- أنصار الحسين ( ع ) - محمد مهدي شمس الدين ص 138 : -

قبور الشهداء الهاشميين وغير الهاشميين جثث الشهداء أثناء المعركة :


يبدو من بعض النصوص عند الطبري والشيخ المفيد أن الحسين أعد خيمة لتوضع فيها جثث الشهداء . ومن المؤكد أن جثث شهداء بني هاشم كانت توضع في مكان معين ، هو الخيمة التي ذكرناها آنفا .


ولا نستطيع أن نؤكد إن كانت جثث الشهداء من غير الهاشميين كانت توضع في نفس الخيمة أو في مكان آخر ، أو أنها كانت تبقى في ساحة المعركة . ونقدر أنها كانت تنقل من ساحة المعركة كما تقضي به التقاليد والاعراف .


ولان القتال كان مبارزة ، وكان متقطعا تتخلله فترات هدوء بين مبارزة ومبارزة ، وكانت ساحة المعركة محدودة نسبيا بسبب قلة عدد أفراد القوة الثائرة ، مما يعطل القدرة على المناورة في مساحة واسعة .


ولكننا لا نستطيع أن نؤكد ما إذا كانت تنقل إلى المكان الذي توضع في جثث شهداء الهاشميين ، أو أنها كانت توضع في مكان آخر .

- ص 139 -

ولعل الذي حدث إنها كانت توضع في مكان آخر ، فربما كان الامام الحسين قدر - وهو يعلم نتيجة المعركة - أن الرؤوس ستقطع ، وأن هذا سيؤدي إلى صعوبات في تمييز هوية الشهداء من أصحابه وأهل بيته ، فجعل مكانين أحدها لحفظ جثث الشهداء الهاشميين ، والآخر لحفظ جثث الشهداء غير الهاشميين .


ولعل ثمة أمرا آخر يشجع على ترجيح هذا الرأي ، وهو أن الشهداء الهاشميين كانوا مع أسرهم أو بعض أسرهم ، بحيث لا نعرف شهيدا منهم لم يكن له بين النساء الهاشميات أم أو أخت أو زوجة أو بنت ، أوهن مجتمعات ، وهذا يؤدي إلى مراعاة

الاعتبارات العاطفية والاسرية في هذه الحالة ، وهي تقضي بأن يحمل الشهيد ، ليتمكن النسوة ، في غمرة المعركة ، من مشاهدة جسده ، والبكاء عليه ، وهذا الاعتبار يدعو إلى إفراد الشهداء الهاشميين في مكان خاص . أما الشهداء غير الهاشميين فإن العدد الاكبر منهم لم يصحبوا معهم نساءهم .


والنصوص التي أشرنا إليها آنفا هي ما ذكره الطبري عند ذكره استشهاد علي بن الحسين الاكبر ، وهو : ( . . وأقبل الحسين إلى أبنه ، وأقبل فتيانه إليه ، فقال : احملوا أخاكم ، فحملوه من مصرعه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه ( الطبري : 5 / 447 ) .


وما ذكره في الحديث عن استشهاد القاسم بن الامام الحسن بن علي ، وهو . ( . . ثم احتمله ( الحسين ) فكأني أنظر إلى رجلي الغلام يخطان

- ص 140 -

في الارض ، وقد وضع حسين صدره على صدره ، قال ( الراوي حميد بن مسلم ) فقلت في نفسي : ما يصنع به ! فجاء به حتى ألقاه مع ابنه علي بن الحسين وقتلى قد قتلت حوله من أهل بيته . . ) ( الطبري : 5 / 447 - 448 ) وأورد الشيخ المفيد نصين مماثلين لما عند الطبري ( الارشاد : 239 - 240 ) .


ويؤيد هذا الرأي النص التالي الذي ذكره الشيخ المفيد ( الارشاد : 243 ) في حديثه عن كيفية دفن الشهداء : ( . . وحفروا - بنو أسد - للشهداء من أهل بيته وأصحابه - الذين صرعوا حوله - مما يلي رجلي الحسين ( ع ) وجمعوهم فدفنوهم جميعا معا ) . فإن كلمة ( جمعوهم ) توحي بأنهم ( الهاشميين وغير الهاشميين ) . كانوا متفرقين .


وهذا القول يعزز الرأي بأن بني هاشم كانوا في موضع منفرد . ولكن كلمة ( حوله ) في هذا النص ربما توحي بأن جثث الشهداء من غير الهاشميين كانت متفرقة لم تجمع في مكان واحد ، أو في مجموعات ، وهو أمر بعيد جدا لما ذكرناه آنفا .

