- أنصار الحسين ( ع ) - محمد مهدي شمس الدين ص 166 : -

دراسة عن الزيارة المنسوبة إلى الناحية المقدسة والزيارة الرجبية وتحقيق حالهما

 

 أ - في سند الزيارتين وتاريخ تأليفهما

 1 - الزيارة المنسوبة إلى الناحية المقدسة . - هذه الزيارة أوردها السيد ابن طاووس ( جمال العارفين ، رضي الدين ، على بن مؤسسي بن جعفر بن طاووس ) ت 664 ه‍ في كتابه الموسوم ب‍ ( الاقبال ) في أعمال الايام والمشهور ، والادعية

والزيارات . قال : ( فصل فيما نذكره من زيارة الشهداء في يوم عاشوراء . ( رويناها بإسنادنا إلى جدي أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي رحمة الله عليه ، قال : حدثنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عياش ، قال : حدثني الشيخ الصالح

أبو منصور بن عبد المنعم بن النعمان البغدادي رحمة الله عليه ، قال : خرج من الناحية سنة إثنتين وخمسين ومائتين على يد الشيخ محمد بن غالب الاصفهاني - حين وفاة أبي رحمه الله ، وكنت حديث السن ، وكتبت أستأذن في زيارة مولاي أبي
 

- ص 167 -

عبد الله عليه السلام وزيارة الشهداء رضوان الله عليهم ، فخرج إلي منه : بسم الله الرحمن الرحيم إذا أردت زيارة الشهداء رضوان الله عليهم فقف عند رجلي الحسين عليه السلام ، وهو قبر علي بن الحسين صلوات الله عليهما ، فاستقبل القبلة بوجهك ، فإن هناك حومة الشهداء عليهم السلام ، وأوم وإشر إلى علي بن الحسين عليه السلام ، وقل . . ) . يتبين من هذا النص أن الزيارة المنسوبة إلى الناحية قد وصلت إلينا بالطريق التالي .

 1 - رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن طاووس ( ت سنة 664 ه‍ ) رحمه الله وهو من أعاظم العلماء الزهاد العباد الثقات .

 2 - أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ( ت سنة 460 ه‍ ) رحمه الله .شيخ الطائفة ، وهو أشهر من أن يذكر .وقد رواها ابن طاووس بإسناده إلى جده أبي جعفر رحمه الله ، ولم يتح لنا الاطلاع على رجال طريق ابن طاووس إلى الشيخ الطوسي

 3 - أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن عياش الجوهري ( ت سنة : 401 ) كان معاصرا للشيخ الصدوق . وكان من أهل العلم والادب ، حسن الخط ، وصنف كتبا عديدة ، منها : كتاب مقتضب الاثر في النص على الائمة الاثني عشر عليهم

السلام ، وكتاب الاغسال ، وكتاب أخبار أبي هاشم الجعفري ، وغير ذلك . قال الشيخ في الفهرست . إنه سمع وأكثر ، واختل في آخر عمره ، وكان جده وأبوه وجيهين ببغداد .

- ص 168 -

وقال النجاشي : رأيت هذا الشيخ ، وكان صديقا لي ولوالدي ، وسمعت منه شيئا كثيرا ، ورأيت شيوخنا يضعفونه ، فلم أرو عنه وتجنبته ( كتاب الرجال للنجاشي ص 67 ، والفهرست للشيخ الطوسي ص 57 - 58 ، والكنى والالقاب : 1 / 363 )

 4 - أبو منصور بن عبد المنعم بن النعمان البغدادي : لم نجد مترجما بهذا الاسم ، سوى ما ذكره التستري في قاموس الرجال : ( 10 / 194 ) ، ولم يزد على عبارة الاقبال شيئا .
 

وذكر العلامة المحقق الباحث الكبير الشيخ آغا بزرك الطهراني في ترجمة الشيخ الطوسي من مشايخ الطوسي : ( أبا منصور السكري ) وقال : ( قال صاحب الرياض ( رياض العلماء ) يحتمل أن يكون من العامة أو من الزيدية ) .
 

