- أنصار الحسين ( ع ) - محمد مهدي شمس الدين ص 219 : -

درجة الحالة الثورية

كانت توجد في سنة ستين حالة ثورية في المجتمع الاسلامي في العراق والحجاز وإيران . هذا ما لا شك فيه . لقد كان ثمة سخط عارم على الاوضاع ، وكان ثمة توق إلى التغيير . وكانت المواقف والظواهر التي تعبر عن هذه الحالة الثورية كثيرة ، وكانت أظهر ما تكون في العراق والحجاز .


ففي مكة والمدينة والكوفة كانت الادارة الرسمية عاجزة عن السيطرة على الشخصيات البارزة في المجتمع ، وحديث الناس غير المتحفظ عن ضرورة الخروج وتصحيح الاوضاع ، والاستجابة السريعة الكثيفة التي حصل عليها مسلم بن عقيل حين

جاء إلى الكوفة ، واضطرار السلطة الرسمية إلى اتخاذ أشد اجراءات الحيطة والحذر والاحتراز . كل هذا يدل على وجود حالة ثورية . ولكنها كانت حالة ثورية في جهاز نفسي مشلول . إنها ، فيما
 

- ص 220 -

يبدو ، كانت حالة إدراك عقلي لضرورة التغيير وإدراك لبؤس الواقع ، لم يبلغ درجة الشعور النفسي المحرك . يدل على هذا الشلل النفسي في الكوفة قدرة عبيد الله بن زياد على أن يسيطر على الاوضاع في الكوفة بسهولة مثيرة الدهشة ، مع أن

الكوفة كانت إلى حين وصوله إليها من البصرة بؤرة التحرك الثوري ، وما رافق ذلك من سرعة انكفاء الناس عن مسلم بن عقيل بعد أن بدأ تحركه ضد عبيد الله حين قبض على هاني بن عروة ، ففي خلال ساعات تخلى الثوار الذين بايعوا مسلما عن

قائدهم وعن التزامهم الشرعي والادبي ، فلحق قسم منهم بالسلطة وأعلن ولاءه للنظام ، وحيد آخرون أنفسهم . ولم تكن روح الثورة ، فيما يبدو ، شاملة في مجتمع الكوفة ، فكثير من الاسر كانت مواقف أفرادها متباينة ، يدلنا على ذلك نص

لابي مخنف يصور كيف تفرق الناس عن مسلم بن عقيل بعد أن أعلن الاشراف ، من على شرفات قصر الامارة ، تهديدات النظام الاموي : ( إن المرأة كانت تأتي ابنها وأخاها فتقول : انصرف الناس يكفونك ، ويجئ الرجل إلى ابنه وأخيه فيقول : غدا يأتيك أهل الشام . . . ) ( 1 )


إن روح التواكل : ( الناس يكفونك ) والاستجابة لها من قبل الثوار ، وروح الخوف : ( غدا يأتيك أهل الشام ) والاستجابة لها من قبل الثوار . . . إن هذه وتلك لا تدلان على حالة ثورية سليمة ، فإن أسر الواقع ، والرغبة في الدعة ولين الحياة ، والمحافظة على وتيرة العيش الهنية . كل أولئك كان يعطل الروح الثورية ، ويحول بينها وبين أن تعمل
 

  * هامش *  
  (1) الطبري : 5 / 371 . ( * )  

 

- ص 221 -

عملها . ولقد وجدت روح الخوف وروح التواكل أرضية نفسية صالحة لهما فأثرتا أثرهما بسرعة قياسية . ومن أدلة هذا الشلل النفسي في البصرة ، ما يصوره النص التالي عن عيسى بن يزيد الكناني ، قال : ( لما جاء كتاب يزيد إلى عبيد الله بن زياد

( بشأن ولايته على الكوفة ) انتخب من أهل البصرة خمسمائة فيهم : عبد الله بن الحارث بن نوفل ، وشريك بن الاعور - وكان شيعة لعلي - فكان أول من سقط بالناس شريك ، يقال : إنه تساقط غمرة ، ومعه ناس . ثم سقط عبد الله بن الحارث وسقط معه ناس ، ورجوا أن يلوي عليهم عبيد الله ويسبقه الحسين إلى الكوفة ) ( 1 ) .


فهؤلاء الذين أظهروا العجز عن متابعة السير الحثيث ، رجاء أن يتأخر بسببهم عبيد الله بن زياد ، فيسبقه الحسين إلى الكوفة ، فيتم أمره ، فلا يتمكن عبيد الله من استثمار حالة الفراغ في السلطة وغياب القائد الاعلى للثورة ، هؤلاء كانوا ، ولا شك في

حالة شلل نفسي : إنهم راغبون في التغيير ساخطون على وضعهم ، ولكنهم لا يريدون أن يغيروا بأنفسهم وإنما يريدون أن يتم التغيير بجهد غيرهم . وإلا فلماذا هذا الاسلوب الملتوي في الاحتيال لتأخير عبيد الله بن زياد عن متابعة سيره الحثيث إلى

الكوفة ؟ لقد كانوا ، وهم زعماء البصرة ، قادرين على أن يؤخروا عبيد الله أياما في البصرة بإثارة شغب خفيف فيها ، بل كانوا قادرين على قتله إذا أرادوا لو أن روحهم الثورية كانت في جهاز نفسي سليم .
 

