بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين . وصلى الله على محمد رسوله وآله
الطاهرين تقديم ثمة بعد من أبعاد الثورة الحسينية - وهو البعد البشري باتجاه
العمق - لم يدرس من قبل على الاطلاق . وهو كما تكشف لي من خلال بحثي ، بعد عميق
الاغوار ، واسع الارجاء متراحب الآفاق .
ولا أستطيع أن أقول إن ما كتبته قد نفذ إلى جميع أعماقه ، وامتد إلى أوسع آفاقه
، فطموح كهذا يقتضي دراسة متأنية صبورة تعتمد على جميع ما يمكن الحصول عليه من
مصادر ، ربما يكون بعضها غير تقليدي لمثل هذه الدراسات ككتب الانساب .
وتقوم على تتبع علاقات القبائل في مجموعتيها الكبيرتين : عرب الشمال ، وعرب
الجنوب ، ثم تتبع علاقات القبائل في داخل كل مجموعة من هاتين المجموعتين ، ثم
تتبع الصلات بين الافخاذ والبطون في كل قبيلة ، وعلاقاتها الداخلية ، ثم يأتي
من بعد ربط ذلك كله بالمواطن الجغرافية لهذه القبائل في العراق والحجاز وسورية
، وربما تعدينا ، في الدائرة الكبرى ، إلى مصر وشمال أفريقيا .
كما يقتضي طموح كهذا دراسة أكثر اتساعا وشمولا لمواقف الموالي
في ذلك العهد المبكر . لقد كانت النتيجة التي توصلنا إليها هنا هي أن الموالي
لم يكن لهم دور في هذه الثورة ، وهي نتيجة نثق بصحتها ، ولكن ما مدى مساهمة هذه
الثورة في إيقاظ شعور الموالي بأهميتهم ، وبالظلم النازل بهم ، وبقدرتهم على
التغيير ؟
كما يقتضي إجابة عن كثير من المسائل الهامة ، والتي منها : درجة تماسك البناء
القبلي في المجتمع الاسلامي في ذلك الحين ؟ موقف العباسيين الحقيقي الخفي من
العلويين في غمرة النشاط السياسي والثوري الذي احتدم في الثلث الاخير
من القرن الهجري الاول وبدايات القرن الثاني ؟ حقيقة علاقة
العباسيين ودعاتهم بذوي النحل والاهواء من الجماعات غير الاسلامية أو المتسترة
بالاسلام في مراحل ما قبل القضاء على الامويين وبعد إقامة الدولة العباسية ؟
وغير ذلك .
إن الاجابات التي وردت في هذا البحث على بعض هذه المسائل . وعلى غيرها من
المسائل التي لم نذكرها في هذا التقديم ، غير كافية ، وهذا لا يعني أنها غير
صحيحة ، ولكنها مع ذلك تحتاج إلى تفصيل أكثر .
لقد بدأت بكتابة هذا البحث ليكون ملحقا للطبعة الثالثة من كتابي ( ثورة الحسين
: ظروفها الاجتماعية وآثارها الانسانية ) ولكن المسائل التي كان يثيرها كانت
تستدرجني للتوسع فيها حتى تكونت هذه الفصول التي هي أكبر من أن تكون ملحقا
لكتاب ، فرأيت نشرها في كتاب مستقل .
إن هذا البحث يتكون من ثلاثة أقسام :
1 - مقدمات : عن أبعاد الفكرة وأهدافها ، ومصادر البحث
.
2 - كم هم ومن هم ؟ عن شهداء الثورة الحسينية من
الهاشميين وغيرهم في كربلاء والكوفة ، والتعريف بكل واحد منهم في حدود
المعلومات المتاحة عنه ، مع ملحق أثبتنا فيه نص الزيارة المنسوبة إلى الناحية
المقدسة والزيارة الرجبية .
وفصل مهم في تحقيق حال الزيارتين من حيث كونهما مصدرين لهذا
البحث رجحنا فيه الاخذ بالزيارة المنسوبة إلى الناحية ، واعتبرنا الزيارة
الرجبية مصدرا ثانويا غير مهم .
3 - الدلالات التي تستفاد من المعلومات المتعلقة بأشخاص لشهداء ، ووضع الدولة
والمجتمع ، وظروف المعركة وما سبقها وما تلاها .
يبدو لي أن هذا البحث يمثل طريقة جديدة في التعامل مع النص التاريخي واستنطاقه
، خاصة فيما يعود إلى حقل دراسة الثورات وجماهيرها في التاريخ الاسلامي ، فإن
تاريخ الثورات ، كما نعلم قد تعرض للتهشيم والتمزيق من قبل الرواة
والمؤرخين الذين كانوا يتملقون السلطة أو يخافون منها ، ولذا
فإن مهمة المؤرخ بالغة الصعوبة في هذا الحقل ، وربما كانت هذه الطريقة أفضل
الطرق التي تمكن الباحث من الوصول إلى قدر كبير من الحقيقة .
إذا استطاع هذا البحث بطريقته التي بني عليها ، والمسائل التي
أثارها وأجاب عليها أولم يوفق للاجابة عليها - إذا استطاع أن يثير الرغبة في
البحث عن مزيد من الحقيقة فإنه يكون قد أدى إلى أعظم أغراضه .
أسأل الله تعالى أن يجعله عملا مقبولا ، وأن ينفع به ، والحمد لله رب العالمين
.
محمد مهدي شمس الدين 21 جمادي الاول 1394 ه . 11 حزيران 1974 م .