أقول : استبعد شيخنا النوري كونه من العامة مستدلا بما وجده من رواياته التي لا يرويها أبناء العامة . إلا أنه لم ينف كونه زيديا ) مقدمة التبيان ، ص أ ز - أ ح - .

وزاد السيد محمد صادق بحر العلوم في مقدمة رجال الشيخ على هذا قوله : ( يظهر من أمالي الشيخ رحمه الله أنه من مشايخه ) مقدمة رجال الشيخ الطوسي ، ص 37 - 38 . فهل يكون هذا هو الذي ورد في سند هذه الزيارة ؟ إن هذا بحسب

العادة بعيد جدا . فإن بين ولادة الشيخ سنة 385 ه‍ وصدور الزيارة سنة 252 - قرنا وثلث القرن ( 133 سنة ) . وعلي أي حال ، فإن الرجل مجهول .

- ص 169 -

 5 - الشيخ محمد بن طالب الاصفهاني : لم نجد مترجما بهذا الاسم . ذكره التستري في قاموس الرجال ، ( ج 8 / 333 - 334 ) ناقلا عبارة الاقبال ، وزاد عليها قوله : ( ( والمراد بالناحية فيه ( الخبر ) لا بد أن يكون العسكري ( ع ) لان الحجة ( ع ) لم يكن ولد في تلك السنة .


روى أبو غالب عن أحمد بن محمد عن محمد بن غالب ، عن علي بن فضال في علامة أول شهر رمضان - التهذيب - والظاهر كونه الاصفهاني ) . ولم نعرف وجها لهذا الاستظهار . وعلى أي حال فالرجل مجهول . هذا هو سند ابن طاووس رحمه الله ، وهو كما ترى ، سند ضعيف جدا ، ففيه ، مجهولان ، وضعيف هو ابن عياش .


وقال المجلسي رحمه الله في البحار بعد أن أورد الزيارة : ( . . . قال مؤلف المزار الكبير : زيارة الشهداء رضوان الله عليهم في يوم عاشوراء : أخبرني الشريف أبو الفتح محمد بن محمد الجعفري أدام الله عزه ، عن الفقيه عماد الدين محمد بن أبي القاسم الطبري ، عن الشيخ أبي علي الحسن بن محمد الطوسي .


وأخبرني عاليا الشيخ أبو عبد الله الحسين بن وهبة الله بن رطبة ، عن الشيخ أبي علي ، عن والده أبي جعفر الطوسي ، عن الشيخ محمد بن أحمد بن عياش ، وذكر مثله سواء . . . ) .

- ص 170 -

وهذا السند ، كما ترى ، ينتهي إلى ابن عياش الضعيف ، وإلى المجهولين : أبي منصور ومحمد بن غالب . فالزيارة من حيث سندها ضعيفة . والتاريخ المذكور للزيارة ، وهو سنة اثنتين وخمسين ومائتين ، لا يتفق مع نسبتها إلى الناحية ، والمعني

بهذا المصطلح هو الامام الثاني عشر من أئمة أهل البيت ، فقد ولد الامام المهدي ( ع ) سنة 256 ه‍ أو 255 ه‍ ، وتوفي والده الامام الحسن العسكري ( ع ) في اليوم الثامن من شهر ربيع الاول سنة 260 ه‍ وقد تنبه الشيخ المجلسي إلى هذه

الاشكال ، فقال في البيان الذي عقب به على الزيارة : ( واعلم أن في تاريخ الخبر إشكالا ، لتقدمها على ولادة القائم عليه السلام بأربع سنين . لعلها كانت اثنتين وستين ومائتين ، ويحتمل أن يكون خروجه ( الخبر ) عن أبي محمد العسكري عليه

السلام . وإذن فنحن ، بسبب هذا التعارض بين تاريخ صدور الزيارة ونسبتها أمام خيارين . الاول تأخير تاريخ صدورها عشر سنين فتكون قد صدرت سنة ( 262 ه‍ . ) بدلا من ( 252 ه‍ ) وعلى هذا فيمكن الحفاظ على نسبتها إلى الامام الثاني عشر . الثاني التخلي عن نسبتها ، والمحافظة على تاريخها بافتراض أنها
 

- ص 171 -

صادرة عن الامام الحادي عشر أبي محمد العسكري ( ع ) . وقد جزم التستري بهذا الافتراض فقال : ( . . والمراد بالناحية فيه ( الخبر ) لا بد أن يكون العسكري ( ع ) ، لان الحجة لم يكن ولد في تلك السنة - قاموس الرجال : 8 / 333 - 334 ) .

