- أنصار الحسين ( ع )  - محمد مهدي شمس الدين ص 190 : -

العرب والموالي علينا


حين ندرس علاقة الموالي بالثورة الحسينية ودلالات هذه العلاقة ، نستبعد موالي الحسين وعلي ، فإن صلة هولاء بالثورة صلة طبيعية نابعة من كون أوليائهم قادتها ، ولذا فهي علاقة لا يمكن أن تكون فيها دلالة على موقف الموالي بوجه عام ، ولا تصلح منطلقا لتفسير هذا الموقف .


إن حقل البحث في هذه المسألة هو موالي غير الهاشميين الذين دخلوا في الثورة بشكل أو بآخر ، فإن مشاركة هؤلاء يمكن أن تكون ذات دلالة إذا بلغت مستوى معينا من الكثافة والتنوع .


وإذا لاحظنا نسبة الموالي في القوة الصغيرة الثائرة مع الحسين فسنجد أنها نسبة ضئيلة لا تبلغ عشرة لمئة من مجموع الثائرين ، وذلك لاننا إذا استبعدنا موالي الحسين يبقي لدينا من الموالي ، في نطاق الاسماء التي وصلت إلينا ستة رجال هم :

( جون مولي أبي ذر الغفاري ، وزاهر مولي عمرو بن الحمق الخزاعي ، وسالم مولي بني المدنية الكلبي ، وسالم مولى عامر العبدي ، وسعد بن عبد الله مولى عمرو بن خالد الازدي ، وشوذب مولى شاكر بن عبد الله الهمداني الشاكري ) .
 

- ص 191 -

ولو كانت ظاهرة وجود الموالي في الثورة الحسينية تتوقف عند مشاركة العدد المحدود منهم في معركة كربلا والفوز بالشهادة لما كانت لذلك أية دلالة ذات قيمة تاريخية ، ولكن ظاهرة وجود الموالي في الثورة الحسينية وعلاقتهم بها تتعدى هذا

القدر المحدد إلى مجالات أوسع منه بكثير فثمة بعض الاشارات قبل عاشوراء وبعدها ، تدل على وجود صلة ما ، لعلها كبيرة جدا ، بين الموالي وبين الثورة الحسينية . وربما كان لها دلالات عظيمة القيمة على بدايات دور الموالي الخطير والكبير

في توجيه حركة التاريخ في العالم الاسلامي . من هذه الاشارات أن عبيد الله بن زياد ، حين أراد أن يتجسس على مسلم بن عقيل لم يستخدم في هذه المهمة عربيا ، وإنما ( دعا مولى له يقال له معقل فأعطاه ثلاثة آلاف ، وقال له : إذهب حتى تسأل

عن الرجل الذي يبايع له أهل الكوفة ، فأعلمه أنك رجل من أهل حمص . . ) ( 1 ) . ومن هذه الاشارات أن السيدة الارملة التى لجأ مسلم بن عقيل إلى منزلها بعد أن فشلت حركته وتفرق عنه الناس ، وهي السيدة طوعة . كانت مولاة لمحمد بن الاشعث ( 2 ) .

وقد أدخلت مسلم بن عقيل إلى منزلها بمجرد أن عرفت إسمه ، دون أن تبدي أي حذر مما قد تجر عليها استضافته عندها من متاعب ، وقد أخفته وهي تعلم بأنه مطلوب من السلطة .
 

  * هامش *  
  (1) الطبري : 5 / 348 و 362 ، وهذا في رواية عمار الدهني وأبي مخنف ، وأما في رواية عيسى بن يزيد الكناني فإن هذا المولى لم يكن لابن زياد ، وإنما كان مولى لبني تميم - الطبري : 5 / 360 .
(2)
الطبري : 6 / 371 . ( * )
 

 

- ص 192 -

هل يدل اختيار عبيد الله بن زياد لمهمة التجسس على مسلم بن عقيل رجلا من الموالي ، بدل أن يختار لهذه المهمة رجلا عربيا على أن النظام الاموي كان يقدر أن الموالي كانوا يضمرون التعاطف مع حركة الثورة ورجالها ، وأن ثمة صلات

