- أنصار الحسين ( ع ) - محمد مهدي شمس الدين ص 211 : -

الشبان والشيوخ


تدل بعض النصوص على أن هذا أو ذاك من شهداء الثورة الحسينية كان من الشبان كالذي نستفيده بالنسبة إلى عبيد الله وعبد الله إبني يزيد ومن أشبه حالهما ، أو تدل على أنه كان من الشيوخ كالذي نستفيده بالنسبة إلى الصحابة ومن عاصرهم كمسلم بن عوسجة وأنس بن الحارث الكاهلي ومن أشبه حالهما .


ولكننا لا نستطيع في هذه المرحلة من البحث أن نحصل على رؤية كاملة وتفصيلية لحال كل واحد من الثوار في كربلاء من حيث مرحلة العمر التي كان فيها عندما التزم بالثورة .


وهذه الصعوبة بالذات تواجهنا أيضا بالنسبة إلى جمهور الثورة الكبير الذي بايع مسلم بن عقيل في الكوفة ، فما نسبة الشيوخ فيه وما نسبة الشبان ؟ .


إن نص أبي مخنف الذي يصور كيف تفرق الناس عن مسلم بن عقيل حين بدأ تحركه في الكوفة بعد القبض على هاني بن عروة ، وهو قوله :

- ص 212 -

( . . إن المرأة كانت تأتي إبنها أو أخاها فتقول : انصرف ، الناس يكفونك ، ويجئ الرجل إلى ابنه أو أخيه ، فيقول : غدا يأتيك أهل الشام ، فام تصنع بالحرب والشر . . ؟ ) ( 1 ) .


إن هذا النص ، وهو يصور هذا الموقف الانهزامي من تحرك مسلم ابن عقيل ، يوحي إلى الباحث المتأمل أن نسبة عالية من المقاتلين الذين نهضوا مع مسلم بن عقيل كانوا من الشبان ، ففيهم الابناء والاخوة ، وليس فيهم الآباء والازواج .


إننا نعترف بأن هذه الدلالة ليست قاطعة ، ولكنها تجعلنا نميل إلى ترجيح ما تقضي به طبيعة الاشياء ، وهو أن إرادة التغيير غالبا ما توجد في نفوس الشبان دون الشيوخ الذين يميل غالبهم إلى المحافظة ، وإيثار حالة الاستقرار .


إلا أننا في حالتنا هذه ( الثورة الحسينية ) نواجه عاملا استثنائيا يرجح أن تكون الاستجابات للثورة - في الكوفة بوجه خاص - قد حدثت بنسبة عالية بين الشيوخ وكبار السن ، فهؤلاء قد خبروا بأنفسهم أسلوب الامام علي عليه السلام في الحكم وسياسة

الناس وتوزيع الاموال ، وخبروا من بعده بأنفسهم أيضا أسلوب معاوية في الحكم وسياسة الناس ، وسياسته في الاموال ، ورأوا ما بينهما من فروق كبيرة ، وهم ، مع هذه الخبرة المباشرة بهذين الاسلوبين في الحكم ، يعرفون تجاوز معاوية لكثير

من أحكام الاسلام ووصاياه ، فهم بحكم هذه الخبرة وهذه المعرفة مؤهلون لان يفهموا ثورة الحسين ، ويتجاوبوا معها أكثر من جيل الشبان الذين لم يعرفوا إلا عهد معاوية ، ولم يعانوا إلا وجها واحدا من التجربة هو
 

  * هامش *  
  (1) الطبري 5 / 371 . ( * )  

 

- ص 213 -

سياسة معاوية فيهم ، وفي بلدهم ، ولا يعرفون من الوجه الآخر إلا أقاصيص ، وهم ، بعد أقل وعيا لمبادئ الاسلام ، وأقل صلة بهامن آبائهم . ولكن ألا تكون رغبة الشيوخ الطبيعية في الدعة والهدوء أقوى من وعيهم لضرورة التغيير نتيجة لتجربتهم مع علي ومع معاوية .


ثم من أين لنا أن نقول : إن هؤلاء الشيوخ أكثر وعيا من الجيل الجديد لمبادئ الاسلام ؟ إن غالب هؤلاء كانوا أعرابا نشأوا في البادية ، وجاءت بهم الفتوح إلى الامصار الجديدة ، وتولى تعليمهم هؤلاء الصحابة الذين كانوا يرافقون الجيوش غازين

ومعلمين ، فجيل الشيوخ في سنة ستين للهجرة يغلب عليه كونه على معرفة محدودة بالاسلام ومثله وأخلاقياته العالية - هذا إذا استثنينا العبادات وما إليها - ، أما جيل الشبان فقد نشأ في هذه الامصار في بيوت مسلمة ، وكان يتلقى في الجمعات وفي

حلق المساجد تعاليم الاسلام فيتلقاها في أذهان ونفوس بريئة من رواسب الجاهلية إلى حد بعيد - إلا ما اكتسبه من جيل الشيوخ - فهو أفضل إسلاما من آبائه بلا شك ، وهو لذلك أكثر قدرة على وعي المبررات الاسلامية لثورة الحسين ، وهو

أكثر قدرة على الرفض وعلى الحسم ، ومن ثم فهو مؤهل لان يكون جمهور الثورة . إننا نرجح أن يكون عنصر الشبان في الثوار هو العنصر الغالب . والمسألة ، بعد ، بحاجة إلى درس أوفى على ضوء النصوص الاساسية والمساعدة ، إن وجدت

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الحسين (ع)

 

فهرس الكتاب