والافتراض الاول يواجه الاعتراض عليه .

 أولا : بأن تعيين سنة 262 ه‍ . لا دليل عليه ، فيمكن أن يكون صدور هذه الزيارة بعد هذا التاريخ بعشرات السنين .

 وثانيا : بأن التعبير الوارد في السند هو أن هذه الزيارة خرجت ( سنة اثنتين وخمسين ومائتين على يد الشيخ محمد بن غالب الاصفهاني ) وظاهر هذا التعبير أن أبا منصور بن النعمان كتب - بعد وفاة أبيه - يستأذن في الزيارة ، وأن محمد بن غالب

هو الذي أوصل الكتاب إلى الامام الثاني عشر ، وأن الجواب عليه مشتملا على الزيارة جاء من الامام بواسطة محمد بن غالب ، وهذا يتنافى مع ما هو معلوم من أن جميع المكاتبات والمسائل التي كانت توجه من الشيعة إلى الامام في الغيبة

الصغرى كانت بواسطة السفراء : عثمان بن سعيد العمري ، ومن بعده إبنه أبو جعفر محمد بن عثمان ، ومن بعده أبو القاسم الحسين بن روح ، ومن بعده أبو الحسن علي بن محمد السمري . ولم يثبت أن أحدا اتصل بالامام - في عهد الغيبة الصغرى

- عن غير طريق هؤلاء . والافتراض الثاني أولى بالقبول من الافتراض الاول لولا الاعتراض عليه بأن مصطلح ( الناحية ) في ثقافة الشيعة الامامية يعني : الامام الثاني عشر المهدي محمد بن الحسن عليه السلام ، في عصر غيبته الصغرى ،
 

- ص 172 -

ولا نعلم أنه استعمل للتعبير عن غيره من الائمة ( ع ) لقد كانت مصطلحات أخرى مثل : ( الجناب العالي ) و ( الحضرة ) و ( المجلس العالي ) وغير ذلك شائعة في ذلك العصر للتعبير عن المقامات الرسمية الدينية والادارية ، كما كانت تستعمل

للتعبير عن السيدات زوجات الخلفاء والسلاطين ، وأمهاتهم وأخواتهم وبناتهم . ولكن شيوع أمثال هذا المصطلح في الثقافة العامة لا يبرر الجزم بأن المصطلح في النص المبحوث عنه قد استعمل عند الشيعة في الاشارة إلى غير الامام الثاني عشر

 ويبدو لنا أن مصطلح ( الناحية ) من مصطلحات الثقافة الشيعية الخاصة ، كما أنه نشأ لاسباب تختلف عن الاسباب التي أدت إلى نشوء ظاهرة الالقاب في الثقافة الادارية والعرف الاجتماعي العام في العصر العباسي الثاني . فقد نشأت هذه

الظاهرة الثقافية في الدولة والحياة العامة لغاية تكريمية نتيجة للتأثير الثقافي الاجنبي من جهة ، ونتيجة للانحلال الداخلي في بنية النظام الذي نتج عنه بقاء هيكل السلطة التقليدي ( الخليفة وبطانته ) دون ممارسة السلطة التي انتقلت إلى مواقع أخرى

هي الامراء المتغلبون الذين تمتعوا بالسلطة الفعلية ومارسوها ، فغدت مظاهر التكريم شكلية بعد أن فقد النظام قوته الذاتية ، وكانت الالقاب تكثر ، وتتنوع كلما أمعن النظام في الانحلال من الداخل . أما في الثقافة الشيعية فيبدو أن لقب ( الناحية )

نشأ لمبررات أمنية فإن السلطة كانت عازمة على قتل الامام الثاني عشر ، وكثيرا ما دوهمت
 