خفية بين الثورة وجماعات من الموالي تحمل الثائرين على الوثوق بمن لا يعرفونه من الموالي معرفة مؤكدة ، أكثر مما لو كان هذا الذي لا يعرفونه عربيا من الشام لا سبيل إلى التوثق من شخصيته ؟ ( إذ لا سبيل لدرس رجل عراقي يسهل اكتشافه

بالتقصي عنه في قبيلته ) وهل تدل استجابة مسلم بن عوسجة للجاسوس دون حذر ( 1 ) على صدق تقدير النظامر الاموي لحقيقة العلاقة بين الموالي وبين الثورة ؟ وهل تدل استجابة السيدة طوعة لطلب مسلم بن عقيل وإخفائه في منزلها ، بعد أن

أعلمها بأن أهل الكوفة قد خذلوه ، على أنها قد تصرفت استجابة لموقف نفسي إيجابي من الثورة حال بينها وبين أن تفكر في عواقب تصرفها ؟ لا نملك أجوبة حاسمة على هذه التساؤلات ، وإن كنا نرجح أن الاعتبارات السياسية والاجتماعية في ذلك

الحين تدعونا إلى تقديم أجوبة موافقة وإيجابية . فنحن نعلم أن الموالي كانوا على علاقة وثيقة بالامام علي بن أبي طالب ، ناشئة من سياسة الامام العادلة التي ساوتهم بغيرهم من المسلمين وقد نقم بعض زعماء القبائل على هذه العلاقة ، فقال الاشعث بن قيس

  * هامش *  
  (1) تقدم ذكره في تعداد الشهداء ، كان يأخذ البيعة للامام الحسين ، وكان أمينا على الاموال في حركة مسلم بن عقيل في الكوفة . ( * )  

 

- ص 193 -

للامام علي : ( يا أمير المؤمنين : غلبتنا هذه الحمراء على قربك ) ( 1 ) ومن المؤكد أن هؤلاء كانوا ، في أيام يزيد بن معاوية ، لا يزالون يتذكرون أن حياتهم في السنين القليلة لخلافة الامام علي بن أبي طالب كانت أكثر رخاء واستقرارا

وكرامة من حياتهم في ظل حكم معاوية بن أبي سفيان الذي عاملهم نظامه باحتقار شديد ، والذي كان يفضل أن يقتل بطريقة ما نصفهم خشية من تزايد عددهم وما يستتبع هذا من مشكلات سياسية ( 2 ) .


ولا شك في أن طبيعة الاشياء في هذه الحالة بأن يغتنم الموالي أية فرصة سانحة للخروج من وضعهم السئ الذي صاروا إليه بعد الامام علي . ولو لم يبادر عبيد الله بن زياد إلى القضاء على حركة مسلم بن عقيل القصيرة الاجل ، ولو أتيح للثورة

أن تستمر أياما على الاقل قبل أن يقضي عليها ، لتكشف لنا دور الموالي بدرجة أوضح مما لدينا الآن ، ولرأينا في غالب الظن ، أن وجودهم في الثورة كان أكثف مما يعكسه لنا ما بقي من تاريخ الثورة . وأن مساهمتهم فيما كانت واسعة .


لقد كان العرب ، قادتهم وأشرافهم ، يتحركون نحو الثورة بدافع من الحماس الديني والوعي عند القليل منهم ، وبدافع من استعادة السلطان من الشام ، وإعادة الكوفة إلى مركزها القديم العظيم عند أكثريتهم
 

  * هامش *  
  (1) الحمراء : هو الاسم القديم الذي أطلق على الفرس المسلمين ، ثم أطلق على الروم المسلمين .
(2)
المبرد : الكامل : 2 / 62 ( * )
 

 

- ص 194 -

وكان الموالي يتحركون نحو الثورة بدافع من الرغبة في تغيير واقعهم السئ بواقع عاشوه في أيام الامام علي ، مع وجود قلة فيهم ، يمثلها الشهداء منهم ، تحركت نحو الثورة بدافع من وعي صادق ومصيب لحقيقة الاسلام ، وإدراك لما يمثله النظام

