- أنصار الحسين ( ع ) - محمد مهدي شمس الدين ص 183 : -

القسم الثاني الدلالات

النخبة

لا تسعفنا المصادر ، إلا بالقدر الضئيل الذي لا يغني ، بالمعرفة المباشرة بالمواقع الاجتماعية لشهداء كربلاء وبسمات حياتهم الشخصية .

فإذا استثنينا الرجال القليلين الذين نعرف بصورة تفصيلية مباشرة أنهم كانوا شخصيات اجتماعية ذات شأن في قبائلهم وفي مجتمعهم تبقى الكثرة العظمى من الشهداء في الظل من حيث مواقعهم الاجتماعية ، لاننا لا نعرف عنهم إلا أسماءهم . .


ولكننا نعرف استنادا إلى بعض النصوص أن أكثر الشهداء لم يكونوا نكرات اجتماعية من غمار الناس ، بل كانوا من الرجال ذوي الشأن في أوساطئهم الاجتماعية ، ونعرف أنهم كانوا يمثلون نوعية خاصة كان الناس ينظرون إليها باحترام كبير ،

وبعواطف تتفاوت بين الحب والكراهية تدلنا على ذلك كلمة عمرو بن الحجاج الزبيدي ( 1 ) التي نهي فيها الجنود الامويين عن قتال المبارزة مع الثوار قائلا :
 

  * هامش *  
  (1) من شخصيات الكوفة الموالية للنظام الاموي . كان أحد المقربين من زياد بن سمية واشترك في الايقاع بحجر بن عدي الكندي وكان أحد الشهود عليه ، وكان من جلساء عبيد الله بن زياد ، => ( * )  

 

- ص 186 -

( ويلكم يا حمقاء ، مهلا ، أتدرون من تقاتلون ؟ إنما تقاتلون فرسان المصر ، وأهل البصائر ، وقوما مستميتين . . ) ( 1 ) .

إن ( فرسان المصر ) في مجتمع محارب ، وهو ما كانه المجتمع العربي الاسلامي في ذلك الحين ، تعبير يعني الشخصيات البارزة في المجتمع ، فقد كان التفوق في الحقال العسكري أحد أفضل السبل لتبوء مركز إجتماعي مرموق يبعث على

الاحترام ، بل لقد كانت هذه الصفة خليقة بأن تجعل الناس يغضون النظر عما قد يكون في الرجل من خلال معيبة في نظر المجتمع ( 2 ) و ( أهل البصائر ) ( 3 ) تعبير يعنى به الواعون الذين يتخذون مواقفهم
 

  * هامش *  
   => وهو أحد ثلاثة رجال استدرجوا هاني بن عروة إلى ابن زياد بعد انكشاف أمر مسلم بن عقيل ، وكانت أخته روعة زوجة لهاني بن عروة . كان في كربلاء على رأس القوة التي منعت الحسين وأصحابه من ماء الفرات وكان على ميمنة الجيش الاموي في كربلاء ، وهو أحد حملة الرؤوس إلى عبيد الله بن زياد - وقد كان أحد الذين كتبوا إلى الحسين يدعونه للقدوم إلى الكوفة : ( . . فإذا شئت فاقدم على جند لك مجند ) . الطبري : 5 / 270 و 349 و 353 و 364 - 365 و 367 و 622 و 656 .

(1) الطبري : 5 / 435 .

(2) إن التفوق في الحقل العسكري كان خليقا بأن يبعث على تجاوز النظرة المتحيزة ضد صفة العجمة عند الموالي ، وأن يبعث على احترام المولى وتقديره ، لاحظ الكامل : 3 / 316 - 317 .

(3) من المؤكد أن هذا التعبير مصطلح ثقافي إسلامي يعني : الفئة الواعية للاسلام على الوجه الصحيح ، والملتزمة به في حياتها بشكل دقيق ، بحيث تتخذ مواقف مبدئية من المشكلات التي تواجهها في الحياة والمجتمع ، ولا تقف على الحياد أمام هذه المشكلات وإنما تعبر عن التزامها النظري بالممارسة اليومية لنضال ضد الانحرافات . ويبدو لنا من دراسة مستعجلة لهذا المصطلح أنه ولد في الثقافة الاسلامية في وقت مبكر ، وبالتحديد حين بدأت قوى الانحراف تنشر مفاهيمها وأساليبها وتجمع لنفسها الانصار . ولذا نجد أنه كثير الورود في كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي أسفرت قوى الانحراف في عهده عن وجهها واضطرته لخوض المعارك الفكرية والعسكرية معها ، وإذا كان قد عجز عن دحرها => ( * )

 

 

- ص 187 -

عن قناعات تتصل بالمبدإ الاسلامي ، ولا تتصل بالاعتبارات النفعية .
 