- ص 173 -

دار الامام الحسن العسكري وفتشت بحثا عن الامام الثاني عشر ، مما دعاه إلى الاختفاء والغيبة ، وكان لا بد للشيعة من الاتصال به فنصب الوكلاء الذي ذكرنا أسماءهم آنفا ليتصل الشيعة به عن طريقهم ، وفي هذه الظروف تولد مصطلح

( الناحية ) للاشارة إليه في المكاتبات والحديث . وهذا لا ينافي أن يكون اختيار هذه الوسيلة للاشارة إلى الامام خضوعا لمقتضيات الامن ، قد نشأ من شيوع هذه الظاهرة في الثقافة العامة للمجتمع في ذلك الحين ( 1 ) .


ويبدو أن هذا المصطلح الذي يختلف في أسباب نشوئه عن أمثاله في الثقافة العامة - يبدو أنه مصطلح شيعي خاص ، فإن ألقاب الخلفاء والسلاطين ، والقواد والعلماء والكتاب التي شاعت في النصف الثاني من الدولة العباسية لم يرد فيها ذكر

لمصطلح ( الناحية ) وقد عقد القلقشندي في كتابه صبح الاعشى فصولا ضافية بحث فيها موضوع الالقاب والكنى من جوانبه التطبيقية ، وذكر ، فيما يبدو كلما كان سائدا في عصره . في شأن الالقاب وصيغها ، ولم يذكر من بين ما ذكر مصطلح ( الناحية ) ( 2 ) .
 

  * هامش *  
  (1) وقد كان ثمة مصطلح شيعي آخر للاشارة إلى الامام الثاني عشر في المسائل المالية ، هو مصطلح ( الغريم ) وقد جاء ذكر ذلك في كتاب الارشاد المفيد : ( . . عن محمد بن صالح قال : لما مات أبي وصار الامر إلي كان لابي على الناس سفاتج من مال الغريم - يعني صاحب الامر عليه السلام - قال الشيخ المفيد رحمه الله : وهذا رمز كانت الشيعة تعرفه قديما بينها ، ويكون خطابها عليه السلام للتقية ( كذا ) الارشاد ص 354 .

(2)
أبو العباس أحمد بن علي القلقشندي : صبح الاعشى في صناعة الانشاد نسخة مصورة عن الطبعة الاميرية - في سلسلة : تراثنا - منشورات المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر - ج 5 ص 438 - 506 وجزء 6 ص . والقلقشندي يؤرخ لشيوع ظاهرة الالقاب في مراتب الدولة والمجتمع ( ثم انتهاؤها إلى غاية التعظيم ومجاوزتها الحد في التكثير ) يؤرخ لهذه الظاهرة بالوقت الذي ( استولى فيه بنو بويه من الديلم على الامور ، وغلبوا على الخلفاء ، واستبدوا عليهم ، احتجب الخلفاء ، ولم يبق إليهم => ( * )
 

 

- ص 174 -

إن هذا الاعتراض - وقد أسهبنا في بيان جوانبه - يدعونا إلى الشك في صدور هذه الزيارة عن الامام الحسن العسكري إلى أن يثبت لنا أن مصطلح ( الناحية ) قد استعمل للاشارة إليه كما استعمل للاشارة إلى الامام الثاني عشر . وعلى هذا فلا

نستطيع نسبة الزيارة إلى الامام المهدي ، كما لا نستطيع ترجيح صدورها عن الامام الحسن العسكري . ولا بد لنا في هذه المرحلة من البحث من اعتبارها نصا تاريخيا مجهول المؤلف ( المؤلف إما أن يكون واحدا من ثلاثة أشخاص هم الذين ورد

ذكرهم في سند الزيارة قبل الشيخ الطوسي : ( أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحسين بن عياش الجوهري ، أبو منصور بن عبد المنعم بن النعمان البغدادي ، الشيخ محمد بن غالب الاصفهاني ) هذا إذا كان الاخيران شخصين تاريخيين ، ولم يكونا

شخصين مخترعين وهميين . أو يكون المؤلف رجلا مجهولا غير هؤلاء الثلاثة ) . ويكون تاريخ الزيارة واقعا بين النصف الثاني من القرن الثالث الهجري ونهاية هذا القرن ، وتكون نسبة الزيارة حينئذ إلى الامام الثاني
 

