- 1 - من الابعاد التي لم
تدرس في ثورة الحسين عليه السلام بعدها البشري - إذا صح التعبير - نعني بذلك ما
يعود إلى رجالها الذين أججوا نارها ، واستشهدوا فيها - لا من حيث إخلاصهم لها ،
وإيمانهم بها ، فقد صدقوا ذلك بالموت -
بل من حيث انتماؤهم القبلي ، وعنصرهم البشري ، وموطنهم
الجغرافي ، والحالة الاجتماعية ، والاعمار ، وغير ذلك مما يتصل بالوضع الشخصي
لكل واحد منهم . ويدخل في حقل هذه الدراسة أيضا أولئك الذين كانوا من رجال
الثورة أو من
جمهورها ، وفاتتهم لسبب أو لآخر فرصة المساهمة فيها حين نشبت
دون أن يتبدل ولاؤهم لها . إن دراسة هذا البعد من أبعاد الثورة الحسينية ضرورية
لتحقيق هدفين :
الاول : معرفة ( الدرجة )
التي بلغتها ( الحالة الثورية ) في المجتمع الاسلامي آنذاك ، وذلك من حيث العمق
والاصالة ، ومن حيث الانتشار .
الثاني : معرفة مدى
مساهمة استشهاد رجال الثورة في كربلاء وغيرها في تأجيج نار الثورات التي تفجرت
فيما بعد من حيث أن الانتماء القبلي أو الاقليمي المعين - مثلا - لهذا الثائر
أو ذاك قد سبب أن تحدث شهادته تغييرا ما في ولاء بعض الرجال والجماعات للسلطة ،
فنقلتهم إلى جو الثورة أو حيدت مواقفهم على الاقل .
وقد درسنا في كتابنا ( ثورة الحسين : ظروفها الاجتماعية وآثارها الانسانية )
تأثير الثورة الحسينية في تفجير ما تلاها من ثورات من حيث تأثير الثورة في
ذهنية الامة بشكل عام كعنصر ثقافي جديد دخل في تصورات الامة ، ولم ندرس تأثير
الثورة المباشر من خلال شخصيات رجالها ، وانتمائهم ، ومواقعهم في حياة
مجتمعاتهم القبلية ومواطنهم الجغرافية .
إن هؤلاء الرجال ، حين يدرسون على هذا النحو ، سيكونون نوافذ نطل منها على
مجتمعهم فنعرف الكثير من خفاياه مما لا تسعفنا النصوص المباشرة في معرفة شئ منه
. ولكن المادة الاساسية لهذه الدراسة تكاد أن تكون مفقودة . فإن الاخباريين
والمؤرخين لم يعنوا برواية وتسجيل أسماء الرجال والنساء
والجماعات ممن شارك في هذه الثورة بشكل أو بآخر . أو حاول أن
يشارك فيها وحالت الظروف بينه وبين ذلك - وقبائلهم ومواطنهم الجغرافية ،
وأعمارهم . ولا نكاد نعرف شيئا ذا قيمة عن الاوساط الاجتماعية التي خرج منها
كثير من هؤلاء
الثوار أو غالبيتهم . نعاني هذا الفقر في المعلومات بالنسبة
إلى غير الهاشميين من الشهداء ، أما الهاشميون فإن المؤرخين حفظوا لنا أسماء
الشهداء منهم ، والمؤرخون يختلفون فيما بينهم في بعض الاسماء ، ولكن الامر
بالنسبة إليهم ، على كل
حال ، أفضل مما نواجهه بالنسبة إلى الشهداء من غير الهاشميين
. ربما يكون الوهج الساطع الذي يشع من شخصية الامام الحسين ، والظل الكبير الذي
تتركه هذه الشخصية العظيمة في نفس الباحث مسؤولين إلى حد ما عن إهمال المؤرخين
والاخباريين لتزويدنا بالمادة الاساسية لهذه الدراسة على نحو أفضل .
ولذا فإن محاولة تجميع المادة الاساسية لهذه الدراسة تواجه صعوبات جمة تنشأ من
قلة المعلومات ، وتشتتها وغموضها أحيانا ، وتناقضها في أحيان أخرى . ولذا فلا
بد من كلمة نقولها عن المصادر .