- أنصار الحسين ( ع ) - محمد مهدي شمس الدين ص 214 : -

الكوفة والبصرة والحجاز

 

ليس لدينا إحصاء نعرف منه بصورة دقيقة توزيع رجال الثورة على المواطن الثلاثة ( الكوفة ، والبصرة ، والحجاز ) فلم تشتمل روايات المؤرخين على ما يدل على المواطن إلا بالنسبة إلى رجال قليلين من الثوار . ولكننا مع ذلك نستطيع أن نرجح أن غالبية الثائرين كانت من الكوفيين ، وكان الباقون من الحجاز والبصرة .


فقد كانت الكوفة هي البؤرة الثورية في العالم الاسلامي ، فيها - بعد وفاة معاوية - طرحت فكرة تغيير النظام ونوقشت على نطاق واسع ، وفيها عقدت الاجتماعات التي تخطط للتغيير ، ومنها انطلق الرسل إلى الحسين يحملون كتب الكوفيين تدعوه

إلى أن يتزعم الحركة الجديدة ، وكا الذين بايعوا مسلما من الكوفيين - كل هذه الاعتبارات تدعونا إلى الاعتقاد بأن العدد الاكبر من الثائرين كان من الكوفيين .


لقد تميزت الكوفة دائما بأنها أكثر الامصار ثورية واندفاعا ، بينما غلب على البصرة التحفظ والحذر ، واتسم الحجاز بالرغبة في الدعة والسلام .

- ص 215 -

ولذا فإننا نرجح أن أكثر من شارك في ثورة كربلاء من الحجازيين غير الهاشميين - كان من موالي بني هاشم .

لقد خرج الحسين من الحجاز ثائرا على حكم يعرف الجميع ضرورة الثورة عليه ، ومع ذلك لم يخرج معه أحد ، ولم يثر خروجه أي حماس أو اندفاع . وقد وجه الحسين نداء الثورة إلى أعيان البصرة ورؤسائها ( رؤوس الاخماس )

والاشراف . . . فكل من قرأ ذلك الكتاب من اشراف الناس كتمه ، غير المنذر بن الجارود ، فإنه خشي - بزعمه أن يكون دسيسا من قبل عبيد الله ، فجاءه بالرسول من العشية التي يريد صبحيتها أن يسبق إلى الكوفة وأقرأه كتابه ، فقدم الرسول

فضرب عنقه . . . ( 1 ) كان هذا موقف قيادات البصرة من الثورة . وإذا كان هذا الموقف يبدو طبيعيا إلى حد كبير من رجال لا يريدون أن يفرطوا بمراكزهم في الدولة والمجتمع فإن الامر يبدو أدعى إلى الدهشة حين نلاحظ موقف الشيعة

البصريين كما يبدو من خلال النص التالي الذي نقله الطبري عن أبي المخارق الراسبي ، قال : ( اجتمع ناس من الشيعة بالبصرة في منزل امرأة من عبد القيس يقال لها مارية ابنة سعد - أو منقذ - أياما ، وكانت تشيع ، وكان منزلها لهم مألفا

يتحدثون فيه ، وقد بلغ ابن زياد اقبال الحسين ، فكتب إلى عامله بالبصرة أن يضع المناظر ويأخذ بالطريق ، قال : فأجمع يزيد بن نبيط الخروج ، وهو من عبد القيس ، إلى الحسين ، وكان له بنون عشرة فقال أيكم يخرج معي ؟ فانتدب معه ابنان
 

  * هامش *  
  (1) الطبري : 5 / 357 - 358 . ( * )  

 

- ص 216 -

له : عبيد الله وعبد الله ، فقال لاصحابه في بيت تلك المرأة : إني قد أزمعت على الخروج وأنا خارج ، فقالوا له : إنا نخاف عليك أصحاب ابن زياد . . ) ( 1 ) وسنذكر صورة أخرى عن موقف زعماء البصرة من الشيعة في فصل آخر .

من أين جاء هذا الموقف الحذر عند البصريين ، والذي يتسم باللامبالاة عند الحجازيين ، في مقابل موقف الكوفيين الواضح ، المندفع ؟ هل يكون الجواب أن الحجاز بعد أن لم يعد مركزا للخلافة الاسلامية لم يعد يهتم بالنشاط الذي يدور حولها وهي ،

على كل حال ، ستكون في الشام أو في العراق ، هذا مضافا إلى سياسة معاوية التي جعلت النخبة الحجازية من قريش وغيرها تغرق في الترف واللهو الذين جعلاها تحاذر من أي نشاط يعرض ترفها للزوال ولهوها للكدر ؟ وأن البصريين ،

وهم طالما تنازعوا مع قبائل الكوفة حول من له حق جباية الخراج من كورة كذا أو كورة كذا ( 2 ) لم يتحمسوا للمشاركة في ثورة

  * هامش *  
  (1) الطبري : 5 / 353 - 354 .
(2)
كثيرا ما كان يحدث نزاع بين أهل الكوفة وأهل البصرة حول : أي المدينتين أحق بخراج بلد من البلاد المفتوحة . مثلا في سنة 22 ه‍ كتب عمر بن سراقة - وإلى البصرة - إلى عمر بن الخطاب يذكر له كثرة أهل البصرة وعجز خراجهم عنهم ويسأله أن يزيدهم أحد الماهين أو ما سبذان .

