتصل بالاحداث ، فإن الحماس والحب قد يدفعان في بعض الحالات إلى تدوين أخبار معينة دون أن تنال حظها من التحقيق ، وربما يكون بعض هذه الاخبار مجرد استنتاجات وآراء شخصية كونها لنفسه بعض الرواة والمؤلفين ، فجاء كاتب متأخر عنه اعتبرها تاريخا وأثبتها على أنها أحداث واقعة .


كما أن بعض كتاب المقتل في بعض الحالات يعمم رؤيته للموقف فيعبر عنها باطلاق أوصاف معينة على رجال الثورة أو أعدائها ، ويعبر عن مجموع الموقف بعبارات عاطفية . وأكثر ما توجد هذه الظاهرة في كتب المتأخرين من مؤلفي المقتل .

ومهما يكن فإن على الباحث أن يلتزم الاسلوب العلمي الصارم في النقد والاختيار . ولكن العدل يقتضينا أن نقول إن المصادر التاريخية الاخرى - غير
 

  * هامش *  
  (1) الطبري في تاريخه في ثلاث قطع ( 5 / ) ومن الغريب أن ابن نما الحلي اعتمد في مقتله ( مثير الاحزان ) على هذه الرواية وأثبت منها الفقرة التي فيها أن الحسين طلب أن يمضي إلى يزيد يرى فيه رأيه ( مثير الاحزان ، ص 36 ) مع أن طبيعة الاشياء تكفي لتكذيب

صدور هذا العرض من الحسين ، هذا بالاضافة إلى نص نقله المؤرخون ، ومنهم الطبري ، عن عقبة بن سمعان - وهو شاهد عيان في موقع يتيح له الاطلاع التام على حقيقة الاحداث ، فقد كان مولى للرباب زوجة الحسين - يكذب فيه هذه الاشاعة التي نرجح أنها من دس الامويين والعباسيين ليشوهوا صورة الحسين الناصعة في الذهنية الاسلامية ( الطبري / 5 ) . ( * )

 

 

- ص 32 -

كتب المقتل - مما كتبه مؤلفون من غير الشيعة عن تاريخ هذه الثورة لا تسلم من مآخذ كبيرة أيضا .

ففيما يتعلق برجال الثورة نلاحظ أن الاخباريين والمؤلفين لم يظهروا عناية خاصة بهم ، ولم يذكروا لنا واحدا منهم عن قصد لذكره ، وإنما ذكروا أولئك الذين تمر أسماؤهم عرضا في سياق الاخبار التي ينقلونها . وفيما يتعلق بأحداث الثورة .

نلاحظ أنهم في كثير من الحالات لا يحرصون على الدقة والتفصيل فيما ينقلون من أحداثها ( نستثني من ذلك أبا مخنف ) .

وقد يقال : إنهم عاملوها كغيرها من أحداث تلك الفترة ، ولعل هذا القول صحيح ، ولكنهم كانوا يعلمون ويحسون أن هذه الثورة ليست كغيرها من أحداث تلك الفترة ، فقد كانت مؤشرا كبيرا لتغير كبير في حياة المسلمين ، وقد وضعتهم على منعطف جديد تماما في حياتهم .


وكان على هؤلاء المؤرخين - لهذا السبب - أن يحتفلوا لروايتها أكثر من غيرها ، وأن لا يفوتهم تسجيل كل ما يتصل بها من قريب أو بعيد . على أننا لا نستطيع أن نقبل القول بأنهم عاملوها كغيرها أحداث التاريخ ، بل نرى أنهم عاملوها بدرجة

أقل من العناية ، متأثرين بالاتجاه السياسي الذي كان لا يشجع على رواية أحداثها ، بل يحرص على طمس تلك الاحداث ، لئلا تتفاعل في المجتمع وتؤدي إلى تغيير بعض المواقف السياسية . وهذا الامر فيما يتصل بالامويين واضح ، ونرى أنه كذلك فيما يتصل بالعباسيين . فإن هؤلاء وإن كانوا يعتبرون الثورة إحدى إنجازاتهم التاريخية
 

- ص 33 -

باعتبارهم هاشميين ( يلاحظ أنه لم يشترك فيها أحد من بني العباس ) ، وهم يعلمون أنهم مدينون للثورة بالكثير من الاوضاع والعوامل التي أوصلتهم إلى السلطة ، بل لقد كانت روحها وشعاراتها وذكرياتها من العوامل المباشرة في ذلك .


مع هذا كله نرى أنهم كانوا يقفون منها موقفا سلبيا ، لانهم كانوا يعلمون أن ذكرياتها وايحاءاتها يمكن أن تكون خطرا عليهم من حيث نظرة الناس إلى شرعية توليهم للسلطة ، وذلك بما تدعو إليه من إعطاء السلطة لآل علي من بني هاشم ، وتتضح أسباب حذر العباسيين من الثورة الحسينية بصورة أكثر إذا لا حظنا أن تحركات الحسنيين الثورية لم تنقطع بعد استقرار دولة بني العباس .


كان لابد من هذه الكلمة عن كتب المقتل ، ليتبين الوضع الحقيقي لهذه الكتب من حيث صلاحها لتكون مصادر تاريخية لهذه الثورة . وهي كلمة لا تفي بما يجب أن تناله هذه الكتب عناية ، فكتب المقتل تصلح أن تكون موضوعا لدراسة علمية واسعة

وعميقة تشتمل على تاريخ نشوء هذا النوع من كتابة التاريخ ، وتطوره ، ومنهجه ، ومحتوياته ، ونوعيات المؤلفين ، والاسلوب الذي كتب به ، وتطور هذا الاسلوب خلال العصور ، وعلاقة هذا الاسلوب بلغة الكتابة في المجالات الاخرى ،

واللغات التي كتبت بها ( العربية ، والفارسية ، والتركية ، والاردية ، وغيرها ) والمحتوى الشعري لهذه الكتب التي بدأت - فيما نحسب - بأبي مخنف ولم تنته بعد ، فالكتابة في مقتل الحسين كانت ولا تزال موضوعا يثير الرغبة لدى الكثيرين ، ولذا فإن الدارس لهذا الموضوع سيجد مادة غنية وغزيرة ومتنوعة لبحثه ممتدة في جميع العصور الاسلامية ومنتشرة في
 

- ص 34 -

جميع الاوساط والمجتمعات الاسلامية منذ القرن الهجري الاول إلى عصرنا هذا في نهاية القرن الرابع عشر الهجري .

ولن تكون دراسة كهذه مقصورة على الكتب المؤلفة في مقتل الحسين ، وإن كانت الكتب المؤلفة في هذا الموضوع أكثرها عددا وأشدها تنوعا ، بل إنها تتسع لتشمل مؤلفات أخرى ، فثمة مؤلفون كثيرون كتبوا في ( مقتل علي ) ( مقتل زيد )

( مقتل عثمان ) ( مقتل حجر ابن عدي ) ، وغير ذلك ، ويجد الباحث أسماء عشرات من كتب المقتل في موضوعات مختلفة . وربما كانت هذه الكتابات ، إلى جانب الحديث والسيرة ، إحدى المراحل الهامة التي تطورت إليها كتابة التاريخ العام عند المسلمين .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الحسين (ع)

 

فهرس الكتاب