قبور الشهداء الهاشميين وغير
الهاشميين جثث الشهداء أثناء المعركة :
يبدو من بعض النصوص عند الطبري والشيخ المفيد أن الحسين أعد خيمة لتوضع فيها
جثث الشهداء . ومن المؤكد أن جثث شهداء بني هاشم كانت توضع في مكان معين ، هو
الخيمة التي ذكرناها آنفا .
ولا نستطيع أن نؤكد إن كانت جثث الشهداء من غير الهاشميين كانت توضع في نفس
الخيمة أو في مكان آخر ، أو أنها كانت تبقى في ساحة المعركة . ونقدر أنها كانت
تنقل من ساحة المعركة كما تقضي به التقاليد والاعراف .
ولان القتال كان مبارزة ، وكان متقطعا تتخلله فترات هدوء بين مبارزة ومبارزة ،
وكانت ساحة المعركة محدودة نسبيا بسبب قلة عدد أفراد القوة الثائرة ، مما يعطل
القدرة على المناورة في مساحة واسعة .
ولكننا لا نستطيع أن نؤكد ما إذا كانت تنقل إلى المكان الذي توضع في جثث شهداء
الهاشميين ، أو أنها كانت توضع في مكان آخر .
ولعل الذي حدث إنها كانت توضع في مكان آخر ، فربما كان الامام
الحسين قدر - وهو يعلم نتيجة المعركة - أن الرؤوس ستقطع ، وأن هذا سيؤدي إلى
صعوبات في تمييز هوية الشهداء من أصحابه وأهل بيته ، فجعل مكانين أحدها لحفظ
جثث الشهداء الهاشميين ، والآخر لحفظ جثث الشهداء غير الهاشميين .
ولعل ثمة أمرا آخر يشجع على ترجيح هذا الرأي ، وهو أن الشهداء الهاشميين كانوا
مع أسرهم أو بعض أسرهم ، بحيث لا نعرف شهيدا منهم لم يكن له بين النساء
الهاشميات أم أو أخت أو زوجة أو بنت ، أوهن مجتمعات ، وهذا يؤدي إلى مراعاة
الاعتبارات العاطفية والاسرية في هذه الحالة ، وهي تقضي بأن
يحمل الشهيد ، ليتمكن النسوة ، في غمرة المعركة ، من مشاهدة جسده ، والبكاء
عليه ، وهذا الاعتبار يدعو إلى إفراد الشهداء الهاشميين في مكان خاص . أما
الشهداء غير الهاشميين فإن العدد الاكبر منهم لم يصحبوا معهم نساءهم .
والنصوص التي أشرنا إليها آنفا هي ما ذكره الطبري عند ذكره استشهاد علي بن
الحسين الاكبر ، وهو : ( . . وأقبل الحسين إلى أبنه ، وأقبل فتيانه إليه ، فقال
: احملوا أخاكم ، فحملوه من مصرعه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا
يقاتلون أمامه ( الطبري : 5 / 447 ) .
وما ذكره في الحديث عن استشهاد القاسم بن الامام الحسن بن علي ، وهو . ( . . ثم
احتمله ( الحسين ) فكأني أنظر إلى رجلي الغلام يخطان
في الارض ، وقد وضع حسين صدره على صدره ، قال ( الراوي حميد
بن مسلم ) فقلت في نفسي : ما يصنع به ! فجاء به حتى ألقاه مع ابنه علي بن
الحسين وقتلى قد قتلت حوله من أهل بيته . . ) ( الطبري : 5 / 447 - 448 ) وأورد
الشيخ المفيد نصين مماثلين لما عند الطبري ( الارشاد : 239 - 240 ) .
ويؤيد هذا الرأي النص التالي الذي ذكره الشيخ المفيد ( الارشاد : 243 ) في
حديثه عن كيفية دفن الشهداء : ( . . وحفروا - بنو أسد - للشهداء من أهل بيته
وأصحابه - الذين صرعوا حوله - مما يلي رجلي الحسين ( ع ) وجمعوهم فدفنوهم جميعا
معا ) . فإن كلمة ( جمعوهم ) توحي بأنهم ( الهاشميين وغير الهاشميين ) . كانوا
متفرقين .
وهذا القول يعزز الرأي بأن بني هاشم كانوا في موضع منفرد . ولكن كلمة ( حوله )
في هذا النص ربما توحي بأن جثث الشهداء من غير الهاشميين كانت متفرقة لم تجمع
في مكان واحد ، أو في مجموعات ، وهو أمر بعيد جدا لما ذكرناه آنفا .