وسنرى أن كلام المفيد مضطرب في هذا الشأن . دفن الشهداء وقبورهم : قال المسعودي ( مروج الذهب : 3 / 72 ) : ( . . ودفن أهل الغاضرية - وهم قوم من بني عامر ، من بني أسد - الحسين وأصحابه بعد قتلهم بيوم ) .
 

- ص 141 -

وهذا يعني أن الدفن كان بعد ظهر اليوم الحادي عشر من محرم ، فإن نص الشيخ المفيد الآتي يدل على أن بني أسد دفنوا الشهداء بعد رحيل عمر بن سعد ، وقد رحل عمر بن سعد بعد زوال اليوم الحادي عشر .


وقال الشيخ المفيد ( الارشاد ، ص : 243 ) ( ولما رحل ابن سعد خرج قوم من بني أسد كانوا نزولا بالغاضرية ( 1 ) إلى الحسين ( ع ) وأصحابه ، فصلوا عليهم ودفنوا الحسين ( ع ) حيث قبره الآن ، ودفنوا ابنه علي بن الحسين الاصغر عند رجله .


وحفروا للشهداء من أهل بيته وأصحابه - الذين صرعوا حوله - مما يلي رجلي الحسين ( ع ) وجمعوهم فدفنوهم جميعا معا . ودفنوا العباس بن علي عليهما السلام في موضعه الذي قتل فيه على طريق الغاضرية حيث قبره الآن ) .


وقال الشيخ المفيد في موضع آخر ( الارشاد ، ص : 249 ) . ( . . وهم ( شهداء بني هاشم ) كلهم مدفونون مما يلي رجلي الحسين عليه السلام في مشهده ، حفر لهم حفيرة وألقوا فيها جميعا وسوي عليهم التراب ، إلا العباس بن علي عليهما السلام فإنه دفن في موضع مقتله على المسناة ( 2 ) بطريق الغاضرية ، وقبره ظاهر ، وليس لقبور أخوته وأهله الذين سميناهم أثر ، وإنما يزورهم الزائر من عند قبر الحسين ( ع )

 

  * هامش *  
  (1) الغاضرية : قرية على الفرات منسوبة إلى غاضرة قبيلة من بني أسد .
(2)
المسناة : حائط يبنى على طرف الماء ، ويبدو أن المراد هنا المنبسط الرملي المحاذي لضفة النهر . ( * )
 

 

- ص 142 -

ويومئ إلى الارض التي نحو رجليه بالسلام عليهم ، وعلى علي بن الحسين علهيما السلام في جملتهم ، ويقال إنه أقربهم دفنا إلى الحسين ( ع ) . ( فأما أصحاب الحسين ( ع ) رحمة الله عليهم الذين قتلوا معه ، فإنهم دفنوا حوله ، ولسنا نحصل لهم أجداثا على التحقيق والتفصيل ، إلا أنا لانشك أن الحائر محيط بهم . رضي الله عنهم وأرضاهم ، وأسكنهم جنات النعيم ) . وهنا ملاحظتان .


 الملاحظة الاولى : إن هذا النص يخالف سابقه من حيث إن النص الاول صريح في أن جميع الشهداء - من هاشميين وغير هاشميين - دفنوا في قبر جماعي واحد . ويبدو من النص الثاني إن الهاشميين دفنوا وحدهم في قبر واحد ، وغير الهاشميين من الشهداء دفنوا - كما يوحي به النص - في قبور جماعية متعددة حول الحسين عليه السلام :


 الملاحظة الثانية : أنه يوجد قبران أحدهما قبر منسوب إلى حبيب بن مظاهر الاسدي وهو موجود في داخل الحائر من جهة رأس الحسين عليه السلام ، والآخر قبر الحر بن يزيد الرياحي على مسافة عدة كيلو مترات من مشهد الحسين حيث قبره وقبور الشهداء
 

- ص 143 -

وهذا يخالف كلان النصين الآنفين عن الشيخ المفيد ، فإنهما صريحان في أن جميع الشهداء دفنوا في قبر جماعي واحد مع الهاشميين ، أو في قبور جماعية متعددة . ولم نر في المؤرخين المعتمدين من ذكر شيئا يعتد به في هذا الشأن .


وقال السيد محسن الامين رحمه الله ( أعيان الشيعة - الجزء الرابع - القسم الاول / 142 ) : ( ويقال أن بني أسد دفنوا حبيب بن مظاهر في قبر وحده عند رأس الحسين ( ع ) حيث قبره الآن ، اعتناء به لانه أسدي .


وأن بني تميم حملوا الحر بن يزيد الرياحي على نحو ميل من الحسين ( ع ) ودفنوه هناك حيث قبره الآن اعتناء به أيضا ، ولم يذكر ذلك المفيد ، ولكن اشتهار ذلك وعمل الناس عليه ليس بدون مستند ) . والله تعالى أعلم .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الحسين (ع)

 

فهرس الكتاب