  * هامش *  
   => فيما يكتب عنهم غالبا سوى الولايات ، وفوض الامر في غالب المكاتبات إلى وزرائهم ، وصارت الحال إذا اقتضت ذكر الخليفة كني عنه ب‍ ( المواقف المقدسة ) و ( المقامات الشريفة ) و ( السيرة النبوية ) و ( الدار العزيزة ) و ( المحل الممجد ) . . . ولما انتهى الحال

بالخلفاء إلى التعظيم بهذه الالقاب والنعوت المستعارة تداعى الامر إلى تعظيم الملوك والوزراء بالتلقيب ب‍ ( المجلس العالي ) و ( الحضرة السامية ) . . . ثم تزايد الحال في ذلك إلى أن كنوا ب‍ ( المقام ) و ( المقر ) و ( الجناب ) و ( المجلس ) ونحو ذلك ) ،

صبح الاعشى : 5 / 491 - 492 . وهذا الموضوع بحاجة إلى دراسة واسعة تكشف عن تاريخ نشوئه ، وتطوراته ، واستنباط دلالاته الاجتماعية والسياسية في الحقبة التي نشأ ونما فيها . ( * )

 

 

- ص 175 -

عشر - مع أنها موضوعة - لتكسب صفة القداسة والوثوق في نفوس المؤمنين . وهذه طريقة اتبعها الوضاعون في جميع العصور، في الكتب والآثار الشعرية وغيرها ليتيحوا لموضوعاتهم فرصة الانتشار والقبول عند الجمهور الذي يتوجهون إليه

بمؤلفاتهم ونصوصهم الموضوعة . وهذه النتيجة لا تؤثر في نظرنا على قيمة الزيارة المنسوبة إلى الناحية المقدسة باعتبارها مصدرا أساسيا لاسماء شهداء كربلاء ، يتمتع مؤلفه بخبرة جيدة بموضوعه ، كما سيظهر لنا من مرحلة تالية في هذا البحث.

 

 2 - الزيارة الرجبية : ذكرها السيد ابن طاووس في الاقبال ( ص : 712 - 714 ) دون أن يذكر لها سندا . وقد نقل المجلسي في البحار ، بعد ذكره للزيارة الرجبية ، عن السيد ابن طاووس الكلمة التالية : ( قال السيد رحمه الله : قد تقدم عدد الشهداء في زيارة عاشوراء برواية تخالف ما سطرناه في هذا المكان ، ويختلف في أسمائهم أيضا وفي الزيادة والنقصان .


وينبغي أن تعرف ايدك الله بتقواه أننا أتبعنا في ذلك ما رأيناه أو رويناه ، ونقلنا في كل موضع كما وجدناه ) - بحار الانوار : ج 22 جزء : 101 ص 341 ويبدو من هذه الكلمة أن السيد ابن طاووس هو الذي ألف هذه الزيارة ، وإن لم يصرح بذلك . وهو يعترف في كلمته هذه بفروق أساسية بين هذه الزيارة ، وبين الزيارة المنسوبة إلى الناحية .
 

- ص 176 -

ومن ترجيح أن السيد رحمه الله هو واضح هذه الزيارة ، فإن تاريخها لا يرقى إلى أكثر من نهاية الثالث الثاني من القرن السابع الهجري ، فقد توفي السيد ابن طاووس رحمه الله في سنة 664 ه‍ ومن هنا فإننا لا نستطيع اعتبار الزيارة الرجبية مصدرا أساسا في بحثنا كما اعتبرنا الزيارة المنسوبة إلى الناحية ، لا لشكنا في وثاقة السيد ابن طاووس رحمه الله فهو فوق الشبهات ، وإنما لشكنا في دقة مصادره ، ولعلمنا بتزايد التحريف والتصحيف في هذه الفترة المتأخرة مع عدم العناية بالتحقيق والتدقيق .