  * هامش *  
   => عسكريا وتحطيمها بشكل نهائي ، واخراجها من دائرة الحياة الاسلامية ، فإنه قد أفلح في فضحها ، وبيان زيفها على الصعيد الفكري . لقد ورد هذا المصطلح في خطب أمير المؤمنين علي ، وكتبه وكلماته القصار للتعبير عن الفئة الواعية في مقابلة غير الواعين ، ولبيان

موقف الفئة الواعية من الاغراءات ، أو للتعبير عن موقف الانسان غير الواعي من الاغراءات والمخاوف . فقد ورد مثلا في كتاب منه إلى معاوية بن أبي سفيان ، قوله : ( وأرديت جيلا من الناس كثيرا خدعتهم بغيك ، وألقيتهم في موج بحرك . . فجاروا عن وجهتهم ونكصوا

على أعقابهم ، . . . وعولوا على أحسابهم ، إلا من فاء من أهل البصائر ، فإنهم فارقوك بعد معرفتك ، وهربوا إلى الله من موازرتك ) نهج البلاغة - باب الكتب - رقم النص : 32 . ومما قاله عز الدين بن أبي الحديد في شرحه تعليقا على هذا النص : ( ( وعولوا على أحسابهم )

أي لم يتعتمدوا على الدين ، وإنما أردتهم الحمية ونخوة الجاهلية فاخلدوا إليها وتركوا الدين ، ثم استثنى قوما فاءوا . . . ) شرح نهج البلاغة : 16 / 132 - 133 . وورد في خطبة له يومئ فيها إلى الملاحم ويصف فئة من أهل الضلال : ( وطال الامد بهم ليستكملوا الخزي ،

ويستوجبوا الغير ، حتى إذا اخلو لحق الاجل ، واستراح قوم إلى الفتن - لم يمنوا ( أهل البصائر ) على الله بالصبر ، ولم يستعظموا بذل أنفسهم في الحق ، حتى إذا وافق وارد القضاء انقطاع مدة البلاء ، حملوا بصائرهم على أسيافهم ، ودانوا لربهم بأمر وأعظمهم ) . وهو

يعني الجاهليين من جهة والمسلمين في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله من جهة أخرى . وقال ابن أبي الحديد في شرحه تعليقا إلى هذا النص . ( . . حتى إذا ألقى هؤلاء السلام إلى هذه الفئة عجزا عن القتال ، واستراحوا من منابذتهم بدخولهم في ضلالتهم وفتنتهم . . . أنهض

الله هولاء ، العارفين الشجعان فنهضوا ( وحمل هؤلاء العارفون بصائرهم على أسيافهم . . . يعني أنهم أظهروا بصائرهم وعقائدهم للناس وكشفوها ، وجردوها من أجفافها ، فكأنها شئ محمول على السيوف يبصره من يبصر السيوف . . ) شرح نهج البلاغة : 9 / 129 - 131

إن قوله : ( حملوا بصائرهم على أسيافهم ) يعني في لغتنا الحاضرة : المواقف المبدئية المعلنة والنضال في سبيلها . ومن النصوص التي وردت في نهج البلاغة عن أهل البصائر قوله عليه السلام في خطبة من خطب الملاحم . ( قد انجابت السرائر لاهل البصائر ووضحت محجة الطريق لخابطها . . . ) ومن ذلك قوله في خطبة يصف فيها النحلة والجرادة . ( * )

 

 

- ص 188 -

وإذن فنحن أمام نوعية من الشخصيات تمثل النخبة الواعية للاسلام في المجتمع الاسلامي في ذلك الحين ، وهي تستمد تفردها وتفوقها من فضائلها الشخصية ومن وعيها الاسلامي والتزامها بمواقفها المبدئية ، على خلاف الزعماء القبليين التقليديين الذين