وسنرى أن كلام المفيد مضطرب في هذا الشأن . دفن الشهداء
وقبورهم : قال المسعودي ( مروج الذهب : 3 / 72 ) : ( . . ودفن أهل الغاضرية -
وهم قوم من بني عامر ، من بني أسد - الحسين وأصحابه بعد قتلهم بيوم ) .
وهذا يعني أن الدفن كان بعد ظهر اليوم الحادي عشر من محرم ،
فإن نص الشيخ المفيد الآتي يدل على أن بني أسد دفنوا الشهداء بعد رحيل عمر بن
سعد ، وقد رحل عمر بن سعد بعد زوال اليوم الحادي عشر .
وقال الشيخ المفيد ( الارشاد ، ص : 243 ) ( ولما رحل ابن سعد خرج قوم من بني
أسد كانوا نزولا بالغاضرية ( 1 ) إلى الحسين ( ع
) وأصحابه ، فصلوا عليهم ودفنوا الحسين ( ع ) حيث قبره الآن ، ودفنوا ابنه علي
بن الحسين الاصغر عند رجله .
وحفروا للشهداء من أهل بيته وأصحابه - الذين صرعوا حوله - مما يلي رجلي الحسين
( ع ) وجمعوهم فدفنوهم جميعا معا . ودفنوا العباس بن علي عليهما السلام في
موضعه الذي قتل فيه على طريق الغاضرية حيث قبره الآن ) .
وقال الشيخ المفيد في موضع آخر ( الارشاد ، ص : 249 ) . ( . . وهم ( شهداء بني
هاشم ) كلهم مدفونون مما يلي رجلي الحسين عليه السلام في مشهده ، حفر لهم حفيرة
وألقوا فيها جميعا وسوي عليهم التراب ، إلا العباس بن علي عليهما السلام فإنه
دفن في موضع مقتله على المسناة ( 2 ) بطريق
الغاضرية ، وقبره ظاهر ، وليس لقبور أخوته وأهله الذين سميناهم أثر ، وإنما
يزورهم الزائر من عند قبر الحسين ( ع )
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
الغاضرية : قرية على الفرات منسوبة إلى غاضرة قبيلة من بني أسد .
(2) المسناة : حائط يبنى على
طرف الماء ، ويبدو أن المراد هنا المنبسط الرملي المحاذي لضفة النهر .
( * )
|
|
|
ويومئ إلى الارض التي نحو رجليه بالسلام عليهم ، وعلى علي بن
الحسين علهيما السلام في جملتهم ، ويقال إنه أقربهم دفنا إلى الحسين ( ع ) . (
فأما أصحاب الحسين ( ع ) رحمة الله عليهم الذين قتلوا معه ، فإنهم دفنوا حوله ،
ولسنا نحصل لهم أجداثا على التحقيق والتفصيل ، إلا أنا لانشك أن الحائر محيط
بهم . رضي الله عنهم وأرضاهم ، وأسكنهم جنات النعيم ) . وهنا ملاحظتان .
الملاحظة الاولى : إن هذا النص يخالف سابقه
من حيث إن النص الاول صريح في أن جميع الشهداء - من هاشميين وغير هاشميين -
دفنوا في قبر جماعي واحد . ويبدو من النص الثاني إن الهاشميين دفنوا وحدهم في
قبر واحد ، وغير الهاشميين من الشهداء دفنوا - كما يوحي به النص - في قبور
جماعية متعددة حول الحسين عليه السلام :
الملاحظة الثانية : أنه يوجد قبران أحدهما
قبر منسوب إلى حبيب بن مظاهر الاسدي وهو موجود في داخل الحائر من جهة رأس
الحسين عليه السلام ، والآخر قبر الحر بن يزيد الرياحي على مسافة عدة كيلو
مترات من مشهد الحسين حيث قبره وقبور الشهداء
وهذا يخالف كلان النصين الآنفين عن الشيخ المفيد ، فإنهما
صريحان في أن جميع الشهداء دفنوا في قبر جماعي واحد مع الهاشميين ، أو في قبور
جماعية متعددة . ولم نر في المؤرخين المعتمدين من ذكر شيئا يعتد به في هذا
الشأن .
وقال السيد محسن الامين رحمه الله ( أعيان الشيعة - الجزء الرابع - القسم الاول
/ 142 ) : ( ويقال أن بني أسد دفنوا حبيب بن مظاهر في قبر وحده عند رأس الحسين
( ع ) حيث قبره الآن ، اعتناء به لانه أسدي .
وأن بني تميم حملوا الحر بن يزيد الرياحي على نحو ميل من الحسين ( ع ) ودفنوه
هناك حيث قبره الآن اعتناء به أيضا ، ولم يذكر ذلك المفيد ، ولكن اشتهار ذلك
وعمل الناس عليه ليس بدون مستند ) . والله تعالى أعلم .