 ب - التكوين الداخلي للزيارتين . وننتقل بالبحث إلى النظر في التكوين الداخلي للزيارتين ، فنلاحظ الامور التالية :

 الاول : في عداد الشهداء : اشتملت الزيارة المنسوبة إلى الناحية على ثلاثة وستين اسما ، واشتملت الزيارة الرجبية على خمسة وسبعين اسما ، منها اسم واحد نعتقد أنه مكرر ( وورد في رواية الاقبال مكررا ) وهو إسم ( الحر بن يزيد الرياحي

" فيكون الباقي في الرجبية أربعة وسبعين اسما ، وتكون الزيادة على العدد في الزيادة المنسوبة إلى الناحية بنسبة السدس ( وإذ اعتبرنا رواية البحار بالنسبة إلى الاسم الذي نرجح أنه مكرر ( جرير بن زيد ) الرياحي ) تكون نسبة الزيادة ، في هذه الحالة أكثر من السدس . وهذه الظاهرة - ظاهرة زيادة الاسماء في الزيارة الرجبية - ليست في
 

- ص 177 -

صالحها ، فإن الاضافات التي تدخل في النص التاريخي المتأخر ، دون أن تبين مصادرها والاعتبارات التي دخلت فيه بسببها . تكون نتيجة للتزيد والتحريف والتصحيف ، وليس نتيجة للدقة والتحري .


 الثاني : الاسماء الدخيلة : اشتملت الزيارة الرجبية على اسم ( عقبة بن سمعان ) باعتباره من شهداء كربلاء . كما اشتملت على اسم ( عبد الله بن بقطر ) باعتباره ، كذلك ، شهيدا في كربلاء . وعقبة بن سمعان لم يقتل في كربلاء ، بل من الراجح

أنه لم يشارك في المعركة على الاطلاق ، وقد هم عمر بن سعد بقتله بعد المعركة حين قبض عليه ، ثم أطلق سراحه حين أخبره بأنه عبد للرباب زوجة الحسين ، وعاش بعد ذلك زمنا ، وغدا من رواة أخبار الثورة الحسينية . وعبد الله بن بقطر لم

يشهد كربلاء ، فقد استشهد في الكوفة حين قدمها رسولا من الحسين إلى مسلم بن عقيل قبل وصول الحسين إلى كربلاء ، وقبض عليه ، وقتل بأمر عبيد الله بن زياد في قصر الامارة . وقد خلت الزيارة المنسوبة إلى الناحية عن هذين الاسمين .

نعم تشترك الزيارتان في أنهما ذكرتا ( قيس بن مسهر الصيداوي ) الذي استشهد في الكوفة قبيل وصول الحسين إلى كربلاء ، ومن ثم فهو كعبد الله بن بقطر ليس من شهداء كربلاء . وهذه الملاحظة ليست في صالح الزيارة الرجبية ، لانها تكشف عن عدم خبرة مؤلفها بموضوعه .
 

- ص 178 -

 الثالث : في نسبة الشهداء إلى القبائل : يغلب على الاسماء الواردة في الزيارة المنسوبة إلى الناحية أنها منسوبة ، فمن بين الثلاثة وستين رجلا الذين وردت أسماؤهم فيها يوجد سبعة وأربعون اسما منسوبة إلى القبيلة التي يفترض أن الشهيد ينتمي إليها ، والاسماء التي لم تنسب تبلغ ستة عشر اسما فقط ، أي ما يزيد قليلا على ربع مجموع الاسماء الواردة في الزيارة .


وفي الزيارة الرجبية نجد الامر على العكس من ذلك تقريبا ، فعدد الاسماء المنسوبة يبلغ واحدا وعشرين اسما . ويبقي في الزيارة ثلاثة وخمسون اسما بغير نسبة ، أي ما يقرب من ثلاثة أرباع الاسماء الواردة في الزيارة . و

هذه الظاهرة ليست في صالح الزيارة الرجبية أيضا ، فإن وجود النسبة يدل على أن المؤلف أكثر خبرة بموضوعه ، ومن ثم فهو أدعى إلى الثقة به - في النص موضوع البحث - من ذلك الذي لا يتمتع بخبرة كافية في الموضوع .