يستمدون قوتهم من الاعتبارات القبلية المحضة . وإن كانت هذه النخبة الواعية تضم رجالا كثيرين جمعوا إلى فضائلهم ووعيهم الاسلامي ولاء قبائلهم لاشخاصهم . ومن هذا الذي قدمناه في بيان مقومات هذه النخبة يتضح أنها تمثل النقيض الاجتماعي

للنخبة القبلية التقليدية التي كانت تدير سياسة القبائل ، وتتعامل مع النظام الاموي ، وتحصل على اعترافه الرسمي بزعامتها .

وإذا كان لهذه النخبة التقليدية جمهورها الكبير ، فإن النخبة الواعية لم تكن بلا جمهور ، وإن كنا نرجح أنه صغير الحجم بالنسبة إلى الجمهور التقليدي .
 

  * هامش *  
   => ( ولو فكروا في عظيم القدرة وجسيم النعمة لرجعوا إلى الطريق وخافوا عذاب الحريق ، ولكن القلوب عليلة والبصائر مدخولة . . . ) . ومن ذلك قوله يخاطب أصحابه : ( . . . فانفذوا على بصائركم ، ولتصدق نياتكم في جهاد عدوكم ، فوالذي لا إله إلا هو اني لعلى جادة

الحق ، وإنهم لعلى مزلة الباطل . . . ) ومن ذلك قوله في دعاء . ( اللهم انك آنس الآنسين لاوليائك . . تشاهدهم في سرائرهم ، وتطلع عليهم في ضمائرهم وتعلم مبلغ بصائرهم . . . ) . ومن ذلك قوله في إحدى كلماته القصار : ( . . . الاماني تعمي أعين البصائر . . . ) . وورد

هذا المصطلح في كلمة للمهدي العباسي قالها لوزيره الربيع علق بها على موقف أحد الثوار في عهده وصلابته وثباته : ( أما ترى قلة خوفه وشدة قلبه ، هكذا تكون والله أهل البصائر )  مقاتل الطالبيين : 418 . ( * )

 

 

- ص 189 -

ولا شك في أن السلطة وأعوانها من الزعماء التقليديين كانوا يعرفون خطورة هذه النخبة ، فهي نخبة لا يمكن التعامل معها بالوسائل التقليدية ، ولا يمكن شراء ولائها خلافا لقناعاتها المبدئية ، لانها ( من أهل البصائر ) وهي بما تملك من رصيد قبلي

- على قلته - قادرة على التأثير في جمهور القبائل ، ولا يقلل من خطورة هذا التأثير أنه محدود ، فجميع بدايات التغيرات الكبرى تكون محدودة ، ولذا فالنخبة الواعية من هذه الجهة تمثل خطرا كبيرا ، ولذا فقد كان هم السلطة الكبير هو القضاء

بسرعة قياسية على الثورة وعلى قوتها الصغيرة المكونة من هؤلاء الرجال قبل أن تمتد بها الايام فتحمل كثيرا من ( أهل البصائر ) واتباعهم على إعلان موقفهم الايجابي من الثورة ، وتمكنهم من اللحاق بها . وقد كان الزعماء التقليديون يدركون

بلا شك أن هذه النخبة من أهل البصائر تكون في حال نجاحها خطرا على مراكزهم ، ولذا فقد ساعدوا السلطة بإخلاص على تنفيذ خطتها في تصفية الثائرين جسديا ، وجعلهم عبرة لغيرهم .


والموضوع بحاجة إلى تتبع في النصوص النبوية وغيرها ليعرف تاريخ تكون هذا المصطلح ودخوله في البنية الثقافية للانسان المسلم وربما كان هذا المصطلح قد تولد من مصطلح سابق عليه ورد صفة لبعض الصحابة وهو ( أهل النية ) فقد ورد صفة

لابي الدرداء ( عويمر بن زيد الخزرجي ) : ( . . . وكان أبو الدرداء من علية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل النية منهم ) الطبقات / 7 / قسم 2 / ص 117 ط ليدن أوفست . وربما يكون المعني بأهل النية : أهل الاخلاق والصفاء النفسي
 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الحسين (ع)

 

فهرس الكتاب