  * هامش *  
  (1) الطبري : 5 / 359 . ( * )  

 

- ص 222 -

ولكنهم كانوا - كما قلنا - يعانون من شلل نفسي يعطل ثوريتهم عن العمل . ومن أدلة هذا الشلل النفسي الذي يدفع إلى الالتواء في مواجهة الاحداث ، ويمنع عن الحزم والحسم في إنجاز المهمات محاولة شريك بن الاعور - الزعيم البصري الشيعي

الكبير - أن يحمل مسلما على اغتيال عبيد الله بن زياد عندما يعود شريكا في مرضه واعدا مسلما بقوله : ( فإن برئت من وجعي هذا أيامي هذه سرت إلى البصرة وكفيتك أمرها ) ( 1 ) ، كأن نجاح الثورات ينتظر شفاء قادتها من أمراضهم

- ومسلم في مركزه المعنوي هو الزعيم والقائد - وقد كان شريك يستطيع أن يوكل هذه المهمة إلى أي رجل آخر .


ومن أدلة هذا الشلل النفسي في الحجاز وغيره هذه النصائح الكثيرة التي تلقاها الحسين بألا يخرج ، وهي تجمع على أن خروجه مشروع ، ولكنها تنهاه عن مواجهة بني أمية ، وتنصحه بالتوجه إلى مكان غير بؤرة الثورة في العراق .


ونضيف هنا إلى النصائح التي قدمناها في فصل سابق نصيحة عبد الله بن مطيع العدوي له بألا يعرض لبني أمية : ( أذكرك الله يا ابن رسول الله وحرمة الاسلام أن تنتهك ، أنشدك الله في حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله أنشدك الله في حرمة العرب ، فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني أمية ليقتلنك ، ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحد أبدا .


والله إنها لحرمة الاسلام تنتهك ، وحرمة قريش وحرمة العرب ، فلا تفعل ، ولا تأت الكوفة ، ولا تعرض لبني أمية ) ( 2 ) هذا الكلام المشحون بالانفعال والتوتر والخوف
 

  * هامش *  
  (1) الطبري : 5 / 363 .
(2)
الطبري : 5 / 395 - 396 . ( * )
 

 

- ص 223 -

يكشف عن إيمان بعدالة القضية وخوف من عواقب الالتزام بها والعمل من أجلها ، ويبدو أن عبد الله بن مطيع كان قد لقي الحسين قبل ذلك حين خرج من المدينة ، فنصحه قائلا : ( الزم الحرم ، فإنك سيد العرب لا يعدل بك والله أهل الحجاز أحدا ، ويتداعى إليك الناس من كل جانب ، لا تفارق الحرم فداك عمي وخالي ، فوالله لئن هلكت لنسترقن بعدك ) ( 1 )


إن هذه النصيحة - كسابقتها - تكشف عن إيمانه بضرورة التغيير دون التزام بأعبائه ، وإلا فلماذا الخوف من أن يسترقوا بعده ؟ لقد كانت الحالة الثورية موجودة ، ولكنها كانت في درجة متدنية بسبب الشلل النفسي الذي كان سائدا لدى الناس الراغبين

في التغيير المدركين لبؤس الواقع ، ولذلك فقد كانت الحالة الثورية بحاجة إلى محرض كبير وعنيف ينقلها من كونها حالة عقلية تأملية إلى درجة عالية من التوتر تجعلها حالة نفسية شعورية قادرة على تحريك الانسان نحو العمل من أجل تغيير

واقعه بالنضال لا بالتمنيات وانتظار أفعال الآخرين ، وقد تحققت هذه النقلة بثورة الحسين ، فتحولت الجماهير المترددة والمشلولة إلى جماهير ثائرة بكل ما لهذه الكلمة من معنى ، بحيث دفعت بالكثير إلى أعمال إنتحارية كالذي حدث بالنسبة إلى التوابين في معركة عين الوردة ( 2 ) .
 

  * هامش *  
  (2) معركة عين الوردة ( رأس العين ) قام بها ( التوابون ) بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي ، وكان عددهم أربعة آلاف ، ضد عبيد الله بن زياد الذي قدم بجيش كبير من أهل الشام ليعيد العراق إلى السلطة الاموية التي نصبت مروان بن الحكم خليفة . وقد ابتدأت المعركة في يوم الاربعاء الثاني والعشرين من شهر ربيع الثاني سنة 65 ه‍ ( يوم الاربعاء 4 كانون الثاني سنة 685 م ) . ( * )  

 

- ص 224 -

ويصور لنا حديث أيوب بن مشرح الخيواني مع أبي الوداك روح الندم العميق الاليم الذي كان يعمر القلوب والنفوس لدى الطبقات الشعبية بعد ثورة كربلاء ( لاحظ الطبري : 5 / 437 ) كما أن الروح الثورية الجديدة بلغت حدا من التوتر بحيث وضعت كل من شارك في كربلاء خارج المجتمع ، وخارج حماية الاعراف والقوانين ، وكانت دائما ملهما وحافزا على القيام بالثورات .

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الحسين (ع)

 

فهرس الكتاب