وبلغ ذلك أهل الكوفة ، فقالوا لعمار بن ياسر - وكان واليا على الكوفة : أكتب لنا إلى عمر ان رامهرمز وايذج لنا دونهم ، لم يعينونا عليهما بشئ ، ولم يلحقوا بنا حتى افتتحناهما . . وكانت خصومة بين المدينتين أنهاهما عمر بن الخطاب - الطبري : 4 / 160 - 162 وقد تكررت هذه الخصومات بين الكوفة والبصرة كثيرا ، وعرض لها الطبري في أكثر من موضع من تاريخه .

 

 

- ص 217 -

سيؤدي نجاحها إلى تعزيز مركز الكوفة ، أما إخفاقها فسيجلب الخراب إلى المدينتين ؟

وإذا لم يكن الجواب في تفاوت الهموم السياسية والاقتصادية لهاتين المدينتين ، فهل نجده في المناخ الثقافي ؟

هل كان المناخ الثقافي للكوفيين يجعلهم أكثر ادراكا ووعيا للانحرافات عند الحاكمين ، وأكثر رغبة في التغيير من الحجازيين والبصريين الذين كانوا أكثر محافظة من الكوفيين .


يبدو أن معاوية بن أبي سفيان قد أدرك هذه الحقيقة ، أدرك هذه الروح الثورية ، ولكنه أدركها في العراق ، وليس في الكوفة وحدها ، فقال في وصيته لابنه يزيد : ( وانظر أهل العراق ، فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فافعل ، فإن عزل عامل أحب إلي من أن تشهر عليك مائة ألف سيف ) ( 1 ) . أيكون العراق في وصية معاوية هوالكوفة ؟ هذا ما نرجحه ( 2 ) .


وإذا لم يكن الجواب في الانتماء الثقافي فهل يكون في التاريخ القريب الذي يحمل البصريون صورته الدامية في معركة الجمل حين قمع الكوفيون بقيادة الامام علي تمرد البصريين على بيعة الامام بقيادة طلحة والزبير وأم المومنين عائشة ؟ .

وأخيرا هل يكون الجواب في الانتماء القبلي للسكان في المدينتين .
 

  * هامش *  
  (1) الطبري : 5 / 323 .
(2)
قال عمر بن الخطاب : ( العراق بها كنز الايمان ، وهم رمح الله ، يجزون ثغورهم ويكفون الامصار ) وهو يعني الكوفة . لاحظ ابن سعد : الطبقات 6 / 1 وما بعدها . ( * )
 

 

- ص 218 -

نحن نعلم أن معظم سكان البصرة كان من ربيعة ومضر ، من عرب الشمال ، وأن معظم سكان الكوفة من قبائل اليمن ، من عرب الجنوب ( 1 ) .

وقد رأينا في فصل سابق أن عرب الجنون يكونون العدد الاكبر من ثوار كربلاء . نرجح أن تكون جميع هذه العوامل قد اشتركت في صياغة موقف البصريين من الثورة .
 

 لقد كان زعماء البصرة يفكرون بلا شك في مركزهم في الدولة والمجتمع . وطالما تنازع البصريون مع الكوفيين حول حق الفتح لهذا البلد أو ذاك . وكانوا يفكرون بأن أي نجاح للثورة فإنما هو نجاح للكوفة التي ستكون قاعدة الدولة .
 

وكان الكوفيون أكثر وعيا لضرورة التغيير نتيجة للثقافة التي نشأوا في ظلها في عهد الامام علي ونتيجة لشعورهم بالتقصير في القيام بواجبهم في الدفاع عن حكومة الامام علي ونهجه السياسي ، هذا التقصير الذي أدى إلى انتصار معاوية وانتقامه من

الكوفة ( وهنا نلاحظ أن كثرة عرب الجنوب في الثورة تعود إلى كونهم أكثر وعيا - بسبب كونهم في الكوفة ، كانوا أكثر اتصالا بالامام وتأثرا بافكاره وتعاليمه لا إلى أسباب تتصل بالعوامل القبلية ) وكان جمهور القبائل البصرية التي اشتركت في معركة الجمل ضد الامام علي يذكره قتلاه ، ويتجاوب مع مشاعره التي تبعثها هذه الذكرى .
 

  * هامش *  
  (1) حسن إبراهيم حسن : تاريخ الاسلام 1 / 517 و 518 . وكانت الكوفة دائما هي التي تحسم أي موقف سياسي . فأهل الكوفة هم ( رأس العرب ، جمجمة العرب ، جمجمة الاسلام ، قبة الاسلام ، كان عمر يبدأ بأهل الكوفة ، وبها بيوتات العرب كلها وليست بالبصرة ) لاحظ الطبقات 6 / 1 - 6 . ( * )  

 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الحسين (ع)

 

فهرس الكتاب