الرابع : الاسماء الشاذة : اشتملت الزيارة الرجبية على إسم ( سليمان ) خمس مرات بالنسبة إلى أربعة رجال ، ثلاثة منهم إسم كل واحد منهم سليمان ، وهم ( سليمان بن كثير ، سليمان بن سليمان الازدي ، سليمان بن عون الحضرمي ) واثنان منهم

إسم أبويهما سليمان ، وهما : ( سليمان بن سليمان الازدي ، زهير بن سليمان - حسب رواية الاقبال ) . وهذا ما يثير الشك في دقة مؤلف الرجبية أو في دقة مصادره التي
 

- ص 179 -

أخذ منها ، فإن هذا الاسم ( سليمان ) لم يكن شائعا بين المسلمين العرب بين رجال النصف الاول من القرن الاول الهجري .

ويمكن التأكد من ذلك بملاحظة فهارس أعلام تاريخ الطبري مثلا واستقراء هذا الاسم في الرجال الذين ذكرهم رواة الطبري في أحداث الفترة التي نبحث عنها ، وسنجد حينئذ أن هذا الاسم محدود الانتشار جدا ، وكذلك الحال بالنسبة إلى كتاب صفين

لنصر بن مزاحم الذي اشتمل فهرست كتابه على تسعة رجال بهذا الاسم ليس فيهم أربعة رجال معاصرين للحقبة التاريخية التي وقعت فيها ثورة كربلاء . وسبب ذلك أن الاسماء تتصل بالتكوين الثقافي والوضع الحضاري للامة وهي من السمات

الثقافية التي لا تتغير بسرعة ، بل تتغير ببطء شديد ، والتغير يتم نتيجة لتغير المفاهيم الثقافية عند الامة ، هذه المفاهيم التي تحمل الامة على أن تستجيب في عاداتها وتقاليدها وأسمائها ومئات من مظاهر حياتها البسيطة والمعقدة .


وقد واجه العرب هذا التغيير الثقافي الشامل حين دخلوا في الاسلام ، وكان من جملة عناصر العالم الثقافي الجديد الذي دخلوا في أسماء جديدة وردت في القرآن الكريم وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله تتناسب مع الفكرة العامة للمعتقد

الاسلامي أو تتصل بالتاريخ القديم للاسلام في الصيغ السابقة على الصيغة الخاتمة التي أرسل بها خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله . وقد كان هذا اللون الثاني من الاسماء الاسلامية موجودا في الصيغ الشائعة للتوراة والانجيل ، ولكن لم يكن

للعرب ، كما نعلم ، صلة بهذين الكتابين على نحو تكون لهم مفاهيم ثقافية تختلف عن مفاهيمهم الثقافية في العهد الجاهلي ، ولذا فإنهم دخلوا في عالم الاسلام الثقافي

- ص 180 -

وهم يحملون أسماء جاهلية ، وقد سموا أبناءهم بأسماء جاهلية ، اللهم إلا الجيل الذي ولد بعد الاسلام من آباء عاشوا في مراكز الاسلام الكبرى في المدينة وغيرها فقد حمل القليل من أفراده أسماء تتصل بالاساس العقيدي للاسلام ( عبد الله ،

عبيد الله ، عبد الرحمان . . ) وبقي أكثر أفراد هذا الجيل يحملون أسماء جاهلية أو تتصل بالجاهلية بشكل أو بآخر . وهكذا يتبين لنا كيف أن ( الظاهرة الثقافية الاسمية ) - إذا صح التعبير - في كل نظام ثقافي جديد ذات طبيعة خاصة ، فهي لا

تستجيب للتعير بالسهولة والسرعة التي تستجيب لها الظاهرات الاخرى ، بل إنها تتسم بالمحافظة ، وتتغير ببطء شديد . ونقدر - على ضوء ما قدمنا - أن التغيير يحتاج إلى ثلاثة أجيال أو أربعة أجيال بعد دخول المجتمع في العالم الثقافي الجديد .