الاموي من انحرافات . على أن ما حدث بعد ثورة الحسين بسنوات قليلة يكشف عن عمق صلة الموالي واتساعها ، فعندما نهض المختار بن أبي عبيد الثقفي ( 1 ) في الكوفة رافعا شعارات حماية المستضعفين ، والاخذ بثارات الحسين وأهل البيت

الآخرين ، التف حوله العرب والموالي معا ، وقد تخلت عنه بعد ذلك الاكثرية العظمى من العرب لانها رفضت سياسته المالية والاجتماعية بالنسبة إلى الموالي ، فإن هؤلاء الموالي قد ثبتوا معه إلى النهاية الاليمة في وجه الحكم الزبيري الذي لم يكن أقل فظاظة وتمييزا بين الناس من الحكم الاموي ( 2 ) .


نستطيع أن نقول : إن الموالي في سنة ستين للهجرة كانوا في
 

  * هامش *  
  (1) قاد أبوه معركة الجسر ، عند البويب في النخيلة ، التي خسرها المسلمون أمام تفوق الفرس ، وقتل في المعركة . كانت زوجة المختار عمرة بنت النعمان بن بشير الانصاري ، قتلها مصعب بن الزبير بعد القضاء على ثورة المختار . وكان للمختار بيت في الكوفة نزل فيه

مسلم بن عقيل ، وكان له بالقرب من الكوفة ضيعة . أعلن المختار ثورته في الكوفة صباح الاربعاء 13 ربيع الاول سنة 66 ه‍ ( 18 تشرين الاول - أكتوبر سنة 675 م ) وقضي على الثورة بقتل المختار في الكوفة مع فريق انتحاري من أصحابه في يوم 14 رمضان سنة 67 ه‍ ( 3 نيسان - ابريل سنة 687 م ) وكان عمر المختار حين قتل سبعا وستين سنة .

(2)
أرسل المختار - إلى المدينة - بالاتفاق مع عبد الله بن الزبير - جيشا قوامه ثلاثة آلاف كلهم من الموالي تحت إمرة شرحبيل بن ورس الهمداني ليشتركوا في مقاومة أهل الشام ، مع جيش ابن الزبير المؤلف من ألفي جندي بقيادة عياش ( عباس ) بن سهل بن سعد الانصاري . ولكن عياشا هذا دبر للجيش الحليف - بالاتفاق مع عبد الله بن الزبير - مذبحة قضت عليه . ( * )

 

 

- ص 195 -

بدايات وعيهم لواقعهم السئ بالنسبة إلى ما يضمنه لهم الاسلام من مركز كريم مساو لمركز الانسان العربي في الدولة الاسلامية ، كما كانوا في بدايات وعيهم لقدرتهم إذا أتيحت لهم قيادة تترجم آلامهم ومطامحهم إلى أفعال .


وقد أنضجت ثورة الحسين وعيهم لواقع حياتهم ولحقوقهم بحكم كونهم مسلمين ، كما أنضجت وعيهم لذاتهم باعتبارهم قوة كبرى في المجتمع الاسلامي قادرة على التغيير . وقد انطلقت ثورة المختار بن أبي عبيد الثقفي ، فشهد المجتمع الاسلامي

العربي من خلالها قوة الموالي الجديدة تحارب بعنف من أجل المبادئ النبيلة التي تؤمن بها القيادة الحاكمة على مستوى الشعارات ، ولا تأبه لها عند الممارسة اليومية لشؤون الحكم . وقد حاول المختار مخلصا تطبيق الصيغة الاسلامية للمساواة

بين العرب والموالي - وكان ذلك في صالحه - ولكنه فشل بسبب تعصب زعماء القبائل وقصر نظرهم فاضطر المختار إلى الاعتماد على الموالي مع قلة من العرب الواعين .


ومع أن هذا الانشطار الذي حل بجمهور الثورة في العراق بين المسلمين العرب والمسلمين غير العرب قد هيأ الفرص أمام ابن الزبير للقضاء على الثورة ، إلا أنه منذ ذلك الحين بدا التغيير العميق الواسع النطاق الذي بلغ ذروة تعاظمه في استيلاء العباسيين على الخلافة الاسلامية



 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الحسين (ع)

 

فهرس الكتاب