فإن الجيل الاول يبقى على أسمائه النابعة من العالم الثقافي القديم ، ويكون قد سمى أبناءه بالاسماء المنسجمة مع ثقافته القديمة ولا شك في أن رواسب الثقافة القديمة وأدبياتها تبقى حية فاعلة ، بنسب متفاوتة ، في الكثرة العظمى من المجتمع

في الجيل الثاني الذي يحمل اسماءه وأسماء آبائه النابعة من الثقافة القديمة ، وهو مشبع في الوقت نفسه بمعاني الثقافة الجديدة ، فتبدأ الاسماء المتصلة بالثقافة الجديدة بالظهور ، ولكن يبقى لاسماء الثقافة القديمة وجود واسع الانتشار ، يأخذ بالانحسار في الجيل الثالث ، حتى يذوب نهائيا في الجيل الرابع ، أو الخامس بعد دخول المجتمع في عالمه الثقافي الجديد .
 

- ص 181 -

وقد عمل النبي صلى الله عليه وآله على تغيير ظاهرة الاسماء الجاهلية بطريقتين الاولى : إصدار التوجيهات العامة باختيار الاسماء الاسلامية ، القرآنية وغيرها . الثانية : تغيير أسماء بعض الاشخاص من الرجال والنساء ، ولكنه لم يتوسع في

الطريقة الثانية ، لان تغيير الاسماء على نطاق واسع يربك العلاقات الاجتماعية ، ويدخل اختلالا خطيرا على سلاسل الانساب التي كان العرب يعنون بها عناية فائقة . على ضوء ما تقدم : إذا أخذنا في الاعتبار أنه في سنة ستين للهجرة كان

جمهور السملمين العرب يتكون من الجيل الثاني في الاسلام مع بقايا من الجيل الاول ، يتضح لنا أنه لم تكن قد سنحت بعد الفرصة أمام الاسماء الجديدة لتنتشر وتحل محل الاسماء القديمة ، على الخصوص الاسماء ذات المنشأ غير العربي كما هو

الشأن بالنسبة إلى سليمان ، وعلى العكس من المسلمين العرب ، فإن هذا النوع من الاسماء كان شائعا إلى حد ما بين المسلمين غير العرب ( الموالي ) ، والمتأثرين منهم بالثقافة اليونانية أو المنتمين إلى العالم اليوناني البيزنطي بشكل خاص ،

وذلك لان الاسماء التي وردت في القرآن والسنة كانت مألوفة لديهم في عالمهم الثقافي القديم . وقد اشتملت الزيارة المنسوبة إلى الناحية على إسم ( سليمان ) مرة واحدة ، ولكنه ورد فيها إسما لاحد الموالي هو ( سليمان مولى الحسين ) وبهذا تكون الزيارة المنسوبة إلى الناحية متوافقة ، من هذه الجهة ، مع
 

- ص 182 -

الظاهرة الثقافية الاسمية السائدة في الفترة المبحوث عنها ، ويكون إسم ( سليمان مولى الحسين ) فيها متوافقا مع طبيعة الاشياء ، وليس إسما شاذا كما هو الشأن في ( سليمان ) الذي ورد إسما لخمسة أشخاص يفترض أنهم من العرب في

الزيارة الرجبية . ونلاحظ هنا ، بهذه المناسبة ، أن الزيارة الرجبية لم تشتمل على إسم ( سليمان مولى الحسين ) . إن اشتمال الزيارة الرجبية على هذا الاسم الشاذ في المحيط الاسلامي العربي في الفترة التاريخية والمبحوث عنها إسما لخمسة

رجال نقطة ضعف في الزيارة الرجبية . هذه الامور التي ذكرناها تدعونا إلى اعتبار الزيارة الرجبية مصدرا ثانوي القيمة لاسماء شهداء كربلاء ، ولا يمكن ، لهذا ، الاعتماد عليها في الاسماء التي انفردت بها دون بقية المصادر ، بل لا بد من

ضم مصدر آخر إليها بالنسبة إلى أي إسم من الاسماء التي وردت فيها ، بعد التأكد من أن هذا المصدر لم يستند إليها . وتكون الزيارة المنسوبة إلى الناحية مصدرا أساسا لاسماء الشهداء لقدمها من جهة ، ولسلامتها من المآخذ التي ذكرناها على الزيارة الرجبية من جهة أخرى .



 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الحسين (ع)

 

فهرس الكتاب